أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية: زمن الخيول البيضاء للأديب الفلسطيني إبراهيم نصرالله

الإلياذة الفلسطينية…
قراءة في رواية: زمن الخيول البيضاء
للأديب الفلسطيني إبراهيم نصرالله

بقلم/ نجوى الجزائري

يقول هيغل الذي تكلم عن( إنجيل الشعب ):” إن الملحمة تملك بعداً تأسيسيا قوياً، وتحكي حلقة متصلة بالعالم الكامل ابلد أو لفترة من الزمن فتُكون الأسس الحقيقية للوعي” في روايةٍ مليئة بالأحداث واكبت ثلاثة عصور زمنية مختلفة، تأتي رواية زمن الخيول البيضاء للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، لتُخَلّدَ كواحدةٍ من ملاحم هذا العصر.

زمن الخيول البيضاء هي رواية من سلسلة روايات ملحمة ( الملهاة الفلسطينية) للأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، حيث صدرت الرواية لأوّل مرة عام 2007 ، يبدأ زمن الرواية أواخر عصر الدولة العثمانية، وينتهي قبل خروج الإنجليز وتسليم فلسطين إلى الكيان الصهيوني، ترتكز الرواية على جانب خياليّ في علاقة الإنسان بالخيل، وعلى جانب توثيقيّ في سرد الأحداث بترتيبها التاريخيّ، كانت قرية الهادية المثال الذي اتخذه إبراهيم نصر الله ليعبّر أو يُوجزَ تاريخ فلسطين في واحدة من ملاحم القرن الحالي.

لا يقتصرُ المشهد الأول في أي روايةٍ كانت على مبدأ التشويق و لا على مهارة الروائي في ذلك فحسب، بل قد يتعداه إلى رسالة الكاتب الصريحة وربما الأولى والأخيرة و”مربط فرس الرواية ككل” و كذلك كان المشهد الأول لرواية زمن الخيول البيضاء، بفرس مسروقة (تدعى الحمامة) تعدو بسارقها وصولاً إلى قرية الهادية، وكأنها تستجير بسكان القرية من السارق، لتبدأ أحداث الرواية بقصة إنقاذها من طرف الفارس (خالد) في إيحاء صريح من الكاتب لمصير فلسطين وسرقتها من طرف المحتل واستنجادها بالثوار للذود عنها.

الهادية، الحمامة …فلسطين!!
جاءت الرواية مشبعة حدّ الوجع بالرمزيات التي أرادها الكاتب، ليس لأنه خائف من المجاهرة بالحقيقة، بل أجد أحياناً أن استعمالنا للرمزيات يكون معه الخبر أو البوح بالحقيقة المرّة أشد وقعا وربما تحرك المخاطَب بناء على ذلك، الرمزيات تمثلت في العناوين والأسماء وحتى الشخوص برأيي، من عنوان الرواية (زمن الخيول البيضاء) زمن كانت الفرس بالنسبة للفارس هي شرفه مثلما تكون أنثاه، زمن كان الحق أحقّ أن يتبع وأن يُنتصر له، يقول نصر الله على لسان بطل الرواية “أنا لا أقاتل كي أنتصر، بل كي لا يضيع حقي، لم يحدث أبدًا أن ظلّت أمة منتصرة إلى الأبد، أنا أخاف شيئًا واحدًا: أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر إلى الأبد لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألّا تُهزموا إلى الأبد” هل هي رسالة للشعب الفلسطيني أينما كان أن لا يكفّ عن المطالبة بحقه و باسترجاع حقه، أو ربما هنا الكاتب يَحنّ كما نحنُّ جميعا لذلك الزمن الجميل من الحضارة الإسلامية المترابطة والتي كان فيها المسلمون لبعضهم كمثل البنيان المرصوص، يشد بعضهم بعضا، وتأتي أسماء (الحمامة ) و(الهادية) دليل على الوداعة والألفة والنقاء وهي كلها مسميات لفلسطين، أو يمكن اعتبارهما جزءا من كل و القصد فلسطين، بالنسبة للشخصيات أو أبطال الرواية نجد اسم البطل خالد، ربما كرمز (لخالد بن الوليد)القائد المسلم ربما المطبوع في أذهاننا كأسطورة خالدة.

(لقد خلق اللهُ الحصانَ من الريح، والإنسانَ من التراب و” البيوتَ من البشر “) و هكذا جاءت تقسيمات الكاتب لروايته عبر ثلاث أقسام الريح، التراب والبشر، ما يميزُ جزء الريح الحياة اليومية لأهالي الهادية والخيل أبرز أبطالها، الخيل هي شرف، عز، حب خالد، ارتباط بالأرض والأصالة والنخوة العربية، جزء التراب تبرز شخصية البطل (خالد محمود ) وحبه ودفاعه عن تراب الهادية، البطل الأسطوري الذي حارب الأتراك وبعدهم الإنجليز فترك ذلك الأثر البالغ في نفوس أهل قريته وشعبه وحتى أعدائه باعترافهم، الجزء الأخير البشر، ما تبقى من الهادية بعدما نُهبت الأرض: البشر، الفلسطنيون الذين سيجوبون بعدها العالم في أطول وأعنف غربة عرفها البشر.

يقول (علي عزت بيغوفيتش): ” التاريخ يصف أحداثًا خارجية، بينما تصف الروايةُ التاريخيةُ الحياة ذاتها” يتفق البعض على كون الرواية التاريخية عملا أدبيا يعيدُ سرد الماضي بطريقة سردية تخيلية، وذلك من خلال خلق شخصيات خيالية بالإضافة إلى الشخصيات الحقيقة، ربما هذا التوازن بين الخيال والحقيقة يتيح للقارئ تصور أو إعادة رسم مشاهد التاريخ، ليس بالضرورة وفق ما رسمه الكاتب لكن بما سيرسمه هو كمتلقًّ لهذا العمل وما سيطبع في وعيه فيم بعد، وكذلك كان هدف إبراهيم نصر الله من خلال هذا العمل الملحمي، أن يجعل القارئ تماما داخل بوتقة التاريخ وأن يدخله متسللاً ربما حتى يكون الرقيب على تحركات الشخوص عن قرب، والسؤال الذي راودني فعلا طيلة قراءتي للرواية هو: كيف اتسعت رواية من ٥٠٠ صفحة لهذا الكم من الأحداث التاريخية ولشمولها على ثلاث عصور متمثلة في قرية واحدة استطاعت أن تختزل تاريخ فلسطين ككل ؟!!

ينتقل بنا إبراهيم نصر الله عبر تصويره للحياة الفلسطينية إبان فترة الحكم العثماني، ندخل قرية (الهادية) نتعرف من خلالها على عادات وتقاليد الشعب الفلسطيني المسالم الوديع المتعلق بأرضه و بفرسه حد العبادة (ويمكن أن نعثر في هذه المرحلة على الحضور الكثيف لرمزية الخيل) ندخل البيوت المضيافة، نشرب قهوة حمدان من مهباشه، نتجول عبر بساتين الزيتون وحقول القمح، نحضر أعراس الهادية بأغانيها التراثية الجميلة، كان همهم الوحيد في متاعب الحياة اليومية والصراع مع الدولة العثمانية والدير و أيضا الخونة المساعدين لهم، تظهر شخصية (الهباب)كأكبر خائن للقضية، تليها فترة الانتداب البريطاني وظهور شخصية (بترسون) القائد الإنجليزي (الشاعر) العدو الذي قَتل في النهاية البطل الأسطوري ابن و زعيم الهادية فيم بعد (خالد محمود) مع ظهور أولى المستعمرات (المستوطنات) اليهودية، ليصل بنا الكاتب إلى عام ١٩٤٨ أبرز ما ميزها خيانة الزعامات العربية وفشل الزعامات الفلسطينية التقليدية، ومساعدة الإنجليز اليهود و كآخر مشهد للرواية سقوط قرية الهادية و خروج أهلها منها في تغريبة فلسطينية شهيرة.

مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معًا
كجُلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ
في سيلٍ متدفق من السرد، التشويق والقصّ في واحدةٍ من ملاحم هذا العصر، أطل علينا إبراهيم نصر الله برواية ملحمية، فسيفساء، تحس من خلالها أنه لم يكن يكتب، بل كان يحرك الشخوص على ركح مسرح الواقع، في عمل أدبي ضخم متكامل اختار له الروائي الفلسطيني اسم (الملهاة الفلسطينية) اندرجت تحتها روايات أخرى تصب في نهر واحد، نهر فلسطين البيضاء النقية نقاء الحمامة وصفاء سماء الهادية، و بنسق واحدٍ تصاعدي بحبكة شديدة البراعة راح نصر الله يتفنن في سرد حكاياه وقصصه الجانبية التي ضاهت بجمالها القصة أو الثيمة الرئيسة فباتت الملحمة الإبراهيمية تنافس روايات ألف ليلة و ليلة.
في الأخير اسمحوا لي بهذا التساؤل البريء : مالذي ينقصُ الأدب العربي ليتطلع و يصبو أن يكونَ في مستوى واحد مع ملاحم الغرب و إلياذاته؟!!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0