أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

حاولت الكتابة فلم أستطع

بقلم/ م. محمد العكشية

حاولت الكتابة فلم أستطع، نصبتُ فخًّا للمعنى: أكثرتُ من الصمت، امتنعتُ عن الحركة.. فاقتربَ المعنى رويدًا.. رويدًا، لا شيءَ سوانا في سماء الصفحة البيضاء المترقبة.
– “مم تخاف؟” قلت له.
– من الورقة.
– ماذا يخيفك في الورقة؟
– اللون الأبيض، ومسؤولية الوضوح والكشف المطلق.
– أنا من سيكتب، أنا من سيتحمل هذا كله، أنت فقط تتقمصُ الأبجديةَ وتتجسدُ شيئًا أرضيًّا.. كي أكتبك.
– ليس ذاك! إنما ما بعده، أنت تكتب فتحيا، وأنا أُكتَب فأموت.
– ستحفظك الأجيال..
– جثةً عارية؟ كاملة النقص؟ ناقصة الكمال؟ ثم من أنت لتكتبني؟ أيها البشريّ جدًّا..
– أنا.. لا شيء.. حقًّا لا شيء. على أني أستطيع أن أراك، وهذا يجعلني.. نصفَ معنىً ربما؟
– ليس للمعاني أنصافٌ أيها البشري، إما أن تكون معنىً كاملًا.. أو لا شيء.
– اقترِبْ.. لن أكتبك. انكشِف لي وحدي، وخذ مني موثقَا ألا أحبسك في نصٍّ من نصوصي أبدًا.
– تكذب. سوف أتسرب من لاوعيك في كل نصوصك، إن هذا مؤلمٌ أكثر.. سوف أتجزأ، أتشظى.
– …. لا بأس إذن. ابقَ حولي فقط، هل تعلم؟؟ أنا أموت أيضًا حينما أكتُب.. ينسونني. كلانا نتمزق بالكتابة؛ أنت تكون مسخًا في ثوب اللغة القاصر، وأنا.. أمضي ولا يعود يذكرني أحد.. فقط يتذكرون هذا الهجين الناقص؛ النص! يُحزنني أن القصيدة تبقى في قلوب الناس ويُنسى قائلها.. كما يبقى دفء النار ويُنسَى عذابُ الحطب.
– فلنبقَ منفصلَين إذن يا صديقي.. أنت كاتبٌ اختارَ معنىً صعبًا، وأنا معنىً اختارَ كاتبًا لا يلين. تبقى حزينًا وأبقى أحوم حولك.. فليكن أدبك كله إذن حول معنىً لا يتسع له الأدب.. ندور حول بعضنا وننزف فوق ورقةٍ بيضاء. هكذا فقط، ليكن.
– ليكن يا صديقي.. ليكن.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0