علي رسول الربيعي
فكر فلسفة مختارات مقالات

الدكتور علي رسول الربيعي يكتب: السـؤال

الدكتور علي رسول الربيعي يكتب: السـؤال

 

نطرح هذا السـؤال المهم والراهن فكريا وسياسيا ودينيًا واجتماعيًا على مجموعة من الأساتذة المختصين لنستطلع رأيهم فيه ومن اجل تعميق النقاش في قضيته المحورية.

 

لقد تعاملت الحكومات في العالم في سياساتها مع العلاقة الدستورية بين العلمانية والدين دائمًا. وهذا وصف للنماذج الرئيسة القائمة للتنظيم الدستوري للعلاقة بين الدين والدولة:

هناك خمسة نماذج مختلفة لإدارة العلاقة بين الدولة والدين بموجب الممارسة الدستورية الحالية. وهي (1) النموذج العلماني المتشدد المصمم على إبقاء الدين خارج المجال العام تمامًا (مثل laicite اللائكية/ العلمانية الفرنسيين والتركية (يحاول حزب العدالة والتنمية التخفيف الإسلامي منها حاليًا)؛

(2) النموذج العلماني اللا أدري، الذي يسعى إلى الحفاظ على موقف محايد بين الأديان ولكنه لا يخجل من تفضيل الاعتماد على الإلحاد وغيره من المنظورات غير الدينية (نجد هذا على سبيل المثال، قريب من الفقه الدستوري الأمريكي الحالي)؛

(3) النموذج العلماني “المذهبي” المعترف بالنظم العقائدية، الذي يتضمن عناصر من دين الأغلبية السائدة في النظام السياسي، وذلك لأغراض الهوية في المقام الأول، ويعرضها كجزء من مراسيم الدولة الدستورية بدلاً من كونها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدين الرئيسي للبلاد (مثل إيطاليا أو بافاريا، كاعتماد الصليب كرمز علماني للهوية الوطنية)؛

(4) دين رسمي مع التسامح المؤسسي لنموذج أديان الأقليات (على سبيل المثال، المملكة المتحدة والدول الاسكندنافية واليونان)،

و(5) النموذج القائم على الملل حيث يتم إعطاء أولوية للحكم الذاتي الجماعي من قبل كل مجتمع ديني داخل النظام السياسي (مثل الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين – إسرائيل).

هل يمكنكم تقديم تسويغًا لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟  

جواب دكتور علي رسول الربيعي

 

هناك اشكال مختلفة فيما يتعلق بكل من هذه النماذج. فعلى الرغم من أن كل من فرنسا وتركيا تقع ضمن النموذج 1، على سبيل المثال، إلا أن اللائكية الفرنسية تختلف عن نظيرتها التركية. فقد  تم تبني اللائكية  في فرنسا، في بيئة اجتماعية وسياسية كانت علمانية بالفعل إلى حد كبير،[1]، بينما فرضها كمال أتاتورك على تركيا لتحريك التحول نحو الحداثة في نظام حكم كانت الغالبية الساحقة فيه للدين .[2] ونتيجة لذلك، كما يتضح من حظر فرنسا الحجاب الإسلامي وكما كانت تركيا ايضاً، يتم توجيه اللائكية الفرنسية ضد أديان الأقليات بينما تظل تعمل بالتزامن مع الثقافة المنبثقة عن دين الأغلبية (وعلى أديان الأقليات أن تتوافق مع تلك الثقافة)، في حين كانت  اللائكية التركية ضد دين الأغلبية في البلاد.[3] علاوة على ذلك، يوجد خلاف داخل الولايات المتحدة حيث يعمل النموذج 2 ما إذا كانت العلمانية تتطلب “جدار فصل” كامل بين الدولة أو الدين، أو ما إذا كان يمكن للدولة تفضيل الدين على غير الدين طالما أنها لا تفرد معاملة تفضيلية لأيً دين.[4] يمكن أن يكون هناك أشكال مختلفة داخل النموذج 3 أيضًا، من التنظيم العلماني، اعتمادًا، من بين أمور أخرى، على ما إذا كان هناك دين مهيمن واحد في  النظام السياسي المقصود، كما هو الحال في إيطاليا، أو ما إذا كان فيه أكثر من دين موجود تقليديًا، كما هو الحال في ألمانيا حيث تسود الكاثوليكية في بعض المناطق والبروتستانتية في مناطق أخرى. يبدو، وفي سياق دين مهيمن واحد، النموذج 3 قريبًا في جوهره تمامًا من النموذج 4، وهو مفتوح بحد ذاته لمجموعة واسعة من المتغيرات. ويبدو أن بعض الأديان، مثل كنيسة إنجلترا، ليس لها سوى حضور احتفالي في المجال العام وتأثيرها على العلمانية أقل من بعض الصيغ المقاربة للفصل في إطار النموذج 2.[5] ويمكن أن يكون للدين على النقيض من ذلك، دور أكثر هيمنة بكثير في حالات أخرى، مثل حالة اليونان، حيث تميل إلى عزل أديان الأقليات ولكن وضعها في موقع يمكن التسامح معها. أخيرًا، هناك العديد من المتغيرات التي يمكن تصوًرها في النموذج 5 أيضًا.

نريد أن نشير الى أنه من الواضح تعاني جميعها من أوجه قصور خطيرة. لا تفشل كل هذه النماذج في الوصول أو الانسجام مع مثال الحيادية أو تصورها فقط، ولكنها تحبط أهداف الأديان أو غير الأديان أو أديان الأقليات، أو في بعض الحالات، أهداف كل هؤلاء الثلاثة معاً أيضًا. يزعم النموذج 1 أنه محايد تجاه الدين، لكن العلمانية المتشددة التي يروج لها العلمانيون الفرنسيون والأتراك تبدو في غالب الأحيان معادية للدين تمامًا. قد يكون النموذج 2 غير الديني في وضع غير مؤات، فعلى الرغم من حياده المعلن بين الأديان، الاُ أنه يميًز أو يفضل الدين السائد على الأديان الأخرى ومنها بالطبع أديان الأقليات. يبدو النموذج 3 إشكاليًا بشكل خاص لأن من المحتمل أن تجده العلمانية “المذهبية” المعترفة بالنظم العقائدية مرغوبة من قبل معظم، إن لم يكن جميع الأديان، داخل النظام السياسي ومن قبل جميع أولئك الملتزمين بصدق بالعلمانية. من المرجح أن يسيء نمط العلمانية “المذهبية” هذه إلى كل من المتدينين الذين يرون أن معتقداتهم الدينية اعتبرت غير مهمة، والعلمانيين الملتزمين الذين سيشعرون بأن موقعهم يتقوض من خلال تشبع الفضاء العام بالرموز والممارسات الدينية التي يتم إعادة تسميتها أو تصنيفها كعلمانية.[6] بالإضافة إلى ذلك، يتجه النموذج 3 والنموذج 4 الى الاستخفاف من أديان الأقليات، وبالتالي فإنهما يبدو انهما يغلقان باب المعاملة المتساوية لجميع الأديان داخل النظام السياسي. أخيرًا، النموذج 5، استنادًا إلى نظام الملل، ليس فقط عرضة للضرر العلماني كما ذكرنا سابقاً، ولكن لتفضيل الجماعة على الفرد وكذلك لتفضيل الأديان المعترف بها وبعض الطوائف داخل الدين بشكل غير ضروري أيضًا. أني أتطلع الى ما يتجاوز كل قصور مذكور أعلاه  باتجاه علاقة أخرى ومختلفة عن هذه الترتيبات الدستورية السائدة.

 

[1] Troper, Michel. 2009. Sovereignty and la’icite. Cardozo Law Review 30: 2561.

[2] Borovali, Murat. 2009. Islamic headscarves and slippery slopes. Cardozo Law Review 30:2593·

[3] Mancini, Susanna. 2009.The power of symbols and symbols as power: Secularism and religion as guarantors of cultural convergence. Cardozo Law Review 30: 2629.

[4] Greenawalt, Kent. 2009. Secularism, religion, and liberal democracy in the United States. Cardozo Law Review 30: 2383.

[5] Greenawalt, Kent. 2009. Secularism, religion, and liberal democracy in the United States.2386-7.

[6] Mancini, Susanna. 2009.The power of symbols and symbols as power: Secularism and religion as guarantors of cultural convergence. 2634-5.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0