ثقافة فكر فلسفة مختارات مقالات

الاعتراف بالاختـلاف وما بينهما من تماس في حفريات فوكـو وتواصليات هابرماس

الاعتراف بالاختـلاف وما بينهما من تماس في حفريات فوكـو وتواصليات هابرماس

بقلم/ د. علي رسول الربيعي
علي رسول الربيعيالمعاناة والبهجة: يقدم روبرتو أنجر ملاحظة لافتـه تقول بأننا “نقدم لبعضنا البعض أحتياج غير محدودة وتهديد غير محدود”1 وهذه تمثل معضلة أساسية للتجربة الإنسانية. نحن بحاجة إلى بعضنا البعض من أجل أن نصبح بشرا ونحافظ على حياتنا كمشاريع قابلة للحياة. تتشكل هوياتنا مبدئيًا من خلال عمليات المشاركة في الأعتراف، ثم يتم دعمها من خلال الممارسات والمؤسسات التي تحمي تلك المشاركة. لكننا أيضًا نهدد وجود بعضنا البعض: قد نتجاهل الآخرين أو نعزلهم أو نسيطر عليهم أو نستوعبهم. باختصار، نحن نشارك ومندرجين في صراعات من أجل الاعتراف، محاصرون في علاقات القوة التي يناضل فيها الفرد من أجل التفوق على الآخرين.2 من الضروري، في ضوء هذه المعضلة، أن نجد طريقة للتواصل مع الآخرين دون عزلهم أو السيطرة عليهم. كيف يمكن أن نكون بمعيًة الآخرين مع الحفاظ على مسافة مناسبة منهم؟ كيف يمكننا الحصول على ما نحتاجه من الآخرين دون تعريض أنفسنا للخطر من قربنا منهم؟ يمكن العثور على نموذج العلاقة المثالية التي تسعى إلى موازنة هذه التوترات في عدد من السياقات المختلفة. تقترح منظرة التحليل النفسي جيسيكا بنيامين، على سبيل المثال، أن هناك “توترًا ضروريًا بين تأكيد الذات والاعتراف المتبادل”.3 في العلاقات التي تعمل بشكل جيد. يؤيد بعض علماء الفينومينولوجيا مثالًا مشابهًا جدًا، وحجتهم في ذلك أنه في “الحوار الحقيقي” يجب أن يكون هناك “توليفة من المشاركة والمسافة”.4 أما اذا أنتقلنا إلى المستوى السياسي – الإثني، تصبح المشكلة هي إيجاد طريقة لتوليف المساواة والاختلاف. يقدم البريخت فيلمر، على سبيل المثال، من منظور النظرية النقدية، “نموذجًا لعلاقة الحوار بين الأفراد، الذين يتعرفون على بعضهم البعض كأفراد متساوين ومتنانظرين في الوقت نفسه”.5
الفرضية التي أنطلقت منها لكتابة هذه الورقة البحثية هي أنه، بالنظر إلى المعضلة التي يحددها أنجر، من الضروري تحديد كيف يمكن إقامة علاقات الاعتراف بين الأهداف التي توازن بين الشراكة والمسافة، والمساواة والاختلاف. هذا، بالتأكيد، تصور مثالي له شروط عامة معروفة بما فيه الكفاية لأي شخص مطلع على النظرية الاجتماعية والسياسية المعاصرة. الادعاء الخاص الذي أدلي به هنا هو أن يورغن هابرماس وميشال فوكو لهما اسهامات مميزة خاصة بهذا الصدد. يتم تقديم هؤلاء المفكرين غالبًا على أنهم متعارضون، لكن يبدو هذا الادعاء تنقصه الدقة بدرجة كبيرة. وهكذا نجد أن نقاد مابعد الحداثة يجادلون، أن أخلاقيات خطاب هابرماس تهدد الأختلاف: حيث إنه مهتم بالاعتراف بالأفراد طالما أنهم يتمتعون بكفاءات تواصلية عالمية معينة فقط، وإنه يتجاهل الاختلافات بين الذوات. وإن التفاعل التواصلي، بالنسبة إلى هابرماس، هو الذي يقبل فيه الأشخاص الإجراءات الشائعة للمحاججة التي يمكن من خلالها التعرف على بعضهم البعض وعلى قدم المساواة بوصفهم متماثلون.6 مقابل ذلك، يزعم نقاد فوكو الحداثيون نظرًا لأنه يعتبر تجربة الآخرين تجربة تتسم بالأختلاف الرفيع، فإنه يفتقر إلى أي تفسير للتداخل وعلاقة المشاركة بينهم . علاوة على ذلك، تقوض علاقته الرومانسية بالأختلاف والتغيير نوع العمل السياسي المنسق الذي يتطلبه الدفاع عن هذا الأختلاف. وعليه يمكننا القول عندما يفشل هابرماس فيإقامة معادلة توازن بين المسافة والأختلاف، فإن فوكو لا يقف في جانب الشراكة والمساواة. أما فيما يتعلق بفكرة الاعتراف بحد ذاتها، يبدو لي أن نظرية هابرماس أكثر استعدادًا لأن أحقق من خلالها أهدافي الخاصة بدراسة هذا الموضوع من نظرية فوكو. كما سأوضح لاحقًا، إن سردًا للاعتراف المتبادل بين الذوات يدعم ويعزز تفسير هابرماس للفعل التواصلي. لكن من السهل رؤية فوكو كمفكر معادي لهذه الطريقة في التفكير. يبدو أن ملاحظته “لا شيء في الإنسان – ولا حتى جسده – مستقر بما فيه الكفاية ليكون أساسًا للاعتراف بالنفس أو لفهم الناس الآخرين”7 تستبعد أي وصف وتفسير بنًاء للاعتراف. سأجادل، ضدأ من هذا الانطباع، بأننا يمكن أن نجد في نظرية فوكو تفسيرا للأعتراف، وأن جرثومة مثل هذا التفسير موجودة في عمله.
سيكون هدفي هنا هو متابعة هذه المواضيع واثبات أن فوكو وهابرماس يطوران تفسيرات للعلاقات بين الذوات يمكن أن تساعد في توفير حل لمعضلة أنجر التي ذكرتها منذ البداية . سيتضمن ذلك في بعض الأحيان، استخدام أجزاء مألوفة ومعروفة من نظريتيهما؛ وفي أوقات أخرى، سأهتم بتطوير تفسيرات لهؤلاءالمفكرين والتي قد تتعارض مع القراءات المعتادة ؛ في أوقات أخرى، سيتطلب الأمر مني التخلي عن جوانب نظرياتهم تمامًا واستبدالها بمكونات جديدة تمامًا. على الجانب السلبي، يفتقر هابرماس إلى تفسير قابل للتطبيق عن الاختلاف الجذري، كما أن فوكو لديه تفسير نادر الحدوث عن المشاركة . ولكن على الجانب الإيجابي، إن تفسير فوكو عن الصراع هي محاولة قيمة للتعامل مع حقيقة التعارض أو هذا الصراع بين الذوات، ويوفر هابرماس أجزاء مفيدة من سرد وتفسير للعلاقات المعيارية الأدوار بين الشركاء أو في المشاركة. وبشكل أكثر تحديدًا، بينما يساعد فوكو في إظهار كيف يمكن التعرف على الآخرين بأعتبارهم مختلفين (على الرغم من أنه ليس كآخرين بشكل مطلق)، فإن هابرماس يساعد في سرد تفسير للاعتراف بالآخرين على أنهم متساوون (ولكن ليس متماثلون). أعتقد،بهذه الطريقة، من الممكن الاعتماد على أعمال فوكو وهابرماس، ولكن بعد تعديلها وتوليفها من أجل تقديم سرد وتفسير للاعتراف المتبادل بالآخرين على أنهما متصلان ومنفصلان ومتساويان ومختلفان.
د. علي رسول الربيعي
………………
1- Unger, R. (1984) ‘The critical legal studies movement’, Harvard Law Review, 96:
561-75.
2- ديالكتيك السيد والعبد عند هيجل هو بالطبع المكان الكلاسيكي هنا. انظرO’Neill أونيل (1996) للاطلاع على النص الأصلي لهيجل وكذلك سلسلة من التعليقات القيمة.
O’Neill, J. (ed.) (1996) Hegel’s Dialectic of Desire and Recognition: Texts and Commentary. New York: State University of New York Pres.
3- Benjamin, J. (1988) The Bonds of Love: Psychoanalysis, Feminism, and the Problem of
Domination. New York: Pantheon.12
4- Gardiner, M. (1996) ‘Alterity and ethics: a dialogical perspective’, Theory, Culture and Society, 13 (2): 121–43. 140.
5- Wellmer, A. (1983) ‘Reason, utopia and the dialectic of enlightenment’, Praxis International,1: 83-107.94.
6- Simons, J. (1995) Foucault and the Political. London: Routledge, 114.
7- Foucault, M. (1984) The Foucault Reader. Harmondsworth: Penguin .87-8 .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0