علي رسول الربيعي
دين فلسفة مختارات مقالات

الإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان

الإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان

اللاهوت العام وحقوق الانسان

 

بقلم/ د. علي رسول الربيعي

كانت العلاقة بين العالمية الدينية والمطالبة العلمانية بالأخلاق العالمية القائمة على الأبعاد الأخلاقية السياسية لحقوق الإنسان وتداعياتها على المطالبة الحصرية الخاصة بالحقيقة القائمة على الكتاب المقدس موضوعًا للتأمل بين اللاهوتيين المسيحيين .[1] فهل يمكن لأخلاق عالمية قائمة على أساس علماني أن تتجاوز الخلافات بين الثقافات حول مقاصد الشمولية العالمية للإعلان؟ هل يمكن لنظرية حقوق الإنسان من تلقاء نفسها، وفي غير ذي حاجة الى ضمانات لاهوتية، أيً  بدون مساعدة من الالهام أو الوحي الديني، أن تحدد شروط الحوار بين الأديان والثقافات لتطوير معايير عالمية تعزز احترام البشر الآخرين على قدم المساواة في الخلق؟

 

قام عدد من اللاهوتيين المسيحيين بتقييم نقدي للادعاءات الكونية للإعلان وخلصوا بأدلة كثيرة إلى أنه بدون سريان الفاعلية الدينية العالمية، فإن أي فكرة عن الأخلاق العالمية ستكون غير مكتملة لأن الثقافة العلمانية غير قادرة على أعطاء المعنى الذي تمنحه الأديان للحياة وقدسيتها وكذلك امتلاك الكرامة والحقوق الأصيلة. إن الدين، بقوته في الإقناع بوصفه يدخل الى صميم المشاعر البشرية فيهذبها من الداخل، لا يوفر الشرعية الثقافية لحقوق الإنسان فحسب؛ بل يمكن أن يصبح أيضا أقوى المدافعين عنها.

 

لجأ الزعماء الدينيون في عدد من مناطق العالم حيث تتفشى انتهاكات حقوق الإنسان إلى تقاليدهم الدينية لحل النزاعات الأهلية وتعزيز العلاقات السلمية من خلال الدعوة إلى الحقيقة والمصالحة مع أولئك الذين، فشلوا في حماية الحقوق الأساسية لحياة البشر وحماية شعوبهم من القسوة. وعجز الإعلان، في كثير من الحالات المثبتة، في الاعتماد حدس أخلاقي مشترك عن الكرامة الإنسانية تم تعويضه بالأخلاق الدينية المعبر عنها في ما يمكن ان نسميه في السياق الإسلامي باللاهوت العام – وهو ليس لاهوت لتبرير الحكم الديني او السلطة الدينية او يكون مسوغا لحق قيام أحزاب الدينية، وليس ليتحول الدين الى مجرد وسيلة للوصول الى السلطة- أنه عام  بمعنى يعارض سياسات الاستبداد، سواء كان علمانيًا أو دينيًا، للبحث عن طرق لتعزيز مجتمع العدالة والحكم الديمقراطي.

 

وقد تحدث ماكس ستاكهاوس،[2] عن “اللاهوت العام” في السياق المسيحي من منظورأهميتة للخطاب العمومي لتمييز وفهم الدور الحاسم الذي تلعبه الالتزامات الشخصية في التأثير على المجتمع المدني وفي تطوير حقوق الإنسان. ويمكن أن يقوم اللاهوت الإسلامي العمومي  حيث يربط الإسلام  الوحي بالعقل بترجمة الإيمان الشخصي إلى عمل اجتماعي من خلال أحكام الشريعة لتحفيز المؤمنين على تأييد إقامة مؤسسات عادلة في المجتمع بوصفها تعكس بشكل موضوعي إرادة الله للبشرية. يمكن أن يكون اللاهوت  العمومي الإسلامي القائم على عقيدة مركزية لإله عادل ورحيم  مُلزم بجوهره الأخلاقي توجيه البشرية لخلق نظام عام عادل بمثابة الأساس اللاهوتي الأخلاقي الرئيس لحقوق الإنسان وشرطها المسبق، أي الحكم الديمقراطي في المجتمعات المسلمة.

 

يمكن أن تدرج الاتجاهات الحديثة في الفكر القانوني – السياسي الإسلامي (حيث غالبا ماتوضع شروط مطابقة القوانين للشريعة الإسلامية في دساتير الدول  ذات الغالبية المسلمة) ضمن مناقشاتها اللاهوت في صوغه الكلاسيكي كاساس للفقه السياسي الذي يعتبر بدوره التحدي الذي تفرضه الحداثة تهديدًا للتوليفة التقليدية المستمرة منذ قرون بين الدين، والفلسفة (القروسطية)، والحكمة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. يمكن للمرء أن يبدأ من خلال إعادة تقييم هذا الجانب من الفكر الإسلامي بطريقة حوارية مع المعاملة العلمانية والمسيحية لمفاهيم ومقولات حقوق الإنسان، في جعل الفكر التشريعي الفقهي الإسلامي  العام أكثر فهمًا في سياق التحديات الإبستيمولوجية (المعرفية) التي تفرضها الإنسانية الليبرالية التي تتجاهل قدرة الدين لتغيير الحياة من أجل تحسين البشرية جمعاء دون تمييز على مستوى العلاقات والتواصل بين البشر. علاوة على ذلك، يمكن أن يكشف العلاج الحواري كيف يمكن إعادة التفاوض على مفاهيم ومقولات الشمولية (التي تغطي كل ماهو مطلوب)  والتعددية بشكل خلاق للاستجابة لاحتياجات الزمان والمكان المختلفة.

 

بينما يعيد الفهم الأساسي للارتباط السياسي الولاءات السياسية الاجتماعية إلى أعمق تأكيداتها الخاصة، يمكن أن يأخذ اللاهوت العمومي المسار المعاكس من خلال طرح سؤال أساسي يتعلق بالهدف النهائي للولاء الكتابي في إنشاء مجتمع تسود فيه قيم العدالة والأنصاف المستمدة التصور المثالي الديني. كتقليد يشمل العالم، وفر اللاهوت العام منذ نشأته الأولى أرضية  شرعية دينية للبنى الاجتماعية والسياسية القائمة عن طريق الإصرار على بعض الخصائص العرضية والأستثنائية للنظام العام بموجب قواعد أو معاير مرسومة إلهايًا. وبعبارة أخرى، فقد عملت كنقد صارم لنظام قائم يدعي أنه إسلامي من خلال تقييم أدائه الزمني، وبالتالي توفير مساحة علمانية لتقييم النظام العام المحدد دينياً.

 

كان التفحص العلني للأداء السياسي لنظام سياسي محدد روحيا وأخلاقيا هو أهم مساهمة  للاهوت العام الإسلامي الذي يتطلب اليقظة الدينية من جانب المحكومين للتحقق من تجاوزات من هم في السلطة. وبهذه الطريقة، وفرت النصوص الإسلامية الديباجة لنظام عام أخلاقي مع معايير مهمة لتحديد متى كان من الواجب مكافحة النزعات الأستبدادية الصارخة التي خنقت القدرة الإنسان على الاستجابة للتحدي الأخلاقي الإلهي المتمثل في إقامة العدل على الأرض.[3] حافظ اللاهوت العام  الإسلامي بقدر لاباس فيه وفي ظروف حكم استبدادي على حيويته كناقد بناء دون المساس بهدفه الأساسي المتمثل في تمكين المضطهدين “المستضعفين”  للمطالبة بالحق في الإنقاذ من فساد النظام البشري “المفسدين في الأرض”. إن الدافع للمقاومة ضد الظلم وواجب الكفاح من أجل العدالة على الأرض متأصل بعمق في اللاهوت العام الإسلامي لدرجة أن المسلمين المتشددين، من خلال استرجاعهم الانتقائي للمصادر النصية من الكتاب، قد أبرزوا جانب الفساد في الأنظمة السياسية الاستبدادية في دعوتهم للإطاحة ببعض الحكومات في الشرق الأوسط، لتدميرها الكرامة الإنسانية.[4] تحذر الأخلاق السياسية الإسلامية من مخاطر المعارضة العنيفة التي لا نهاية لها من أجل استعادة العدالة المنتهكة التي يمكنها، على المدى الطويل، أن تتراجع أو تلغي  التفويض الفعلي للوحي الإسلامي الذي يؤكد على التوازن بين العدالة والرحمة في التعامل مع المؤسسات البشرية المعرضة للفساد.

 

من المهم جدا تحليل التفسيرات المتنوعة للاهوت العام لأنها تؤثر على خطاب حقوق الإنسان بين المفسرين والفقهاء المسلمين لإثبات أن الوحي الإسلامي قد حافظ على حيويته المتعددة الأوجه للسماح بالتخصيص المتنوع للنصوص ذات الصلة لأغراض سياسية مختلفة جذريًا. بالإضافة إلى ذلك، التأكيد على العلاقة بين الشمولية الدينية والعلمانية المشروطة بالخصوصيات السياسية الأخلاقية في أوقات مختلفة. يحدوني أمل صادق في أن يبدأ المسلم في تقدير المواقف المتنوعة التي تتبناها أو يمكن أن تتبناها من مواقع متطلبات العصر وروحه أشكال اللاهوت العمومي في مسألة حقوق الإنسان وأساس التحقق منها.

 

 

[1] انظر:

 

Donald W. Shriver Jr., foreword, in Religion and Human Rights: Competing Claims?, ed. Carrie Gustafson and Peter Juviler (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 1984), pp. ix-xii.

 

[2] Stackhouse, Max. Creeds, Society, and Human Rights. Grand Rapids, MI: Eerdmans,1984.

 

[3] من الناحية النظرية، قمت بالاعتماد على رؤى جيه. شيلي، المقدمة، في

 

Dorothee Solle, Political Theology (Philadelphia: Fortress Press, 1974)

 

لشرح تبني مفهوم اللاهوت السياسي الإسلامي في سياق نظرية حقوق الانسان.

 

[4] Khaled Abou El Fadl, ”A Distinctly Islamic View of Human Rights: Does It Exist and Is It Compatible with the Universal Declaration of Human Rights?” in Islam and Human Rights: Advancing a US-Muslim Dialogue, ed. Shirin T. Hunter with Huma Malik (Washington, DC:  CSIS Press, 2005), pp.  27-42,

 

وفي فصل أخر من كتاب:

 

“Islam and the Challenge of Democratic Commitment.” in Does Human Rights Need God? ed. Elizabeth M. Bucar and Barbara Barnett (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2005), pp. 58-103,

 

لقد شرح ابو الفضل ما أعتبره جزءًا من اللاهوت العمومي. ترتكز أطروحة أبو الفضل على أن الإسلام نفسه متوافق مع السياسة الديمقراطية  من خلال تحليله الدقيق للكتابات القانونية (الشريعة)  للحقوقيين الكلاسيكيين ونفورهم من الاستبداد غير المقيد وتفضيلهم حكومة ملزمة بالشريعة (االقانون الديني)  “حيث لا يتمتع البشر بسلطة غير مقيدة على البشر الآخرين، وأن هناك حدود للوصول إلى السلطة “(ص 59). هذه الخاصية متوافقة بالتأكيد مع القيود الأخلاقية على ممارسة السلطة غير المقيدة التي يجب أن تخضع في النهاية للتدقيق العام.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0