علي رسول الربيعي
حوارات فكر فلسفة مختارات مقالات

الأخلاق والمعايير (1-2)

 

 

الأخلاق والمعايير

(1-2)

 

الأستاذ الدكتور نابي بو علي يحاور علي رسول الربيعي

 

س1: د. النابي بوعلي: هناك رأيان في من يخص العلاقة بين الحقيقة والأخلاق: الأول يرى أن الحقيقة في الأخلاق  موضوع مهم. والثاني، من وجهة نظر مقبولة للموضوع، إن الحقيقة في الأخلاق ليست موضوعًا مهمًا للغاية. مع اي راي تقع موافقتكم؟

 

ج1: د. علي رسول الربيعي: قد تبدو الحقيقة في الأخلاق موضوعًا مهمًا لأنها تتعلق بمسائل معينة مثل الموضوعية، وإمكانية المعرفة الأخلاقية، وهذا ما أعتبره سؤالًا مهمًا بشكل خاص في طبيعة السلطة الأخلاقية، إذا هناك شيء من هذا القبيل: وهذا هو السبب في أن آراء شخص ما حول الموضوعات الأخلاقية يمكن أن تكون أكثر قيمة من آراء الآخرين. لذلك، إذا كانت الحقيقة في الأخلاق مرتبطة بمثل هذه الأسئلة، فإن الحقيقة في الأخلاق يجب أن تكون موضوعًا مهمًا.

 

س2: د. النابي بوعلي: طالما وجدتك تؤكد أن هناك لمعرفة الأخلاقية بموضوعية القيًم الأخلاقية، لماذا هذا لأهتمام بالقضايا أو الأسئلة التي تتعلق بطبيعة التحقيق المعياري؟

 

ح2: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، كنت شعرت بالانزعاج من الانفعال العاطفي السائد في البيئة الإجتماعية والثقافية التي عشت فيها، عندما جئت الىدراسة الفلسفة في جامعة بغداد، كان الأستاذان حسام الألوسي وعبد الأمير الأعسم، يعملان على العقلانية، ولي نقاشات معهم عن هذا لازال منها مكتوبا بخط اليد، وقد كتبت مقالًا عن العقلانية عند الألوسي وناقشها الأعسم في الجمعية الفلسفية العراقية أنذاك، وناقشت هذا الموضوع  مع سعاد خضر رئيسة تحرير مجلة الثقافة بتوصية من الالوسي  ولهذا قصة لامجال لذكرها هنا؛ مما ساهم في  لفت  نظري إلى مسألة العقلانية: ما هي وماذا يعني أن نسمي شيئًا عقلانيًا. ويبدو لي هذا التسـاؤل جزءً رئيسًا من مسألة التحقيق أو البحث المعياري.

 

أثارت دهشتي لاحقًا أسئلة مثل: “ما الذي سيكون  عقلانيًا  للقيام به ؟” “ما هي الأسباب الصحيحة لفعل الأشياء؟”، هل الشعور ملائم في هذا الموقف، أو أنه غير مناسب؟”، وهي كلها تتعلق بكيفية التصرف والحكم والشعور. ثم خطر لي أن تسمية شيء عقلانيًا يعني تأييده والمصادقة عليه. لكن تأييده بأي طريقة، إجابتي هي أن الاعتقاد بأن شيئًا عقلانيًا هو قبول معيار يسمح لك بذلك. لذلك فإن الشخص الذي يسمي شيئًا ما “عقلاني” يعبر عن حالته الذهنية؛ إنه يعبر عن قبوله لقاعدة تسمح بذلك الشيء.

 

س3: د. النابي بوعلي: ماذا ينطوي عليه قبول القاعدة؟

 

ح3: د.علي رسول الربيعي: هذا هو المكان الذي أعتقد أنه يتعين علينا أن ننظر فيه إلى علم الأحياء وعلم النفس. أعتقد أن لدينا نظامًا للتحفيز والسيطرة أو التحكم يتضمن قدرة خاصة على النظر وتحديد المعايير التي يجب قبولها. وأعتقد أيضا أن هذا النظام هو التكيف. نحن “مُصممون” بالتطور للعيش معًا في مجموعات اجتماعية معقدة. تعتمد احتمالات بقاء الإنسان البدائي وتكاثره بشكل حاسم على الروابط التي يمكن أن ينميها، وعلى قدرته على تنسيق أفعاله مع الآخرين والتعاون معهم. لقد طورنا اللغة بشكل مكثف لأنها تمكننا من التنسيق بهذه الطريقة. تتيح لنا اللغة ألا ننظر إلى الوضع الحالي فقط، بل أيضًا الى الماضي، والمستقبل، والظروف الخيالية. وتتيح لنا مناقشة هذه المواقف مع الآخرين والتفكير في كيفية التصرف فيها وكيف نشعر بها. كما أنها تمكننا من إقناع الآخرين والضغط عليهم للحكم بطريقة معينة حول ما يجب القيام به والشعور به في هذه المواقف، لذلك تسمح اللغة بتطوير التقييمات المشتركة للحالات التي قد تنشأ إنها تمكننا من تجميع رؤوسنا معًا والمشاركة في التخطيط المشترك.

 

الآن، يجب أن تؤثر هذه المناقشة المعيارية على ما نقوم به فعلًا إذا كانت تخدم وظيفة تنسيق سلوكنا. لذلك، يجب أن يكون هناك نوع من الارتباط بين الآراء التي يميل المرء إلى الإقرار بها في المناقشة غير المقيدة وميول الفرد إلى الفعل والشعور؛ وينبغي أن يكون هناك ميل إلى أن تحكمها قاعدة يمكن للمرء أن يعرب عن الالتزام بها في مثل هذه المناقشة. إن قبول المعيار هو التحديق النفسي الذي نحن فيه عندما يكون لدينا هذه الميول للتعبير عن المعيار والتحكم به.

 

س4: د. النابي بوعلي: اذن في رايك، تساعدنا المداولات المعيارية على تنسيق سلوكنا بطرق مواتية من خلال تمكيننا من إعادة الاتفاق على كيفية التصرف وكيف نشعر. ولكن هل يميل النقاش حقًا إلى الاتفاق؟ نحن جميعا على دراية بالمناقشات التي تنتهي بشحذ خلافاتنا.

 

ح4: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، لقد تم تشكيلنا بواسطة قوى التطور لتكون قادرين على الإقناع – للانجذاب نحو قبول معايير الآخرين من حولنا. من المفترض أن السبب في تشكيلنا هو أنه إذا لم تكن لدينا هذه الميول، فسيجد الآخرون صعوبة في تنسيق أفعالهم معنا. (هناك بالطبع قوى متعارضة؛ قد يكون من المكلف للغاية الاستسلام دائمًا لشخص تختلف أعرافه عن أعرافك). وهناك قوة أخرى تدفعنا نحو الإجماع وهي أننا نشعر ببعض الضغط لنكون متسقين في مواقفنا.

 

س5: د. النابي بوعلي: أستطيع أن أرى كيف تدفعنا  أنفسنا كبشر إلى قبول آراء من حولنا. ولكن أنا لا أفهم كيف يمكن للاتساق وحده أن يدفعنا نحو الموافقة. خذ حالة يكتشف  فيها شخصان أنهما يختلفان حول مسألة معيارية. لنفترض، على سبيل المثال، أنني أعتقد أن أيً شخص نشأ بمحبة ملزم برعاية والديه المريضين. افترض كذلك أن شخصًا آخر ينكر أن للوالدين مثل هذا المطلب الخاص على أولادهم؛ ويعتقد أن مثل هذه الالتزامات برعاية الوالدين لا يمكن الحصول عليها ألا اذا ألتزم به الشخص بحريته وليس كواجب الزامي. قد يكون كل واحد منهما متسق تمامًا ويمتلك كل المعرفة الواقعية التي تتصل بهذا الأمر  بحيث ينشأ الخلاف فقط لأننا نرى أشياء أساسية معينة بشكل مختلف. لقد وصلنا إلى نقطة حيث يدعي كل منا أن تصور الآخر خاطئ. كيف يدفعنا الاتساق نحو الاتفاق؟

 

ح5: د.علي رسول الربيعي: ما يحدث هنا هو أن كل شخص يطالب بسلطة معينة في هذا الشأن، ويمكن للمرء أن يسأل لمن يعطي مثل هذه السلطة. أتناول هذا السؤال بسؤال ما الذي سيتبع إذا اعتقدت أنني يجب أن أرفض  اعطاء هذه السلطة لأي شخص آخر. ثم أسأل: لماذا أتوقف عند هذا الحد؟ لماذا أثق بأحكامي:

 

لا يُطرح هذا السؤال بالنسبة لبعض الأحكام. تبدو لي بعض القواعد بديهية تمامًا؛ لا أشك فيها وأجد أنني لست بحاجة إلى حجج لقبولها. لايتطلب قبول هذه المعايير الثقة بالنفس. لكننها مفيدة لقبول الأحكام الأخرى، مفيد للأستنتاجات التي تعتمد على سلاسل طويلة من التفكير، على سبيل المثال، أو التي توصلت إليها في الماضي وأريد الاعتماد عليها الآن. تشارك الثقة بالنفس أيضًا في الأشياء التي أقبلها من الآخرين لأنني أعتقد أنه إذا كانت لدي معرفتهم، فسأوافقهم، وإذا لم أكن أثق بنفسي في هذه الأمور، فسيتعين علي التخلي عن جميع آرائي تقريبًا؛ يمكنني الاعتماد فقط على الأشياء التي بدت لي بديهية. أود أيضًا أن أرى أي تحقيق أو استفسار إضافي حول ما يجب فعله لأنه لا طائل من ورائه اذا كنت لا أثق بأحكامي التداولية أو التشاورية. لذلك، فإن أحد الأسباب التي  تجعلني أثق في أحكامي الخاصة إلى حد ما هو أن البديل سيكون الشك المرهق.

 

تثبت حجة الثقة بالنفس ذاتها لي أنه يجب عليً منح الآخرين بعض السلطة أيضًا. لقد شكلت آراء الآخرين آرائي بشكل كامل لدرجة أن عدم الثقة في آرائهم سيجبرني على التخلي عن جميع معتقداتي تقريبًا. لتجنب مثل هذا الشك، يجب أن أعطي بعض السلطات المحدودة للآخرين. وهذا يعني أنه يجب أن أعتقد أنه في ظل بعض الظروف المواتية فإن اعتناق الآخرين لوجهة نظر يعتبر لصالح قبولي لها. وإذا كنت متسقًا، فإن كل ما يجعل هؤلاء الأشخاص حكام جيدين سيجعل الآخرين الذين لديهم الخصائص نفسها يحكمون جيدًا. لذلك سأمنح بعض السلطة لجميع الأشخاص الذين هم مثل الأشخاص الذي أعتقد أن أحكامهم شكلت أحكامي بشكل صحيح.

 

س6: د. النابي بوعلي: لماذا لا يمكنني التوقف عن اعتبار نفسي سلطة على معايير الفعل والمشاعر بالطريقة نفسها التي قد أفعلها مع بعض حالات التقدير والأعجاب الجمالي؟ على سبيل المثال عندما أقول: أنا أحب تلك اللوحة، لكن لا أعتقد  أنه من الواجب عليً أن أحبها أو  لا احبها-  لقد احببتها فقط .

 

ح6: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، قد تتفاعل مع شيء ما فقط، ولكن عندما تحاول التفكير فيما يجب عليك فعله، عليك الاعتماد على الاستنتاجات التي توصلت إليها  مؤخرًا، وهو شيء لا يجب عليك فعله مع الذوق الجمالي.عندما تسأل نفسك ما هي المبادئ التي يجب عليك قبولها، عليك أن تمنح نفسك بعض السلطة، لأن قبولك مبدأ ما بعد التفكير فيه يعني أنك تمنح السلطة لنفسك كما لو كنت ستقبله بعد مداولات.

 

2180 علي الربيعي ونابي بوعلي

 

س7: د. النابي بوعلي: أذن أنت تقول، على نفس الأسس التي أعطي بها السلطة لنفسي، يجب أن أعطي بعض السلطة للآخرين؟ لذا، في المثال الذي قدمته حول الحجة  التي تتعلق بواجباتنا تجاه آباءنا، قد أحاول تقويض مطالبة خصمي بالسلطة بأن اقول بأن الاستياء الذي يشعر به من نشأته التعيسة أوغير السعيدة  قد يفسد حكمه. قد يدعي خصمي، من جانبه، أن حكمي على أن لدينا التزامات خاصة تجاه آباءنا أمر غير موثوق به لأنه مجرد نتيجة لفشلي في مقاومة الضغط العاطفي الذي فرضه عليّ والديً، وهو الضغط الذي يعتقد أنني يجب أن أقاومه من أجل تشكيل أحكام موثوقة. ولكن إذا لم يستطع أي منا تقديم قصة وقائع من هذا النوع، فعلى كل منا أن يقبل أن هناك سببًا ما لرؤية الشيء بالطريقة التي يراها الآخر ……

 

ح7: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، كل واحد منكم يواجه تحديًا معرفيًا: ما الذي يجعلك تعتقد أنك تحكم  بشكل أفضل. ستشعر بالأحراج في المناقشة إذا لم يكن لديك إجابة عن هذا السؤال.  بالطبع، حتى لو لم يكن لديك رد، فلا يزال بإمكانك التمسك بآرائك والاعتقاد بأنه يجب على الآخر قبولها لأن هناك قصة قائع يمكن روايتها لتبرير مطالبتك، على الرغم من أنك لا تملك هذا القصة جاهزة. لكن سيتضمن اتخاذ هذا الموقف الانسحاب من المناقشة الكاملة، على الأقل في الوقت الحالي للنقاش.

 

س8: د. النابي بوعلي: ما الذي يمنعنا من استبعاد من نختلف معهم على أساس أن مضمون أحكامهم تفتقد الأهلية؟

 

ح8: د.علي رسول الربيعي: هذه الدوغمائية مكلفة لأنها عادة ما تنهي المناقشة. أيً وفقا لهذا  الحال عندما يكن من غيرالممكن إجبار الشخص الذي لا تتفق معه على قبول وجهة نظرك، وترى أن لا يمكن الوثوق بحكمه لمجرد مضمون آرائه، عليك اذن التخلي عن أي احتمال من مناقشة الأمور معه. لكننا بحاجة إلى الدخول في نقاش مع الآخرين. تمكّننا المعايير المشتركة من العيش معًا، علاوة على ذلك، فإننا نفقد توازننا بسهولة إذا لم نتحدث مع الآخرين، فالتفكير المنعزل مربك. لذا فإن التخلي عن المناقشة المعيارية أمر مكلف.

 

س9: د. النابي بوعلي: أستطيع أن أرى أنه من المضر بمصالحنا أن نعزل أنفسنا عن كل  المناقشات أوالمداولات المشتركة. ولكن قد لا يكون من المضر للغاية رفض أو طرد الأشخاص الذين ليس لدينا علاقة كبيرة بهم على أي حال. لذلك، يبدو توازنًا في التكاليف هنا، مما سيجعلنا نسمح لمن حولنا أن يكون لهم بعض التأثير علينا، لأن ثمن استبعادهم سيكون باهظًا للغاية، مع عدم الضغط علينا لإعطاء وزن كبير لآراء الآخرين الذين بالكاد نتفاعل معهم، لأنه نادرًا ما يكون السماح لهم بالتأثير علينا أكثر تكلفة من رفضهم.

 

ح9: د.علي رسول الربيعي: من الصعب الإدلاء بآراء عامة، لكن أعتقد أنه يمكننا ان نقول كثيرا عن هذا. يعيش كل واحد منا في مجتمعات متداخلة مختلفة. نختار مجتمعاتنا، إلى حد ما، على أساس ما يمكننا مشاركته مع الأشخاص الموجودين فيه. وفقًا لسلطة أشخاص آخرين، وليست السلطة مسألة كل شئ أو لا شيء: يمكننا أن نثق في حكمهم على بعض الأشياء وليس على أشياء أخرى؛ ويمكننا أن نكون منفتحين على مناقشة بعض الأشياء معهم وليس أشياء أخرى. الاتفاق على كل شيء ليس مطلوبًا: يمكننا،في بعض المجتمعات، الاكتفاء بالحد الأدنى من المعايير المشتركة وقصر مناقشتنا على تلك المعايير. لكن، عادةً، نحتاج أيضًا إلى أن نكون جزءًا من مجتمعات أصغر من الأشخاص الذين نثق في أحكامهم المعيارية في مجموعة من الأمور المهمة، حتى نتمكن من تجميع رؤوسنا معًا ومعرفة كيفية العيش.

 

س10: د. النابي بوعلي: يمكن أن تبدو الفلسفة الأخلاقية مشروعًا غريبًا ومربكًا بشكل خطير، كما فعلت مع الأثينيين الذين حكموا على سقراط بالإعدام لإفساد شبابهم من خلال تشككه المستمر للمعتقدات الأخلاقية السائدة. إن الفلسفة الأخلاقية، كما تدعي أومن وجهة نظرك ياعلي، هي امتداد لممارساتنا الشائعة للمناقشة المعيارية، وإن كانت تأخذ عناصر من هذه الممارسة العادية – البحث عن الاتساق، والنظر في وجهات النظر المختلفة، والمطالبة بتبرير ادعاءات المرء بالسلطة – وتدفعهم إلى  مديات استثنائية. في ضوء ذلك، لا تبدو الفلسفة غريبة أو مهددة. هل تعتقد – ياعلي- مع ذلك أن هناك شيئًا يدعو للقلق من أن تدفع الفلسفة التساؤل إلى نقطة يصبح فيها عديم الجدوى أو حتى مدمرًا؟

 

ح10: د.علي رسول الربيعي: تطمح الفلسفة عادة إلى عدة أهداف. أحدها هو الاتساق. هذا أمر جذاب، لأنه يساعدنا على تجنب أنماط الفعل التي تقهر أو تهزم الذات أو غير المتماسكة. كما أنها تطمح إلى الموضوعية – لتعزيز الآراء التي يمكن للمرء أن يطالب الآخرين بقوبولها باستمرار. يمكن أن يكون هذا أيضًا  أمرًاجيدًا، لأن محاولة الدخول في نقاش مع الآخرين والتحدث معهم يمكن أن يعزز الإجماع. أخيرًا، تحاول الفلسفة إيجاد أساس منطقي عميق للمعايير الأخلاقية: فهي تبحث عن نقطة تكمن وراء هذه المعايير، حتى لا نعتبرها مجرد  تابو أو محرمات. ومع ذلك، فإن السعي وراء هذه الأهداف من خلال التحقيق النقدي والمنتظم يمكن أن يتركنا أكثر غموضًا مما كان عليه الحال قبل أن نبدأ. يمكن أن يتركنا أيضًا بعيدين عن الدوافع التي لم نكن منفصلين عنها قبل أن نساءلها تمامًا. لذلك من حيث تأثيراتها الإجمالية، ليس هناك ما يضمن أن الانخراط في الفلسفة الأخلاقية سيكون له نتائج جيدة. ولكن آمل أنها سيؤدي الى ذلك. ولا أعتقد أننا يجب أن نخجل منها، أعتقد أنها “أمر جيد؛ وإلا، فلن أكرس حياتي للبحث النقدي في الأخلاق والعقلانية. لكن أنها مسألة حكم.

 

د. النابي بوعلي: باختصار: أجمل بعض آراء الأستاذ  علي رسول الربيعي التي خلصت اليها من  نقاشي معه في ما له صلة بحوارنا هذا. يحتوي منطق المناقشة المعيارية على بعض الضغوط نحو الإجماع: إذا اختلفنا مع شخص لا يفتقر إلى أي من الأشياء التي نعتقد أنها تشكل حكمًا معياريًا جيدًا، فيتطلب الاتساق أن نوازن بين حقيقة أنه يرى الأشياء بالطريقة التي يراها كسبب يحسب لصالح وجهة نظره. يتركنا هذا الاستنتاج منفتحين على تأثير كل من نعتبره حكمًا جيدًا. إذن،  هناك الكثير من الأمور المعلقة على ما  نعتقد أنه حكم جيد.  بعض الأشياء الأولى التي تتبادر إلى الذهن مألوفة: كونك منفتح الذهن، ومتعاطفًا، وقادرًا على استيعاب الآثار المترتبة على المعايير التي يقبلها المرء.  يشير  محاورنا إلى خصائص مثل “ المحتوى المحايد ”، لأنها لا تشير إلى محتوى المعايير التي يجب على الحكم قبولها. ومع ذلك، ستجعل هذه المعايير المحايدة المحتوى بعض الأحكام غير محتمل أو لايُطاق. أحد الأمثلة التي يذكرها محاورنا  عن ذاك الذي لايطاق هو الحكم بأن القسوة غير المبررة تستحق الإعجاب. يمكننا أن نعتقد أنه من غير المحتمل جدًا أن شخصًا يمتلك القدرة على التعاطف مع شخص عومل بقسوة يمكن أن يؤيد هذا المعيار – ويمكننا بعد ذلك عدم الثقة في الادعاء بأنك قاضٍ كفؤ يقدمه أي شخص يعجب بالقسوة غير المبررة.

 

ومع ذلك، يقول الأستاذ علي رسول الربيعي، لا يمكننا حصر تعريفنا لما يجعل الحكم جيدًا في معايير المحتوى المحايد، لأننا سنجد بعض الآراء بغيضة لدرجة أننا نرفض ببساطة منحها أي وزن، حتى لو كان الشخص الذي يقدمها قد حقق كل هذه المعايير. لنفترض أننا أصبحنا مقتنعين بأن كاليجولا التي اصبحت مضرب الأمثال في التاريخ تمتلك فهمًا حيًا وعاطفيًا لعواقب الأفعال القاسية، ولديها جميع الخصائص الأخرى المحايدة للمحتوى للحكم المؤهل والكفوء. ومع ذلك، تعتقد كاليجولا أن القسوة غير المبررة تستحق الإعجاب. ربما نعتقد أنه لا ينبغي لنا أن نرى حكم كاليجولا على أنه يمنحنا سببًا للإعجاب بالقسوة غير المبررة ؛ بعبارة أخرى، سنستخدم بعض معايير “المحتوى الثابت” لتحديد الحكم لمن يجب أن نعطي السلطة. يرى علي رسول الربيعي أنه يجب علينا القيام بذلك لتجنب أن تدفعنا مطالب الاتساق الى قبول الآراء التي لا يمكننا ببساطة السماح لأنفسنا بقبولها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0