علي رسول الربيعي
فكر فلسفة مختارات مقالات

نظرية القانون الطبيعي والعقلانية العملية

نظرية القانون الطبيعي والعقلانية العملية

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

كيف يجب أن نفهم نظرية القانون الطبيعي؟ يصف ميرفي هذه النظرية على أنها وصف أساسي لـ “العقلانية العملية”، والتي لها هدفان رئيسيان. الأول وكشف كيف يمكن أن تكون الافعال “مفهومة من الناحية العملية، مما يعني تبيان أن للأفعال غاية أو هدف، بحيث تستحق التنفيذ.[1] الهدف الثاني هو مساعدة البشر على اتخاذ القرارات بشأن أي من الأفعال الجديرة بالاهتمام التي ينبغي القيام بها؛ إنه في الأساس تفسير لعقلانية الخيارات فيما يتعلق بالأفعال.[2] يتم تحقيق كل من هذين الهدفين عن طريق إعطاء وصف لما هو خير. لنأخذ راي توما الأكويني، على سبيل المثال، بوصفه المُنظر لنظرية القانون الطبيعي، حيث يزعم أن المبدأ الأساسي للقانون الطبيعي هو: يجب القيام بالخير وتجنب الشر. هذا المبدأ بالنسبة إلى الأكويني، هو “المبدأ الأول”، وهو مثل مبدأ عدم التناقض بالنسبة للعقل النظري، وعلى هذا النحو، يعتبر بديهيًا بدون جدال. تتميز نظريات القانون الطبيعي بشكل بإعطاء الأولوية للخير. ولفهم غاية الأفعال ومعرفة الأفعال المعقولة يجب أن نعرف ما هو الخير.

ومع ذلك، من الواضح لا يعطينا هذا المبدأ الأول المجرد في حد ذاته التوجيه أو الارشاد فيما يتعلق بأفعال محددة. نحن بحاجة إلى معرفة ما هو جيد بشكل خاص وبظروف محددة. يقدم منظرو القانون الطبيعي تفسيراً للخيرات بشكل شامل وطبيعي، وقد قام معظمهم بذلك من خلال تقديم تفسير مستوحى من الأرسطية عن الصالح للبشر من حيث ما يكمل الطبيعة البشرية أو يمكن من ازدهارها. لا شك أن أتباع نظرية القانون الطبيعي لم يتبعوا أرسطو بهذه الطريقة. فقد قدم توماس هوبز وصفًا للقانون الطبيعي يرتكز على تفسير ذاتي للخير، مبني على الحقيقة النفسية المتمثلة في رغبة جميع البشر في البقاء وتجنب الموت العنيف.[3]  دافع بعض منظري القانون الطبيعي عن تفسير أفلاطوني للخير، والذي يرى بعض الأشياء، مثل المعرفة والجمال خير في حد ذاتها بصرف النظر عن أي إشارة إلى الطبيعة البشرية. غير أن الغالبية العظمى من منظري القانون الطبيعي فسرت الخير بالنسبة للبشر بأنه يأتي من الطبيعة البشرية ذاتها، وسأعتبر ذلك خاصية مميزة لنظرية القانون الطبيعي.

بالطبع، تم تقديم العديد من التفسيرات حول ماهية السلع الأساسية للبشر من قبل منظري القانون الطبيعي ، بالإضافة إلى روايات متنوعة حول كيفية معرفة البشر لها. أحد الخلافات التي كانت مستمرة بين منظري القانون الطبيعي تتعلق بالمسألة الأخيرة. اذ ترى العديد من نظريات القانون الطبيعي التقليدية أن فهم ما هو خير للبشر يفترض مسبقًا ويجب أن تُشتق من فهم الطبيعة البشرية حيث لا يمكن للمرء فهم ما يُكمل الطبيعة البشرية دون فهم تلك الطبيعة نفسها. يطلق مورفي على مثل هذه النظرة بـ “الاشتقاقية”، حيث تؤكد أن معرفتنا بالخيرات الأساسية مشتقة أو مستمدة من نوع من المعرفة النظري.[4]  أحد البدائل الرئيسية للتفسير الاشتقاقي لمعرفة الخيرات الأساس هو ما يسميه مورفي “المَيليًة”، (وهي النزعة التي تقول إن ماهية الخيرات البشرية مسألة تأويلية، وتأتي الإجابة عنها من خلال التفكير في الحقائق التي يمكن معرفتها على مباشرة حول ميولنا) وهو نوع النظرة للخيرات الأساسية التي يقدمها المفكر المعاصر جون فينيس. بالنسبة لفنيس، يعد فهم الخيرات الأساسية أمرًا بديهيًا وواضحًا وشيئًا داخليًا في حياة العقل العملي. لدى البشر،على سبيل المثال، رغبة طبيعية في معرفة الأشياء، ويعتقد فينيس أنه بالنسبة لكائن لديه مثل هذا الميل، فإنه من الواضح على الفور أن المعرفة خير.[5]

ليس هدفي في هذه الدراسة القصيرة التعبير عن نظرية الأخلاق في القانون الطبيعي في الدفاع عن طروحات أي من مُنظريها المذكورتين أعلاه، وبالتالي، ليس من الضروري بالنسبة لي أن أتمكن من حل النزاعات القائمة ين منظري القانون الطبيعي. ربما تكون كلتا وجهات النظر صحيحة، ويمكن معرفة الخير بكلتا الطريقتين. أجد دفاع مارك مورفي معقول عما يسميه “أطروحة الهوية الحقيقية”، والتي تدعي أن البصيرة الجيدة التي لدينا من خلال ميولنا والمعرفة التي لدينا حول ازدهار الإنسان من خلال فهمنا للطبيعة البشرية تمثل طريقتين بديلتين للامساك بالخيرات نفسها.[6] بغض النظر عما إذا كان فهمنا للخيرات البشرية الأساسية فوريًا أم مشتقًا، فسوف أفترض أن نظرية القانون الطبيعي هي تلك التي تنص على أن تلك الخيرات تحددها طبيعتنا  البشرية بطريقة أو أخرى، بحيث لو كانت هذه الطبيعة مختلفة اختلافًا جوهريًا، فما سيكون خير للبشر مختلفاً عقليا ايضاً.

ما هي الخيرات الأساسية للبشر، وفقًا لنظريات القانون الطبيعي؟ هناك، كما قد يتوقع المرء، بعض الاختلافات في البيانات التي يقدمها مختلف المفكرين. غير أن هناك أيضًا قدر كبير من التداخل والاتفاق، وربما يرجع بعض ذلك على الأقل الى ما يبدو وكأنه خلاف إلى الطريقة التي يتم بها وصف الخيرات وتمييزها.[7] تشمل الخيرات بصورتها النموذجية عادة الحياة والصحة والمعرفة والجمال (أو التجربة الجمالية)، والصداقة وغيرها من الخيرات الاجتماعية (مثل ان يكون المرء جزءًا من أسرة ومجتمع)، والوفاء بالعمل والنشاط (بما في ذلك اللعب)، والخيرات النفسية مثل “السلام الداخلي”، المعقولية العملية، وفي بعض الحالات الدين.

على الرغم من أن تفسير القانون الطبيعي للعقل العملي يعطي الأولوية للخير على الحق، كما النفعية وغيرها من أشكال النظريات التي تعتمد المردودية والنتائج العملية، الاً أن نظرية القانون الطبيعي تختلف عن معظم أشكال النفعية لأنها لا تفترض أن العقلانية تتطلب أنه يجب تعظيم الخير. طبعاً في الحديث عن أولوية “الخير على الحق” أنا أتحدث عن “الخير” بالمعنى غير الأخلاقي. من الواضح أن هناك معنى لـ “الخير والشر” ذو طبيعة أخلاقية، وبهذا المعنى فإن حقيقة أن فعلًا مثل القتل محظور أخلاقًا يرتبط منطقياً بكونه سيئًا أخلاقياً. يعتقد مُنظِر القانون الطبيعي أن العقل العملي يدعو إلى استجابة معقولة لما هو خير، ولكن هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي قد تكون بها الأفعال معقولة أو غير معقولة كاستجابة للخير. ما يطلبه العقل العملي ليس مجرد تعظيم بعض الخصائص مثل اللذة، أو حتى تعظيم بعض الخيرات، لكن أن يستجيب الأشخاص بشكل مناسب للخيرات الفعلية التي يواجهونها أو يمكنهم تحقيقها. هذا يعني أنه يمكن لمنظِّر القانون الطبيعي، مثل الكانطيين، يمكن أن يجادلوا بأنه قد يكون هناك بعض أنماط أو أنواع من الأفعال غير مناسبة أو غير معقولة دائمًا، وبالتالي قد تكون هناك قواعد أو مبادئ عامة تستبعد بعض أنواع الأفعال تمامًا. وأخيرا إذا كانت الحياة البشرية أهم خير أساسي، فإن القتل، الذي يُفهم على أنه التدمير المتعمد للحياة البشرية البريئة، يُنظر إليه على أنه خطأ جوهري.

 

 

[1] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 2.

[2] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality,p.2-3.

[3] توماس هوبز، اللفيثيان، الأصول السياسية لسلطة الدولة، ترجمة، ديانا حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، بيروت، 2011. ص 139-165

[4] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.6-17.

[5] Finnis, John.  Natural Law and Natural Rights, New York: Oxford University Press,1980, p.9–60.

[6] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.17-21.

[7] أنظر: للحصول على ملخص للقوائم أو البيانات التي قدمها مختلف المفكرين

Murphy, Mark (201I) “The Natural Law tradition in ethics,” Stanford Encyclopaedia of Philosophy (Winter 20n), ed: Edward N. Zalta, http://plato.stanford .eduf archives/win2011/entries/natural-law-ethics. p.11.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0