أدب و تراث عروض كتب فكر مختارات مقالات

ثلاثية “العقل العربي”.. غبار معارك الجابري في ميدان الفكر والتراث

ثلاثية “العقل العربي”.. غبار معارك الجابري في ميدان الفكر والتراث

خاص-الوثائقية  – الجزيرة نت

تكاد تكون موسوعة “نقد العقل العربي” للمفكر العربي محمد عابد الجابري الأكثر إثارة للنقد وللترحيب خلال نصف القرن الماضي، ليس فقط لأنها رفعت مستوى الحوار حول التراث الإسلامي، والسجال الإيديولوجي والنقد الفلسفي العميق، ولكن لأن نظرة الجابري وجرأة أطروحته مثلا تحديا مزدوجا لأنصاره ومخالفيه.

 

يقدم الجابري موسوعته في أربعة أجزاء هي “تكوين العقل العربي”، و”بنية العقل العربي”، و”العقل السياسي العربي”، و”العقل الأخلاقي العربي”، ومما لا شك فيه أن الحوارات حول هذه الموسوعة رفعت من مستوى الخطاب الفكري حول التراث العربي الإسلامي، وأخذته إلى مسارات فكرية فلسفية عميقة.

 

ترصد هذه الحلقة من برنامج “خارج النص” بعضا مما أثارته الموسوعة من جدل واسع في العالم العربي، كما يناقش فيها باحثون ومفكرون عرب ما طرحه الجابري فيها من أفكار نقدية وبحثية للفكر العربي.

 

“لا نمارس النقد من أجل النقد”.. ميزة الطرح الجريء

لقد تميز الجابري بطرحه الجريء والفريد في الوقت نفسه، فذلك حيث يقول في موسوعته: نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي.

 

ويرى أستاذ الفلسفة أبو يعرب المرزوقي أن الجابري أراد أن ينقل الفكر العربي من التفكك إلى الوحدة، وشبه ما قام به بضربة الفرشاة الأولى في رسم أولي لبورتريه الثقافة العربية الإسلامية، لكن الذين استغلوا هذه الرسمة واعتبروها لوحة كاملة هم من أفسدوها، ولا ذنب للجابري في ذلك.

 

في المقابل يرى أستاذ الدراسات الإسلامية رضوان السيد أن الجابري قام بجهد هائل بالعمل على مشروعه من حيث المادة التي استخدمت فيه، والبنية التي قام عليها، وقد شمل النواحي الفكرية والثقافية.

 

ويصف الدكتور هشام غصيب رئيس جامعة الأميرة سمية في الأردن الطريقة التي عمل بها الجابري على الثقافة العربية والإسلامية بأنها أشبه بالطريقة البوليسية، فهو يتساءل دوما ويجرب ويخطَّأ ويتراجع عن خطأه. ويقول إن هذه الطريقة في البحث كان لها سحر خاص على أجيال من القراء العرب.

 

تجاوز الموروث.. مطية اللحاق بركب الغرب

يبين الجابري في كتابه أن هناك هوة كبيرة بين التراث المنتمي للجزيرة العربية لغة وثقافة، وبين الحاضر، ولا بد من تجاوز الكثير من الموروث والاستعانة بالآخر الغربي للنهوض، كما أنه رأى في بعض التراث جزءا تنويريا يجب البناء عليه.

 

ويقول رضوان السيد إن الدافع وراء كتابة الموسوعة كان ثوريا للتحرر من هذا التراث، ولكن أسلوب الجابري امتاز بالسلاسة والسهولة حتى يتقبل الناس ما يقوله، خاصة أنه جاء من خلفية حزبية يسارية.

 

والجابري –كما يقول الرئيس السابق للجمعية الفلسفية المغربية الدكتور محمد سبيلا- قال من البداية إنه ليس قارئا تراثيا للتراث، بل قارئ حداثي له، فالقراءة التراثية هي قراءة تمجيدية، أما القراءة الحداثية فهي قراءة نقدية، وبحكم تكوينه وثقافته كتب بطريقة شبه محايدة، وكانت الاعتبارات الأساسية اعتبارات تحليلية أكاديمية نقدية.

 

“تكوين العقل العربي”.. إمساك عصا التراث من الوسط

يقول الجابري في جزء “تكوين العقل العربي”: لا يمكن تبني التراث ككل لأنه ينتمي للماضي، ولأن العناصر المقومة للماضي لا توجد كلها في الحاضر، وليس من الضروري أن يكون حضورها في المستقبل هو نفس حضورها في الحاضر، وبالمثل لا يمكن رفض التراث ككل للسبب نفسه، فهو -شئنا أم كرهنا- مقوم أساسي من مقومات الحاضر، وتغيير الحاضر لا يعني البداية من الصفر.

 

وكما يقول الباحث في التراث العربي حسن نجمي فإن الجابري لم يضع البدهيات الإسلامية التي يؤمن بها المسلمون موضع مساءلة، ولم يطرح سؤالا حول القرآن، ولم يشغل نفسه بتلك القضايا الإيمانية التي لا تلزمه طالما أن الناس يؤمنون بها، لذلك بحث الجابري في أنواع التفكير حول الإسلام، لأنه يريد فهم البنيات العميقة للعقل العربي وكيفية تفاعله مع الدنيا والدين.

 

لقد شُغل الجابري بالنهوض الحضاري من واقع كونه سياسيا في الاتحاد الاشتراكي المغربي، وكمفكر جريء ومباشر خاض غمار معركة في إعادة دراسة التراث من خلال التحليل والمساءلة، منتقدا القراءة السائدة من تفاخر وتمجيد للتراث.

 

“بنية العقل العربي”.. تجديد الفكر بمكتسبات العصر

يقول الجابري في كتابه “بنية العقل العربي”: إن ما ننشده اليوم من تحديث للعقل العربي وتجديد للفكر الإسلامي يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية والمنهجية المعاصرة، مكتسبات القرن العشرين وما بعده، بل أيضا -ولربما بالدرجة الأولى- يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتأريخية ابن خلدون.

 

وعندما كتب الجابري “نحن والتراث” كان في ذهنه مشروع كيف يمكن تحرير العقل العربي من الموروث، كما يقول رضوان السيد.

 

ويعتبر الباحث في التراث العربي حسن نجمي أن الجابري لم تكن في نيته القطيعة مع التراث، ولم يكن يؤمن بتلك الفكرة، لأنه فاعل سياسي وثقافي، ويعلم جيدا الحضور الديني في الناس، لكن كان يريد إعادة صياغته بعيدا عن الأسلوب الرث المنغلق.

 

أنماط المعرفة.. ثلاثية البيان والبرهان والعرفان

في إحدى ثلاثياته التي اشتهر بها، قسم الجابري أنماط المعرفة إلى ثلاثة أقسام؛ البيان وهو اللغة والمنطق، والبرهان وهو ما يكافئ التجريب، والعرفان كما هو عند الصوفية، وهو أكثر ما انتقده لأنه يتناقض مع منهجية الوعي.

 

ويرى الدكتور غصيب أن الجابري أدان العرفان بشكل واضح، بينما اعتبر البيان هو جوهرنا كأمة عربية، أما ما نحتاج له فهو البرهان، وهو المنهج الغربي القائم على التجريب.

 

وأما الدكتور أبو يعرب المرزوقي فيقول إن أغلب النظريات المعرفية قائمة على البيان والعرفان، أما البرهان فيأتي في مرحلة متأخرة عندما تكون النظرية قد نضجت وأصبحت لها رؤية للوجود تمكن من البحث عن الثغرات لتصبح نظرية فاعلة، فالعلم الحديث ينطلق من فرضيات تبقى معلقة، والتجربة هي التي تثبتها أو تنفيها، فالعلم يبنى على الفرضي الاستنتاجي وليس البرهاني.

 

“لا جديد تحت الشمس”.. موروث عرفاني سابق للإسلام

يقول الجابري في كتاب “بنية العقل العربي”: إن التأويل العرفاني للقرآن هو تضمين وليس استنباطا ولا كشفا ولا إلهاما. تضمين ألفاظ القرآن مستقاة من الموروث العرفاني القديم السابق للإسلام. ودون أن ندعي أننا قمنا بإحصاء شامل فإن بإمكاننا أن نقرر -بناء على ما تكون لدينا من خبرة من خلال التعامل مع النص القرآني والنصوص العرفانية، الصوفية والشيعية والفلسفية الباطنية- بأنه ما من فكرة عرفانية يدعي العرفانيون الإسلاميون بأنهم حصلوا عليها عن طريق الكشف، سواء بواسطة المجاهدات والرياضيات أو بواسطة قراءة القرآن، إلا ونجد لها أصلا مباشر أو غير مباشر في الموروث العرفاني السابق للإسلام، هنا يصدق المثل القائل “لا جديد تحت الشمس”.

ويرى الكاتب والباحث في الفكر العربي إبراهيم العجلوني أن الجابري نادى بالقطيعة مع جوانب أخرى أمعنت في العرفان والتصوف المتطرف، بحيث أنها ألغت المنطق والعقل، بينما يرى الدكتور محمد سبيلا أن الجابري أظهر عقليته الصارمة في معارضته للصوفية، واعتبر العقل الصوفي مستقيلا.

“اللغة ليست فقط أداة الفكر”.. حكم عنصري بنكهة استشراقية

ضمن مقارنته بين العقل العربي والعقل الغربي، وصف الجابري العقل الغربي بأنه عقل برهاني، أي تجريبي واقعي ديناميكي، بينما العقل العربي عقل بياني متمحور حول اللغة، وقد رأى المتحدثون أن الجابري كان قاسيا في هذا الحكم.

ويرد أبو يعرب المرزوقي على كلام الجابري بأن الحقيقة تكمن في كون الحضارة الإسلامية نتاج الوحي، ومن ثم الشعوب التي أسلمت وانضمت للدولة الإسلامية ولم ينتجها العرب، والبدو الذين لم يحكموا إلا فترة محدودة.

ويقول الجابري في كتابة “بنية العقل العربي”: اللغة ليست فقط أداة الفكر، بل هي القالب الذي يتشكل فيه هذا الفكر، وعليه ما زالت لغة المعاجم لغة عصر التدوين، تنقل العرب دائما إلى عصر بعيد عن عالمهم، عالم البداوة الذي استنسخته قواعد اللغة من العصر الجاهلي.

ويرى هشام غصيب أن فكرة الجابري استشراقية عنصرية، ولا يجوز أن يعتبر أن هناك شعوبا بعقل وأخرى بلا عقل، فلقد ساهم العرب في بناء الحضارة الإنسانية منذ عهد الفراعنة والبابليين، وكلهم ينتمون إلى المنطقة.

كما أثار الجابري فكرة أن العقل العربي المغربي عقلاني أكثر من العقل العربي المشرقي، وحشد الجابري لفكرته هذه الأدلة والشواهد، لكنها من أصعب الأفكار التي يمكنه الدفاع عنها. ويرد عليه أبو يعرب المرزوقي بأن فكرة التصوف التي يعتبرها الجابري لاعقلانية وباطنية، جاءت من المغرب العربي وأكبر زعمائها ابن عربي.

 

“نقد نقد العقل العربي”.. موازين النقاد

بسبب تفرد وجرأة ما طرحه الجابري، فقد تعددت اتجاهات ناقديه في طيف واسع من أقصى اليمين الذين اعتبروه ينسف أسس الثقافة العربية الإسلامية، إلى أقصى اليسار الذين رأوه مجاملا للرجعية، لكن المفكر العربي السوري جورج طرابيشي كان من أكثر منتقديه، وأصدر كتابا تحت عنوان “نقد نقد العقل العربي.. في الرد على الجابري”.

 

ويرى الكاتب والباحث في الفكر العربي إبراهيم العجلوني أن روح العروبة عند الجابري لم تعجب بعض منتقديه، كما أن اعترافاته بعظمة الثقافة العربية والإسلامية أثار حفيظة بعض منتقديه.

 

أما أستاذ الفلسفة أبو يعرب المرزوقي فاعتبر أن الجابري لا يتصرف كباحث علمي، بل كمؤسس لمنهج فلسفي في قراءة التراث، ومؤسس كهذا لا يحكم عليه بطريقة تقليدية، وإنما يحكم عليه بصوابية الرؤيا.

 

ويقول حسن النجمي هناك نقد صحفي متسرع تحركه نزوات ذاتية وحزبية ودولية، لكن هذه ليست وظيفة النقد، ويجب أن يكون النقد داعما لتلك المشاريع ومكتفيا بنقاط القوة فيها، وإذا كان هناك ضعف فلا بأس في التوجه بالنقد.

 

ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة.. خلافة معاوية

وصف الجابري العقل السياسي العربي بأنه قائم على ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة، ورغم إعجاب الكثيرين بهذا الوصف إلا أن البعض رآه الأكثر قسوة في حكم الجابري على التراث التاريخي الإسلامي، واعتبروا أنه لا يجوز بأي حال وصف دولة امتدت 14 قرنا أن تعيش على الغنيمة والغزو.

 

يقول الجابري: حكم معاوية باسم القبيلة وليس باسم العقيدة، فانفصل في شخصه الأمير عن العالم، وامتد ذلك إلى أجهزة الدولة، فصار الأمراء فريقا والعلماء فريقا آخر، وانقسمت القاعدة بدورها إلى: جند ورعية.

 

ويعتقد المرزوقي أن الجابري قلب نظرية ابن خلدون، وجعل العامل السياسي العنصر الأهم في فهم التراث كله، بينما ابن خلدون أدخل العامل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وجعل له أهمية.

 

“كل شيء يدور حول كسرى”.. تقديس الحاكم العربي

يرى الجابري أن المنظومة الأخلاقية العربية -أو ما أسماها “العقل الأخلاقي العربي”- قد تجاوزت المكون الفطري العربي، أي المروءة والشجاعة وعشق الحرية، كما أنها تعدت المكون العقلي اليوناني المتمثل في المنطق العقلي، لتستقر عند المنظومة الأخلاقية الفارسية القائمة على الخنوع وتقديس الحاكم.

 

يقول الجابري في كتاب “العقل الأخلاقي العربي”: كل شيء يدور حول كسرى، وكسرى حاضر في كل شيء، يزاحم حضوره في وجدان الفرس حضور الله، فكسرى ليس هو الماسك بالسلطة وحسب، بل هو الناطق بالحكمة أيضا.

 

ويرى حسن النجمي أن الجزء المخصص للعقل العربي في موسوعة الجابري ليس جزءا حقيقيا من هذه الموسوعة الفكرية، فعلى مستوى التأليف فقد أُلف خارج الغلاف النفسي والروحي وخارج القوة الجسدية التي كان يتمتع بها في الأجزاء الثلاثة الأولى.

 

فضح الاستبداد في التراث.. دعوة إلى العلمانية

دعا الجابري في كتابه إلى الخروج عن عقلية الغنيمة والعقيدة والقبيلة، وعدم الرضوخ للطاعة الكسروية والانطلاق نحو العلمانية والحرية والعقلانية، كما يقول رضوان السيد.

 

يقول الجابري في كتابه تكوين العقل العربي: ما لم نمارس العقلانية في تراثنا، وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث، فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة العالمية كفاعلين وليس كمجرد منفعلين.

 

على طول امتداد الوطن العربي، ولما يزيد عن ثلاثة عقود، مثلت أفكار الجابري في نقد العقل العربي مخاضا كبيرا، جعل من أطروحاته مادة خاما لكل حديث حول النهضة والتراث. ولا تجد مثل الجابري شخصا يحمل هذا الطموح في أن يخضع التراث العربي الإسلامي كله إلى جهازه المفاهيمي والتحليلي، فهي محاولة فذة يجب الاعتراف له بها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0