ثقافة عروض كتب فكر مختارات مقالات

لمحة عن كتاب: الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق للكاتب: إدوارد سعيد

كتاب الاستشراق هل هو
“قدرة البؤساء في الأرض على الرد” أم قدرة البحث الجرئ و النزيه في ماهية الاستشراق؟

بقلم/ نجوى الجزائري

لمحة عن كتاب: الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق للكاتب: إدوارد سعيد
ترجمة : د. محمد عناني.

(و مع ذلك فقد كانت الأراء الشائعة تميل إلى اعتبار كتاب الاستشراق ضربا من الشهادة على قدرات أصحاب المنزلة الثانوية أي قدرة البؤساء في الأرض على الرد أكثر من ميلها إلى اعتباره بحثا نقديا يستند إلى التعددية الثقافية في تحليله للسلطة التي تستخدم المعرفة لتحسين حالها) إدوارد سعيد.

تضمن كتاب الاستشراق ل إدوارد سعيد ثلاث فصول :الفصل الأول بعنوان نطاق الاستشراق و تناول فيه معرفة الشرقي ، الجغرافيا الخيالية و صورها من إضفاء الصفات الشرقية على الشرقي ، و أهم مشروعات الاستشراق ، بينما جاء في الفصل الثاني بعنوان: أبنية الاستشراق و إعادة بنائها ، تناول من خلاله الحدود و القضايا التي أعاد المستشرقون رسمها و صياغتها و ذلك من خلال الإقامة في الشرق و دراسته و أهم رحلات الحج من بريطانيا و فرنسا إلى الشرق.
أما الفصل الثالث و الأخير جاء بعنوان: الاستشراق الآن ، عرف فيه إدوارد سعيد الاستشراق الكامن و الاستشراق السافر ، و يتناول الأسلوب ، الخبرة و الرؤية الجديدة للاستشراق من خلال الاستشراق الانجلوفرنسي الحديث في أوج ازدهاره ، ليصل إلى الاستشراق الأمريكي الذي دخل بدوره الشرق من أوسع أبوابه.

يُعّرف الاستشراق (بالإنجليزية: Orientalism)‏ حسب موسوعة ويكيبيديا : بأنه حركة فكرية و فلسفية أسسها البيروقراط في بريطانيا بغرض فهم ثقافات ، فلسفات و أديان الشرق إبان الإستعمار البريطاني للهند في أواسط القرن الثامن عشر ، ثم توسعت حركة الإستشراق في الدول الإستعمارية كبريطانيا ، فرنسا ، و ألمانيا ، و دُرِست من قبل الأكاديميين في أروقة الجامعات و المعاهد العلمية بصورة أكثر منهجية ، و شملت الشرق الأقصى و الأدنى و الأوسط بما فيها الدول العربية ، كما يُحسب لحركة الإستشراق العديد من الإنجازات كإكتشاف اللغة السنسكرتية و هي لغة أري-هندية تربط الهند بأوروبا ، و الإستشراق كحركة بدأت لترسيخ الإستعمار البريطاني للهند ، و لكن مع تطورها إلى فكر تأريخي يهتم بدراسة مكونات الشرق.
كما يُعرف المستشرق حسب ذات الموسوعة على أنه مؤرخ ، ولا يتمتع كل المؤرخين بالموضوعية و النزاهة أثناء تناول تراث الغير ، و لكنها حركة تأريخية لا تستهدف الأديان و الأعراق.

بداية يعود بنا إدوارد سعيد في كتابه هذا إلى تاريخ و أيضا سبب ظهور ظاهرة الاستشراق حيث يقول “كان الاستشراق يمثل استجابة للثقافة التي أوجدته أكثر من استجابته لموضوعه المفترض ، و هو الذي أنتجه الغرب أيضا، و هكذا فإن تاريخ الاستشراق يتسم باتساق داخلي و بمجموعة بالغة الوضوح و التفصيل من العلاقات مع الثقافة السائدة المحيطة … لهذا فإن تحليلاتي تحاول رسم صورة هذا المجال و تبيين تنظيمه الداخلي و رواده و الثقات الذين يعتبرون السلطة الأبوية فيه ” ، لهذا يتضح لنا التحليل و المنهج الذي يقوم عليه كتاب إدوارد سعيد لظاهرة الاستشراق حيث يضيف أن موضوعه ليس عن مدى صدق الاستشراق في تصوير الشرق الحقيقي ، و لكن موضوعه الرئيسي هو الاتساق الداخلي للإستشراق و الأفكار التي أتى بها عن الشرق (كالقول بأن الشرق حياة عملية ) بغض النظر عن أي صدق أو كذب في تصوير الشرق الحقيقي .

يعتبر كتاب الاستشراق دراسة موضوعية شاملة ، يتضمن أسئلة الكاتب و تحليلاته التي إستقاها من خلال المخطوطات التي تركها المستشرقون الأوائل بدءا من القرن السابع عشر و التي يقول أنها تعيد نفسها بشكل أو بآخر من خلال التكرار الذي يعود في دراسات المستشرقين الجدد ، يطرح إدوارد سعيد أسئلة جوهرية من قبيل : (إن مشروعي هو وصف نظام فكري خاص لا أن آتي ،على الإطلاق، بنظام جديد يحل محله … إنني أحاول أن أطرح مجموعة كاملة من الأسئلة المتصلة بالموضوع و هو مناقشة مشكلات الخبرة الإنسانية: كيف يقدم المرء صوراً تمثل ثقافات أخرى؟ و ما معنى ثقافة أخرى؟ و هل فكرة وجود ثقافة (أو جنس بشري أو دين أو حضارة ) متميزة فكرة مفيدة ، أم تراها تختلط في جميع الأحوال إما بتهنئة الذات (عندما يناقش المرء ثقافته الخاصة) و إما بالعداء و التعدي (عندما يناقش المرء ثقافة الآخر )؟.

نالت شخصية المستشرق و تكوينه الأكاديمي و أيضا خلفيته الدينية و السياسية حصة الأسد من كتاب الاستشراق ، تعرفنا من خلال كتاب إدوارد سعيد على أسماء أهم الشخصيات الأوائل من المستشرقين الفرنسيين و الإنجليز و حتى بوقت متأخر الأمريكان، و ذلك يدفعنا للتساؤل حول العلاقة أو الإختلاف بين بين المستشرق و الشرقي ، يقول إدوارد سعيد عن هذه العلاقة : في كون الأول يقوم بالكتابة و الثاني هو المكتوب عنه ،فالأول يفترض فيه القوة التي تمكنه من الملاحظة و الدرس ، و صورة الشرقي هنا صورة الموضوع الثابت المستقر الذي يتطلب الفحص ،بل إنه بحاجة إلى معرفة ذاته ، و بالنتيجة لدينا مصدرا للمعلومات (الشرقي) و مصدرا للمعرفة (المستشرق ) ، أي أنه لدينا كاتب و مادة موضوع هذا الكاتب و لولاه لظلت هذه المادة خامدة فتصبح العلاقة علاقة سلطة و تأخذ بالتالي أشكالا متعددة ، ليخرج إدوارد سعيد بنتيجة مفادها ( أن المستشرق اليوم يحاول أن يرى الشرق بإعتباره صورة مقلدة للغرب ، و يفترض ، مثلما يقول برناند لويس أن الشرق لن ينجح في تحسين أحواله إلا إذا أصبحت نزعته القومية “على إستعداد للتصالح مع الغرب” و أما إذا حدث و قام العرب أو المسلمون أو العالم الثالث و العالم الرابع بسلوك سبل غير متوقعة ، رغم كل شيء، فلن ندهش إذا سمعنا مستشرقاً يقول لنا إن هذا يشهد على عناد الشرقيين و استحالة إصلاحهم و يثبت من ثم أنهم ليسوا أهلا الثقة).

في ذات السياق و كمثال عن المستشرق يورد إدوارد سعيد رأي أو نظرة المستشرق الفرنسي الشهير و ربما الأكثر تأثيرا (ماسينيون) حول الشرقي حتى نفهم طبيعة تفكير هذا المستشرق الكبير فهو يقول :(أن الشرقي في ذاته لا يستطيع تقدير نفسه أو فهمها ،فلقد فقد دينه و فلسفته، و هو ما يرجع في جانب منه إلى ما فعلته أوروبا به، و أصبح بذلك المسلمون يعانون من “فراغ شاسع” داخلهم ، فإقتربوا من الفوضى و الانتحار ، و من ثمة فقد غدت فرنسا ملزمة بالمشاركة في رغبة المسلمين في الدفاع عن ثقافتهم التقليدية ) نلاحظ هنا كيف يبرر ماسينيون أو كيف يمجد أيضا الدور أو التدخل الذي تلعبه فرنسا في الشرق فهو يبرر بل و يدعو فرنسا للتدخل من أجل الدفاع عن ثقافة الشرقي !! ، من خلال تحليل إدوار سعيد لشخصيات هؤلاء المستشرقين يمكننا أن نفهم ما جاء في كتبهم و آثارهم التي تركوها و التي و لا شك تركت الأثر البالغ في جميع مجالات العلوم والآداب التي تناولت بالبحث و التحليل و التنقيب الشرق الغامض، و على قول إدوارد سعيد في شخص المستشرق ماسينيون نفهم الضغوط التي رافقت المستشرق في دراسته للشرق:( لا يستطيع الباحث أن يقاوم ضغوط أمته عليه، أو ضغوط التقاليد العلمية التي يعمل في إطارها، و هكذا كان ماسينيون_ فيما يبدو _يقوم في جانب كبير مما قاله عن الشرق و علاقته بالغرب بتنقيح أفكار غيره من المستشرقين الفرنسيين و تكرارها في الوقت نفسه).

مثلما عرف الشرق تنافساو تكالبا للمستعمر الفرنسي و الانجليزي عليه و تدخلا مباشرا(في شكل احتلال أو انتداب)، عرف الاستشراق و الدراسات الاستشراقية أيضا تنافسا فرنسيا إنجليزيا و هذا بالتأكيد كان له الأثر البالغ في صبغ طبيعة هذه الدراسات و تنوعها مع إبتغائها لهدف واحد و هو السيطرة على الشرق حيث يقول سعيد في كتابه أن المنافسة بين الدول الأوروبية(خاصة بين فرنسا و بريطانيا) جعلتها تدفع الشرق دفعا إلى العمل النشط و الضغط على الشرق ليخدم مصالحها و تحويل الشرق من حالة السلبية “الشرقية ” التي لا تتغير ، إلى كفاح الحياة الحديثة و لكنها رأت من المهم أن لا تسمح أبدا للشرق بأن يسلك الطريق الذي اختاره أو أن يفلت زمامه من قبضتنا، فالرأي المعتمد يقول أن الشرقيين يفتقرون إلى تقاليد الحرية )و كمثال معروف جدا عن المستشرق الذي أحدث تواجده بالمنطقة تحولا و تدخلا لافت ، يورد إدوارد سعيد رأي المستشرق الشهير لورنس إذ يقول على لسانه ” كان مقصدي أن اصنع أمة جديدة ،أن أستعيد نفوذا مفقودا ،أن أقدم إلى عشرين مليونا من الساميين الأساس اللازم لبناء قصر الأحلام البديع الخاص بأفكارهم القومية..”

من أهم الانتقادات التي وجهت لإدوارد سعيد عن كتابه بأن كتابه هذا كان دفاعا عن الإسلام و الشرق و يمكن أن نورد هنا ما جاء من أفكار و من أقوال للكاتب و التي بها عُّد أنه دفاع عن الإسلام حيث يقول (و لكن الإهتمام الأوروبي بالإسلام لم ينشأ كما سبق لي أن ذكرت من حب الاستطلاع بل من الخوف من منافس للمسيحية يتميز بوحدته و صلابته و بقوته الجبارة ثقافيا و عسكريا …. و قد استمرت هذه التوليفة من العداء و الخوف و بصورة ما حتى يومنا هذا سواء في الاهتمام العلمي أو غير العلمي بالإسلام ) اهتمام إدوار سعيد بالإسلام في هذا هو إهتمام أي باحث يفكر بطريقة علمية بعيدة عن التعصب مع العلم أنه مسيحي و ليس مسلم فمن خلال قراءاته و استقراءه لكتب هؤلاء المستشرقين توصل إلى نتيجة مفادها:( أن الإسلام كان يمثل مصدر استفزاز حقيقي من زوايا عديدة فموقعه مجاور و قريب للمسيحية، جغرافيا و ثقافيا، إلى حد مقلق ، فلقد انتفع بالتقاليد اليهودية اليونانية، و أبدع فأتى بالجديد فيما أخذه من المسيحية ،و حقق من النجاحات العسكرية و السياسية التي لا تباري ما حُق له أن يتفاخر به).

يعد كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد من أهم المراجع العالمية التي تناولت موضوع الاستشراق و أيضا من أكثر الكتب مقروئية في العالم، تمت ترجمته فيما بعد إلى عدة لغات عالمية، و أحد أبرز الانتقالات التي وجهت لإدوارد سعيد أنه يدافع فيه عن الإسلام والشرق بالرغم من كونه مسيحيا عربيا، غير أن سعيد لا يعترف بذلك، فهو يُنبه النقاد والقراء بأن كتابه ليس دفاعا عن الإسلام وتهجما على الاستشراق والدول الداعمة له، بل هو محاولة تعرية الخطاب الاستشراقي من خلال حمولته اللغوية وأبعاده الإيديولوجية، يقول إدوارد سعيد في هذا الشأن:( لقد أثار الاستشراق حين صدر في صيغته الأصلية الإنجليزية عام 1978، قدرا لافتا من الاهتمام في العالميين العربي والإسلامي، إضافة إلى اهتمام القراء والدارسين المتخصصين بالشرق الأوسط، وفي عام 1981 صدر الاستشراق في ترجمة عربية لافتة قام بها الدكتور كمال أبو ديب، ليعزز مُقام هذا الكتاب بوصفه إما دفاعا عن الإسلام أو هجوما مقذعا عنيفا ضد الغرب، وكلا الأمرين لا يمت بصلة إلى ما كنت قد انتويته أصلا من تأليف الكتاب).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0