عالم المرأة مجتمع مختارات مقالات

محاكمات

بقلم/ عبد الله لحلوح

لقد مرَّ عيد الأمِّ بأمنٍ وسلام، وكان يومًا مميزًا حقًّا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كَثُرت التهاني، والأشعار والأغاني، والصور المنزوعةُ من الماضي، أو من الحاضر، تلك الصور التي استطاع الأبناء التقاطها لهم ولأمهاتهم، هذا لمن كان على علاقة جيدة بأمه، أو لمن سمحت له الظروف باللقاء بأمه في هذا اليوم من العام، فالكثير مِنّا لا يلتقي بأمِّه وجاهيًّا، إلا مرة في العام أو مرتين، وأحيانًا في العامين أو الثلاثة، ولكلٍّ ظروفه، ولكنَّ معظمنا لا يُفوِّتُ فرصة اللقاء بالأم في هذا اليوم الأجلّ، فهو يومٌ للتاريخ، وميلادٌ للتغنّي بالمآثر، والتباهي بالمفاخر، وشراء الصحون والأواني والطناجر، فشركاتُ الدعاية تنشط، والمحال التجارية تترزق في مثل هذه المواسم، والأرزقيةُ على كل الأصعدة ينشطون في المواسم، حتى الشعراء ينشطون، والكَتَبَة يتحرَّكون، فلا تستبعد إن كنتَ كاتبًا أو كُويتبًا، شاعرًا أم شُوَيْعرًا، أن يُطلبَ منك أن تكتب كلمةً، أو مرثيةً، أو بيتين أو ما شئتَ من القريض، ليمتلئ الفضاء الأزرقُ بك، دون أن يكون لك فيه من اسمك نصيب، فيكفي أنَّ روحَك تُحلِّق هناك.
في عبد الأم، نتذكَّر أنَّ لنا أمهات، سواء كنَّ على وجهِ الأرضِ أم تحتها، ونحتفل سُويعاتٍ من نهار، ثم نعود لما كُنّا عليه، بعد أن نتأكد تمامًا أننا اخترقنا الفضاء الإلكتروني، وحصلنا على ما نستحقُّ من المديح، وعبارات الثناء، حيث نتربُّص بعد ذلك، ونتحيَّنُ الفُرَص لسقوطٍ في الخطأ، فأيُّ خطأٍ ترتكبه تلك التي( الله يطوِّل بعمرِك، وخذ يا الله من عمري واعطيها، وأمي ثم أمي، وأمي جنة، رضاكِ يا أمي، و….)، أيُّ خطأ! – على مقاس- النابغة ابنها، (المَرْضي) كفيلٌ بأن يُحوِّلها إلى محكمة الجنايات، فتُجيُّشُ لها الحملاتُ، وتُعقد لها جلساتٌ من العتاب، فيصبح ذلك الملاك شيطانًا، وقد ارتدى ثوب أُمّ، فلماذا زرتِ فلانًا، ولَم تزوريني؟ ألستُ ابنك؟ ألم أُحْضِرْ لكِ قبل ثلاثٍ وعشرين ليلةً (صحنَ طبيخ؟) لماذا اشتريتِ بالمال العظيم الذي أعطيتُكِ إياهُ أشياء تافهة؟ ألا تعرفين أنَّ هذا المال مشروط، وأنه مراقب، ولا بدَّ من إنفاقه في وجوه العدالةِ وتحقيق المساواة؟ لقد رأيتُ أكثرَ من مرةٍ أنَّ فلانًا يأكلُ عندك! فلماذا كل هذا التبذير؟
هذه محكمة أولية، قد تكون وجهًا لوجه، وربما عبر الهاتف، باتصالٍ مدفوع، وربما قد يكون عبر الوسائط الفنية الأُخرى، إن كان ذلك الابنُ بارًّا ( حبتين زيادة) وكان قد أحضر لها هاتفًا ذكيًّا، حتى تقتل مَلَلَها طيلة أيام الأسبوع، فقد يكون قد علَّمها الإهمال، والوحدة، والقطيعة فنَّ الفَسبكَةِ أو بناتِ عمِّها.
وفي محاكمة الأمهات، لا يتورَّعُ أحدنا من إعلانها صراحة، بأنَّ والدته بدأت تنحاز، وأنها تجافي العدل، بل إنها ظالمةٌ قاسية، أو أنها لا تعرف كيف تزن الكلام، فهي لا تفهم بأصول البريستيج الحديث، فيرفعُ صوته عليها، وقد يشتمُ أُمَّها ووالدة أمِّها، وقد يحرق رأس جدها السابع في اليوم السابع من الأسبوع، وهو يومٌ اختصَّ فيه لنفسه ساعةً أو أقل، ليزورها ضيفًا هو وزوجته اللبؤة، وإذا ما التقى الأسدان مع الفريسة، فإنهما سينهشانها حتى تسقط أرضًا، ليتركاها تأكلُ خيبتها، وتلوكُ حسرتها، وتشرب عينيْها ملحًا أُجاجًا، وقد لا يطلع عليها نهار يومٍ جديد. والمهم في هذه الجلسة، أنها جلسة نهائية، أحكامها قاطعة، نافذة، غير قابلة للطعن أو الاستئناف، وإذا ما استعانت الأمُّ بمحاميها، فإنها قد لا تجده، وإن وجدته وأُعينت على محنتها، فإنَّ المساعدات ستُقطَع، والزيارات ستُمنع، ولكنَّ الذي يبقى قائمًا، هو عبارات الحبِّ والأغاني المسروقة، على صفحات التواصل الاجتماعي، وما يتبعها من عبارات المديح والثناء، فخرًا ودهشةً من هذا الحب والكرم والعطاء.
الأمُّ أيها الكرام، لا تحتاج للمال، ولا تحتاج للمظاهر والهدايا المادية، وإنما تحتاج قبل كل هذا إلى قلبٍ يُدركُ معنى أُمومتها، وإلى يدٍ تُمسِّدُ روحها بكلمةٍ طريِّة، وإلى نظرةٍ تتلو على قلبها آياتٍ من الحب، تحتاج إلى ابنٍ يسمع، وقلب يخشع، وعين تدمع، تحتاجُ إلى قلوبٍ صافية، تنبضُ بحبها، وتكبرُ على الألفةِ والود، لا على الغل والحقد.
فهنيئًا لكلِّ ابنٍ ما زالت أمه تتنفس، حتى إذا ما ضاقت عليه الدنيا، وشعر بأنه يكاد يختنق، ذهب إليها، فاستمعت إلى شكواه دون أن يشكو، ونطقت ب( الله يرضى عليك) لتكون حلًّا سحريًّا، يبدد المخاوف، ويفتح أمامها الأبواب الموصدة، ويصل إلى أماكنَ لم يكن ببالغها إلا بشقِّ الأنفس، وربما لن يصلها أبدًا، ولو أوتي مثل ما أوتي قارون.
فالله الله في الأمّ، عليكم بها، خذوها كما هي، بطيبتها وبساطتها، بعفويتها وطبيعتها، لتظلَّ تاجًا حقيقيًّا، لا شعارًا وهميًّا. ومتى سقط هذا التاج، ستسقط الحياةِ حتمًا، ولن ترى بعدها طعمًا للسعادة، وستسألُ نفسك وقتها: ماذا فعلتُ لأمي وبِها؟ ستذهبُ إلى قبرها باكيًا حافيًا مجردًا من عزِّك وعزوتك، وقد ذهبت البركة، وحلَّ مكانها ما لا تُحبَّ أنت ولا غيرك أن يحل، ثم ستذرف الدموع، وستقرع سنَّ الندم على ما فرَّطتَ في جنبها، “ولاتَ ساعةَ مَندَمِ”. فاغتنم الفرصة الآن، اجلس مع نفسك، وحاكمْ نفسك أنتَ بدلًا من محاكمة أُمّك، ولتَجُرْ على نفسِك أمام أمك، فإنَّ ذلك آيةُ الإنصاف.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0