أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

فتى القدس الأسمر

فتى القدس الأسمر

بقلم/ عبد الله لحلوح

كلُّنا أو أغلبُنا شاهد ما يجري في القدس من محاولاتٍ صهيونية بائسة لطمس الهوية العربية الفلسطينية، ولكنَّ محاولاتهم هذه المرَّة جاءت من نوعٍ آخر، فشباب القدس لا يمكن لأحد أن يستفزَّهم متى شاء، وكيفما يشاء، ففي حين فكرت العقلية القمعية الإمبريالية ممارسة سياسة العنصرية التي تنتهجها بحق الفلسطينيين منذ أن احتلت الأرض عام 1948 وحتى اليوم، والشباب العربي الفلسطيني يواجه تلك الآلة بوعيٍ وثبات، ويقف بشموخه المعهود أمام تغوُّلاتِ الغزاة، متحديًا بصدره العاري، وبوجه الناري مغول القرن الواحد والعشرين، ليظل اسم القدس مباركًا بأفعال المقدسيين وأقوالهم وأسمائهم العالية. فكل من زار القدس في الجمعة الثانية من رمضان، رأى الجَمالَ يتطايرُ من عيون أبناء القدس وفتيانها، ومن لم يتمكن من زيارتها أسعفته شاشات التلفاز برؤية صورة ذلك الفتى الأسمر، وهو يفرضُ سطوةَ الكنعانيِّ على وجوه الطارئين، رافعًا رأسه للسماء، صانعًا لنا قوسًا من الفخر العظيم.

وأنت في القدس تشعر أنك معلق بأهداب السماء، ترى حيطانها العتيقة، وتشتمُّ روائح البخور والتوابل والبهارات، فينتابك إحساسٌ غريبٌ عجيب، ثمَّ ترى فيها شبابًا كُتبتْ على جباههم عبارات الفخر، وآيات الانتصار، وأنتَ بين كل هذا الجمال، تخرج من ذاتك، وتذوب في حضرة القداسة، فالأرض التي باركها الله، لا تفتأ تُذكِّرك بأنها لا تقبل الهوان، وأن أهلها لا يرضون الدنية، فهي العروس التي تأبى أن يدخل الزناةُ إلى حجرتها، وهي الشريفة العفيفة اللطيفة العنيفة، تحنو على أهل الضمائر النقية، وتقسو على ذوي القلوب العرجاء.

ففي القدس رايات السماء محلقات، ترفرف مصبوغةً بدماء الشهداء، وتزهو بعزة رافعيها فخرًا ومجدًا وكبرياء، فأنّى لأبناء النَّطيحة أن تطأها أقدامهم سالمين؟ وكيف لهم أن يدنسوا طهارتها بصلفهم وغرورهم وفيها فتيةٌ يُشعلون أرواحهم في قناديلها؟
في القدس يرتفعُ الأذانُ على مآذنَ من دماء، فيها يصلّي المؤمنون على ترابِ الأنبياء، في القدس أغنيةٌ وأُحجيةٌ ورقصةُ كبرياء، في القدس بيت الله يعلنُ أنَّ مَنْ في القدسِ أبناء السماء.
في القدس ترى الفتى المقدسيَّ يناطحُ بعزته السحاب، ويرتفعُ بجبهته التي تطاولُ النجوم الساهرات، وهو يقرأ في وجوه سجانيه الذلَّ والهوان، مؤمنًا بأنهم مهما تطاولوا فإنهم أقزامٌ أمام شموخه، ولن يصلوا إلى كعب حذائه، والمَشاهدُ الكثيرة التي أثلجت صدور المؤمنين لا تُعدُّ ولا تُحصى، وكلها تبشرُ بالخير القادم من شموس تلك الجباه التي أعزها الله، شباب يُقتادون إلى الزنزانة، فيكسرون قضبانها قبل أن يَلِجوها، لا بأيديهم بل بقلوبهم، وكم هو جميلٌ ذلك الفتى العملاق، الذي أخجل شمس الضحى وهو يتلألأُ فرحًا وعزًّا، ويتيهُ فخرًا وشرفًا، وهو يجرُّ بساعديه لجاماتِ العابرين، لا وجِلًا ولا خائفًا، بل كان منتصرًا على القيد، منتعلًا رؤوس المغتصبين، وعيناه تكتبان حكايةً عن أساطير العصر الحديث، وتدحضان رواية الدخلاء، ليقول لهم: اخرجوا من دمنا، ومن لحمنا، ومن ملحنا، وانصرفوا.
في القدس آياتٌ من الذكرِ الحكيمِ، يتلوها الأطفال الشيوخ، ويرتلها عمالقة الصبر آباؤنا العظماء، ويفسِّرها لنا عباقرة الصمود والصعود، فتيةُ الأرض، وحماة العرض، السابحون العائدون من الصلاةِ إلى الصلاةِ مُكبرين، الحاملون لواءَ عزتنا الثمين، الذاكرون اللهَ والقدسَ العتيقةَ والقيامةَ والحياةَ ووخزةَ الشرفِ المُبين.
في القدس، قد تلقى الشوارعَ باكياتٍ، وقد تلقى الحجارةَ عابسات، وقد تلقى المقاهي فارغات، لكنك لن تلقى زقاقًا واحدًا خُلْوًا من الشرف الرفيع، ففي كل شبرٍ من ثرى تلك الديار، كتب الله لأغلبنَّ، وعلى جبين كلِّ جَنينٍ من أبناء القدس، كتب الزمانُ قصيدةً عربيةً، ومع كلِّ صوتٍ يميِّزُ أهل القدس بلهجتهم الموسيقية، تشعر بأنَّ اللحنَ سيظلُّ مقدسيًّا وإن كان حزينًا، ومع صوتِ كلِّ بائعةٍ من صور باهر أو سلوان تنادي على قثّائها وعطورها، ستشعر بأنَّ الحرائر ما زلنَ ولّاداتٍ للأبطال، ومع كلِّ جديلةٍ مُحنّاةٍ بقمحِ الأرض، تشعرُ بأنَّ سوالف القادمين من المجهول، ستستحيلُ شراشيبَ دمًى لأطفال البلاد، فهي الإرادةُ والعبادةُ، آياتُ نصرٍ لا نملُّ من ترتيلها آناء الليل وأدبار السجود. وتبقى أيها الفتى الأسمر، قصيدتنا التي لم يجرُؤ شاعرٌ على كتابتها، فالكلماتُ التي ستشكلها ليست في قواميس اللغة الحديثة، حيث كلُّ ما سيقالُ قيل، أما قصيدتك أنتَ أيها الأسمر، فحروفها لا بدَّ أنها محفورةٌ في السماء، مكنونةٌ مصونةٌ مخدورةٌ عذراء، وهي لن تُقالَ إلا باسمِكَ وعلى لسانك، فلقد قلتَ فينا ما لم نستطعه، وفجَّرْتَ في نوابِغِنا ألف ملحمةٍ وأغنيةٍ ورواية، ففشلنا ولم نستطع إلى ذلك سبيلا، فأمامَ تلك الجبهةِ العالية، سجدَ الصنوبرُ خلف عودِ السنديان، وأمام هذا الوجهِ قد خشع الزمان، والنجم والشجرُ المقدس يسجدان، ويشهدانِ بأنَّ في القدسِ العتيقة رقصة الفتيانِ أجملُ من مروجِ الأقحوان، وأنَّ أحذيةَ الشبابِ هناكَ لا ترضى الهوانن، في القدسِ طفلٌ علَّمَ الأشباحَ كيف يكونُ في الوطنِ الأمان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0