سياسة فكر مختارات مقالات

السير للأمام بعيون خلف الرأس

السير للأمام بعيون خلف الرأس

 بقلم/ د. محمد مشتهى

كل الكُتّاب في بعض الأحيان لا يُوفقون في مقالة أو في فقرةٍ من مقالة، كما السياسيون أيضاً في بعض الأحيان يتكلمون ويصرّحون بعيدا عن نهج تنظيماتهم، وقد سمعت وقرأت لقيادات من كافة التنظيمات تقول وتصرّح بعيداً عن رأي تنظيماتها المُعلن، وهذا لا يعني أن الكاتب أو السياسي عندما يحدث معه ذلك أنه أصبح في منزلة أسفل السافلين.

إن ما يقوله الكاتب هو عبارة عن رؤىً سياسية أو فكرية أو ثقافية تعمل على تحريك العقل والفهم، وأن الاعتقاد بأن للكاتب تميمة محددة يجب ألا يحيد عنها قيد أنملة هذا الفهم وهذا الاعتقاد مغلوط بنسبة 100%، وفي النهاية الكاتب هو ليس ناطقاً باسم التنظيم حتى يتم عدّ كلماته، فالكاتب يتكلم ويُحلل ويضع أفكاراً مختلفة تعبّر عن وجهة نظره، والذي يتكلّم ويعبّر عن وجهة نظر التنظيم هو الناطق الرسمي باسمه وليس الكاتب، والذي يُحاسَب على تصريحاته وكلماته هو الناطق الرسمي للتنظيم وليس الكاتب، وحتى لو أصاب كلام الناطق الرسمي باسم تنظيم “ما” بعض الشّطط وهذا يحدث أحياناً، فإنه لا يعني أنه قد وقع حجر من السّماء.

هناك من الناس من يعتقد في قرارة نفسه ويريد أن يرسّخ اعتقاده عند الناس؛ بأن هناك ثمّة من يُتبِّع الكتابات والمقالات ويقف عند حروفها وكلماتها وعلى فتحاتها وضمّاتها وكسراتها، هذا الفهم وهذا الاعتقاد حدوده ضيقة ومنغلقة جداً وإن الأمور يجب ألاَّ تسير هكذا.

وإن الاعتقاد بأن الكاتب بمقالاته وكتاباته وكأنه يسير في حقل متفجرات يجب عليه أن ينقل قدميه خطوة بخطوة وبحذر شديد، هذا فهم غير صحيح، فالكاتب مطلوب أن تكون أمامه الطريق مفتوحة كي يقول ما يشاء حتى لو أصابه بعض الشّطط، على العكس تماماً؛ أحيانا هذا الشّطط يكون مفيداً، لأن الكاتب بشكل عام عادة ما تحمل كتاباته رؤىً سياسية قد تصيب وقد تخطئ، وأحيانا يصدر عنه ما يعتبره البعض “شَطَطَاً” لكن له قيمته واحترامه عند الآخرين، والأصل أن يتم تشجيع الكاتب وليس الوقوف له كالقنّاص الذي يصوّب على كل كلمة وحرف يكتبه.

والكاتب ربما يكون قد كتب ألف مقال يدعم فيها تنظيم “ما” أو موقف “ما”، فيذهب أحدهم لاقتناص كلمة أو جملة من مقال فيُصوّب عليها، وأحيانا تكون تلك الكلمة أو الجملة أصلا صحيحة، لكن فهم هذا الشخص لها عادة ما يكون غير دقيق، على كل حال لنفترض أن هذا الكاتب بالفعل حصل معه بعض الشطط في كلمة أو جملة أو حتى مقال تجاه تنظيم “ما” أو موقف “ما”، فهل مطلوب عندها أن يتم نسف كل ما سبق؟!، هذا فهمٌ تعيس وتفكير سيئ ومنهج في التفكير خاطئ وانغلاق في الفكر، وهذا السلوك لا يخدم التنظيمات مستقبلا بل بالعكس يعود بها إلى الخلف.

وهذا النموذج من البشر الذي يفكّر بهذا المنطق عادة ما يكون يسير إلى الأمام لكن عيونه تكون تنظر إلى الخلف لأنه يستشعر بأن ثمّة أحدٍ يركض خلفه، أو ثمة أحدٍ يُسمِّع له، وان مثل هذه النماذج من البشر لا تجعل من التنظيمات أن تتقدّم، والمطلوب فتح أوتوستراد فكري يشجّع الكاتب ويفجّر ما لديه من رؤى وأفكار سواء سياسية أو ثقافية أو حتى فكرية كي تستفيد منها التنظيمات، بهذا الفهم يتقدّم أي تنظيم، و لا يتقدّم بالنماذج التي تنظر رؤوسها إلى الوراء لأن هؤلاء حتما سيصطدمون بحاجز أو يقعون بحفرة ما، هذه النماذج تستشعر دوماً بأن على رقابها مقص رقابة وأن أحدا ما يجلس ويرقبهم ليُعد أنفاسهم، تلك النماذج تعاني من مرض نفسي رجعي أبرز سماته هو الرهبة والخوف من المبادرة، ثم مع مرور الزمن على هذا المرض دون علاج فإن أعراضه تتضاعف وتصل إلى حد الخوف حتى ممن يُبادِر.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0