اجتماع فكر مختارات مقالات

أن نجعل لكل شيءٍ اسمًا

أن نجعل لكل شيءٍ اسمًا
بقلم/ آلاء السوسي
يكون الشيء موجودًا بطريقة ما، ولكننا لا نحقِّقُ وجودَه بالفعل إلا بتسميته، كل ما لم يتم تسميته، لا يتحقق وجوده، إن التسمية شيءٌ عظيم يوازي الخلق الفعلي، حتى وإن لم يكن خلقًا.
مشكلتي مع الطب النفسي -في هذه الفترة من شيوعه الغريب كحل لكل مشاكل حياتنا اليومية- هي المبالغة في تسمية المشاعر، أن نضع لكل حالة، لكل شعور، اسمًا، قد يكون الشعور موجودًا بالفعل، إلا أن تسميته تعيد خلقه مرارًا وتكرارًا.
مثلًا: في الماضي كان هناك الحزن والقلق، شعوران طبيعيان، الآن، هناك كلمة ضخمة اسمها: الاكتئاب، كان هناك ضغوطات ما بعد الولادة، الآن هناك: اكتئاب ما بعد الولادة.
تلك التسمية، حين يقع الإنسان في تصنيفها، إنما يقع تحت سلطتها، ولا يبقى له سوى الاعتراف، وفي اللحظة التي يعترف الإنسان فيها أنه مريض نفسي، في اللحظة التي يخضع فيها لسلطة تسمية مشاعره بالمصطلحات، يكون قد سحب سلطته الذاتية -ولو جزئيًا، ولو مؤقتًّا- عن إدارة ذاته ومشاعره وواقعه أيضًا.
إنني هنا لا أتحدث وكأنني من يروجون لوصمة المرض النفسي ، ولا أتحدث بتعالٍ عن الاحتياج لتدخل طبيب،لا بد أن هناك أشخاصًا يحتاجون المساعدة في لحظات يكونون قد فقدوا السيطرة تمامًا.
ولكن التمادي في الترويج لحالة مثالية من السلامة النفسية حيث لا قلق ولا حزن ولا اضطراب هو تمادٍ يجعل الجميع – بلا استثناء- بحاجة إلى هذا الدعم النفسي، وهو ما يعني الدخول في دوامة “الخلق الفعلي” لشيء كان موجودًا بتواضع، أو الدخول في حالة اعتراف دائمٍ، لشعور كان يمكن أن يكون عابرًا لولا الوقوع تحت سلطة تسميته.
في إحدى محاضراته كان أستاذنا الذي كانت وظيفته تعليمنا “التفكير الناقد”، ولا أدري ما هي تسميته الحقيقية : هل هو تفكير ناقد أو تفكيك؟ المهم أنه كان يعلمنا إثارة الأسئلة حول كل ما لا نطرح عنه أسئلة في العادة، وهي لعبة لغوية/ سردية وتمرين فكري لطيف، سأل المحاضر عن احتياجنا للأسرة، وقال إنه بإمكاننا استبدال كل تلك الفوائد التي تقدمها العائلة بخدمات جاهزة، إذا كانت الأم تطبخ فهناك مطاعم، وإذا كانت تكوي وتغسل فهناك مغاسل، وإذا كنا بحاجة لاستشارات فهناك “مختص نفسي”*..
وفي محاضرة أخرى سألنا إن كنا على استعداد للذهاب لمختص نفسي، وحين لم يجب أي من الطلبة قال لنا إنه كان في موعد مع المختص خاصته قبل المحاضرة، ولا أدري هل كان جادًا أم مازحًا.
أحب الربط بين هذين الموقفين، ولا أريد أن أقع في فخ درامي، لأقول إن الطبيب النفسي هو تعويض للمفقودين من علاقاتنا الاجتماعية: الإخوة والآباء والحبيبات والأزواج، بل هو خيار يناسب الوحدة الاختيارية التي نقع في فخ تبنيها بإرادة حرة في كثير من الأحيان.
إن العلاقات -كل العلاقات الاجتماعية – في عصرنا هذا مكلفة، تحتاج إلى جهدٍ وصبرٍ من أجل استمرارها، لأن المنظومة الاجتماعية الصارمة والواضحة التي كانت تضع كل شيءٍ في مكانة تخلخلت ولم تعد تملك سلطة توزيع الأدوار والقيم المبنية عليها، لذا فإن استمرار أي علاقة: أبوة، بنوة، أخوة، زواج، صداقة، جيرة، يحتاج إلى هذا الجهد الشخصي لتعويض ضعف المنظومة الاجتماعية التي كانت تقوم بوضع السياق الشامل لمعنى العلاقات الاجتماعية وهرميتها وخطوط التواصل بينها.
في كثير من الأحيان نكون نحن لا نملك القدرة الكافية أو المزاج الجيد لبذل كل هذا الجهد، لذا ندخل في حالة من الوحدة، والتي تبدو كحالة من فقد الآخرين، بينما هي في جوهرها حالة تخلٍّ عن الآخرين الذين لا نملك الوقت ولا الطاقة النفسية لوصلهم.
هذه الوحدة تقودنا إلى هذا المحايد، الذي لا يطلب منا شيئا سوى المال، مقابل الاستماع إلينا وكتابة بعض وصفات الأدوية المهدئة، وإعطائنا منظورًا آخر لحياتنا، مرشد روحي ولكنه موضوعي وعلمي هذه المرة.. يعطينا منظورًا فقط، ودواء، وبعض التصنيفات لمشاعرنا.
إننا حقًّا في فخ عميق.
*هذه فقرة مجتزأة من حديث طويل، والاجتزاء مخلّ بسياق المحاضرة العام.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0