سياسة مختارات مقالات

سباق الدبلوماسيتين الجزائرية والمغربية حول الدور الاقليمي

سباق الدبلوماسيتين الجزائرية والمغربية حول الدور الاقليمي

بقلم: أ.د/ نبيلة بن يوسف
استاذة جامعية منذ عام 2005 في جامعة مولود معمري بولاية تيزي وزو، دولة الجزائر

 

إن كانت تتطلب القضايا العصيبة والمضطربة حضورا عسكريا وسباقا نحو التسلح في السابق فإن الوضع اختلف لعدة أسباب وفواعل، وأضحى الفوز والانتصار في يد الديبلوماسية بوظائفها المتعددة، دون إغفال الدور العسكري الذي يبقى آخر ما يستعرض كبدائل لاتخاذ القرار، ويبقى على رأسيهما الدور الاستخباراتي صاحب العظمة فهو المحرك الأساس لعملية صنع القرارات واتخاذ أنسبها حول القضية المعنية.

      من خلال اعتماد القوة الناعمة في نظر المفكرين والباحثين في حقل العلاقات الدولية وفي مقدمتهم “جوزيف ناي” سيتمكن الطرف الثاني في القضية الحصول على ما يريد من خلال ما تحمله هذه القوة من قدرة على التأثير من خلال أساليب متعددة كالاستقطاب والإغراء، واعتمادا على صلابة السّجال العقلي ــ المنطقي والقيمي في تأثيرها على الرأي المحلي والعالمي، وباعتماد وظائف الدبلوماسية المختلفة (التفاوض،المراقبة والاستطلاع، الحماية) من خلال أنواع مختلفة من الديبلوماسية منها التقليدية والعصرية (الرقمية).  

اعتماد نظرية الألعاب في العلاقات الدولية:

      لا تعتمد نظرية الألعاب في العلاقات الدولية إلا أثناء الحروب أو عند العزم على اندلاعها، بل تعتمد أيضا في تحقيق التأييد والتفاف الجماهير المحلية والإقليمية (المقصودة) والعالمية وذلك يتأتى بحسن تحقيق التأثير فيها، من خلال تدمير طاقة الخصم سياسيا، وتكون في الاعتماد الدبلوماسي غالبا بطرق غير صفرية لما تقتضي المساومة والمفاوضة والجنح للسلمية، فتجعل من الطرف الآخر “يريد ما نريد دون إرغامه”.

هل توّفقَ المتسابقتان “الجزائر” و”المغرب” في اعتماد نظرية الألعاب؟ من الرابح فيها ومن الخاسر؟ سيتبين في التسمية الأخيرة التي ستطلق على الصحراء ” الغربية” أم ” المغربية”، تساؤلات مثيرة في ظل الأزمة المتجددة تصعد لسطح العلاقات الدولية.

السباق حول دور الاقليمية:

      بحكم أن الجزائر دولة مركزية لا يمكن أن تعيش لوحدها بمعزل عن غيرها من الدول في إقليمها الجغرافي، ومن قبيل تفعيل دورها الإقليمي وجب تبنيها لمفهوم الأمن الاقليمي (الافريقي)، وما يساعدها هو ارتكازها على مقومات القوة الصلدة والناعمة للعب الدور القيادي في المنطقة.

    ومن خلال رصد المتغيرات الاقليمية التي تشهدها القارة الإفريقية وتحديدا إقليم ساحل الصحراء ببيئته الأمنية المضطربة التي تزداد اضرابا كلما تنامت التهديدات الأمنية التماثلية واللاتماثلية وتدخلات الأطراف الأجنبية تباعا، سواء كانت أطراف إقليمية أم قوى دولية لكل منها مطامح في القارة، تؤثر بدورها سلبا على الأمن القومي للجزائر والتي اعتمدت الأمن كمحدد أساسي في صناعة سياستها الخارجية والجنوح لحل النزاعات بطرق سلمية فكان أسلوب التفاوض والمساهمة في تنمية المنطقة حجر الأساس للحفاظ على المصالح الحيوية للجزائر في عمقها الافريقي.

    بالنظر إلى الدور الاقليمي الجزائري وإدراك القادة الجزائريين بقدرة الجزائر على تجسيد الدور الأمثل راحت الجزائر تدفع بكل قوتها اعتماد الوسيلة السياسية المتمثلة في “الدبلوماسية” المرتبطة بأهداف السياسة الخارجية، وقد استعملت في ذلك طرق مختلفة إما ممثليها الدبلوماسيون أو دبلوماسية القمة (بين الرؤساء “اللقاءات المباشرة”)، أو بإرسال مبعوثين خاصين أو رئيس خارجيتها (دبلوماسية المكوك) لدول معينة أو منظمات وهيئات دولية أم إقليمية كل في مبعث من السلمية.

     لا ترحب المغرب بالدور القيادي للجزائر المنافس لها في المنطقة، وفي غيرة شديدة منه في ثباته على المواقف ودوره التصالحي ــ الوسطي، متخوفة من كسبه مجالا متزايدا في الإقليم العربي والإفريقي ثم التأثير على الرأي العام العالمي والمنظمات الكبرى، الكثير من تقارير وتحاليل خبراء المغرب وأساتذتها في العلوم السياسية والقانون يرون تراجع نفوذها في القارة الافريقية ولم يعد لها قوة على إحداث الصلح والأمن في كثير من دول الجوار ويقدمون أزمات مالي كمثال عن فشل دبلوماسيتها، دون الاقرار بمساعيها الحثيثة وتعاونها اللامحدود لأجل حلحلة الأزمة المذكورة والمشاركة في إدارة غيرها من الأزمات في المنطقة بنوايا صادقة وسليمة، وبنتناسي صعوبة الوضع الأمني في مالي وليبيا الراجع بالأساس لشدة اختلاف الفرقاء السياسيين فيها وتعصبهم لأقلياتهم المختلفة وأعراقهم، بل تكهن بعض المحللين المغاربة بالعزلة الدبلوماسية الجزائرية.

      فرضت الدبلوماسية الجزائرية نفسها وعادت بقوة ونشاط بعد أزمة معبر الكركرات، وتحديدا بعد إعلان المغرب التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، نافية بذلك الآلة الدعائية المغربية المستعملة لإنهاك مساعي التعاون والسلام الجزائرية.

تحركات الدبلوماسية الجزائرية:

      أكدت الجزائر على لسان رئيس جمهوريتها ووزير خارجيتها على ثوابتها في نصرة المظلومين والقابعين تحت نير الاستعمار، ويأتي في الطليعة القضية الفلسطينية “المقدسة” وقضية الصحراء الغربية وذلك  جليّ في كل خطاباتها ومواقفها بهذا الشأن.

     ودعى وزير الخارجية الجزائرية “صبري بوقادوم” المنطمة الافريقية وهيئة الأمم المتحدة إلى ضرورة تسوية الأزمات العالقة على رأسها القضيتين؛ الفلسطينية والصحراء الغربية، وعلى ضرورة تعيين المبعوث الشخصي للأمين الأممي إلى الصحراء الغربية الذي بقي شاغرا ليزيد شغوره من تعقد الأزمة وتأزمها.

بدأً من رئيس الجمهورية الذي هم بمهام خارج الجزائر منها لألمانيا للمشاركة في أشغال الندوة الدولية بشأن ليبيا في يناير 2020 ثم توجهه للعاصمة الاثيوبية للمشاركة في الدورة 33 لرؤساء حكومات الاتحاد الافريقي في فبراير 2020، والمملكة العربية السعودية. واستقبل عدد من الشخصيات السياسية منهم “قيس سعيد” (رئيس جمهورية تونس)، و”فايز السراج” (رئيس حكومة الوفاق الليبية)، ورئيس البرلمان الليبي، والأمير الشيخ “تميم بن حمد آل الثاني”(قطر)، وبعض الوزراء من الدول الغربية.

قام وزير الخارجية جانفي/فبراير 2021 بعدد من الزيارات لدول افريقيا؛ افريقيا الجنوبية، انجولا، ليسوتو، كنيا، الكونغو الديمقراطي، وليبيا، لتباحث في عديد من قضايا التعاون والحديث عن قضية الصحراء.

بعد عودة قضية الصحراء الغربية للواجهة السياسية وفي ظل الظروف الاستثنائية العالمية في تزايد مفعول الوباء الخطير (كوفيد 19)، لم يهدأ للدبلوماسية الجزائرية بال مكثفة نشاطها باعتماد تقنيات تكنولوجية في مجال الاعلام والاتصال والسياسة الخارجية ومنها اعتماد؛ الدبلوماسية الرقميةDiplomacy  Digital أو التي يطلق عليها أيضا بالدبلوماسية الالكترونية E-Diplomacy أم الافتراضية وذلك في إطار الفضاء السيبرياني التفاعلي الشريك في العمل الدبلوماسي، فكان لها بذاك عديد المشاركات الثنائية والجماعية.

الجزائر على علم بوظائف الدبلوماسية فقد عملت في مسعى “استرجاع النفوذ في افريقيا” على إنشاء الهيئة الدبلوماسية المدنية واضعة على رأسها “محمد شفيق” كمدير عام للوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، برتبة عقيد متقاعد في جهاز المخابرات الحاصل على شهادة دكتوراه دولة في العلوم السياسية عام 1981، تمرس حياة مهنية حافلة من صحفي احترافي في التلفزة والإذاعة الجزائرية إلى انخراطه في جهاز الاستخبارات الجزائرية، واختياره لم يكن بشكل اعتباطي بل احترافي (علميا حاصل على دكتوراه في تخصص علمي في صلب المهمة، صحفي سابق متمرس للأساليب الصحفية في قدرته الاقناعية والتأثيرية على الجماهير، وفي خبرته الاستخباراتية لما تحتاجه الدبلوماسية في صميم بناء وظائفها فتقديم الدبلوماسية الأمنية لاسيما في المناطق الرمادية المعروفة في الفضاء الاقليمي أمر واجب.

تواصل الجزائر طريقها في توظيفها لمقاربة الدور في مكنون الاستراتيجية الجغرافية الافريقية، ولا ينجح الدور الاقليمي لدولة ما إلا بصياغتها للأهداف الواضحة والمخطط لها.

بعد التوفيق في وضع دعائم المقاربة الأمنية (العسكرية) يأتي دور المقاربة الاقتصادية بتطوير المبادلات والأعمال التجارية وهو دورا صعبا في ظل الهشاشة الافريقية في مفاهيم التنمية (عدم القدرة الدولة على تأمين حدودها ولا تحقيق الامن لمواطنيها ولا انقاذهم من الفقر والجوع)، وترى الجزائر أن اعتماد أسلوب مد يد المساعدة ضرورة لا مفر منها لبعض دول افريقيا حتى تحقق هي الأخرى نوعا من الأمن مما يسمح لها بتأمين حدودها وتحقيق الضرورات لشعوبها وبالتالي أمن شرور التهديدات الأمنية من طرفها. وبذلك وجب الرجوع إلى أبعاد الأمن التي ارتكز عليها “باري بوزان” فإنه لا يكف تأمين السلام والأمن القومي من الباب العسكري ولا حتى السياسي، بل ارفاقهما بتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي وحتى الايكولوجي (البيئي) وبذلك السعي لتحقيق الأمن الانساني الشامل.

وفي ذلك سعت الجزائر ولا تزال في تقديم المساعدات وفي القمة 34 للاتحاد الافريقي تدعو من خلال وزيريها الاول ” عبد العزيز جراد” لتخفيف ديون الدول الافريقية، ومساعدات تقي تقلبات الوضع الاقتصادي جراء مخلفات الوباء الفيروسي.

تحركات الدبلوماسية المغربية:

      ترى الخارجية المغربية نجاح سياستها الخارجية خلال عام 2020 كان باهرا في إطار النزاع مع جبهة البوليساريو لاسيما بعد فتح بعض الدول الافريقية لقنصلياتها بالصحراء، وما زادها اعتباطا هو اعتراف “دونالد ترامب” بعد انتهاء ولايته الرئاسية على الولايات المتحدة بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء.

بدل القائمين على السياسة الخارجية المغربية مجهودا واضحا في كسب التأييد من خلال حث الدول الافريقية ثم غير الافريقية على الاعتراف بمغربية الصحراء، ولعلها تساهلت كثيرا مقدمة تنازلات كبرى حتى يعلن ترامب بذلك الإعلان الشهير ! ومن المحتمل الشديد أن يكون قد وعد المغرب بعديد من المساعدات إن تجددت عهدته الرئاسية نظير ما قدمته هي من تنازلات ووعود. ولكن إعلان هيئة الأمم المتحدة على تمسكها بموقفها بخصوص آخر مستعمرة في إفريقيا، وعلى قول “أونطونيو غوتيريس” الامين العام للأمم المتحدة؛ أن حل القضية لا يعتمد على اعتراف فردي للدول بل يتوقف على تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

سوّدت واجهة السياسة الخارجية المغربية بعد اعتراف “ترامب” وبعيد المجاهرة بالتطبيع مع الكيان الاسرائيلي، فيما وصفه المجتمع الدولي بالمقايضة المخزية أو صفقة العار والتي لم يتقبلها غالبية الشعب المغربي ذاته معتبرا إياها خيانة للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية وللإسلام. لاقت من جراء التطبيع خزي وتنديد أممي ودولي، وراحت بعدها جمعية الامم المتحدة تصادق ــ دون تصويت ــ على دعم الحل السلمي العادل والدائم للشعب الصحراوي في حقه في تقرير المصير، ما يدل على فشلها الذريع دبلوماسيا حتى وان واصلت مساعيها الدبلوماسية فان وصمة العار قد لحقتها. وان كان في نظر المغرب أن ما قامت به يسمى نشاطا دبلوماسيا و زيادة من تعميق النفوذ المغربي في افريقيا فهي بذاك قد تكون خاطئة وقد وقعت في متاهات مضللة،…، ولازالت تراهن على إقناع أطراف دولية وأخرى إقليمية منها العربية والأفريقية.

 

إدراكا من الجانبين أن القوة الصلدة (العسكرية) لن تفي بالغرض لتحقيق الأهداف والمطامح، راحا يتسابقان في اعتماد القوة الناعمة (الدبلوماسية). وهما اليوم أمام سيناريوهات مفتوحة في ظروف تستدعي تدعيم الدور الاقليمي كسبا للتأييد حول عدد من القضايا في مقدمتها قضية الصحراء.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0