أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

جدلية الحياة والموت .. وثنائية العشق في رواية “أحمر شفاه وبندقية”

جدلية الحياة والموت .. وثنائية العشق في رواية “أحمر شفاه وبندقية”

تحدت الكاتب والباحث والناقد الأدبي ناهض زقوت نائب أمين سر المكتب الحركي للكتاب والادباء في المحافظات الجنوبية في حفل اشهار رواية (أحمر شفاه وبندقية) للكاتب الفلسطيني سعيد أبو غزة، التي نظمها الاتحاد العام للكتاب والادباء في قاعة بلدية دير البلح، بحضر جمع كبير من الكتاب والشعراء والمهتمين بالشأن الثقافي. تحدث في اللقاء الكاتب عبد الله تايه الامين العام المساعد لاتحاد الكتاب، والكاتب شفيق التلولي عضو الامانة العامة لاتحاد الكتاب، وادار اللقاء الشاعر عمر أبو شاويش.
ومما قلناه في مداخلتنا النقدية، يمثل العمل الأدبي الذي بين أيدينا وهو رواية “أحمر شفاه وبندقية” الصادرة في القاهرة عام 2020، للكاتب الفلسطيني سعيد أبو غزة، رؤية مغايرة للواقع، بث فيها الكاتب رؤيته للأحداث من خلال معايشة الواقع، وتناول قضية انسانية ما زالت متفاعلة في المجتمع الفلسطيني حتى أصبحت ظاهرة منتشرة، وحديث وسائل الاعلام، ولكنها للمرة الأولى تطرح على المستوى الأدبي الروائي، وهي مسألة مرض السرطان، هذا المرض الذي أصبح يشكل عبأ اجتماعيا سواء على المستوى الاجتماعي أو الأسري.
تناول الكاتب هذه الظاهرة المرضية في بعدها الانساني في قالب رومانسي واقعي، مما جعل جماليات اللغة الرومانسية التي جسدها الكاتب في وصف العلاقة بين الزوجين، تأسر القارئ وتجعله أسير لغتها وسردها ومضمونها، بحيث يلهث خلف الصفحات دون أن يستطيع أن يتركها، بل يسعى بكل قوة واندهاش لكي يواصل القراءة. وأجمل ما تنبه إليه الكاتب أن جعل السرد على لسان المرأة/ الزوجة، لأنها الأقدر على وصف مشاعرها تجاه الزوج المريض الذي يعاني المرض أمامها، وتشعر أنها في كل لحظة يمكن أن تفقده، فكانت مشاعرها في غاية الصدق، وكانت اللغة أداة الكاتب في التعبير عن أحاسيس الزوجة.
وعن البناء السردي للرواية ذكرنا أنه يقوم على عدة تقنيات فنية استخدمها الكاتب في بناء روايته، تبدأ من عتبات النص التي تمثل جزءا أساسيا من البناء السردي للرواية، وكل عتبة من عتبات الرواية تؤدي إلى سرد منفصل ولكنه ليس خارجا عن السياق بل ممتزج في وحدة موضوعية يعطي النص قمة الحيوية الابداعية والجمال السردي. وإذا كان العنوان الرئيسي للرواية هو العتبة الأولى، فثمة عناوين رئيسة داخل السرد، وثمة علاقة تكاملية بين عتبات النص والسرد، من حيث أن العتبات تشير إلى محتوى النص وتكشف عن الدلالات والإيحاءات التي تعبر عنها النص.
يعد عنوان الرواية أولى عتبات النص “أحمر شفاه وبندقية” هو عنوان سياقي يحمل الدلالات التي يهدف الكاتب لإيصالها إلى القارئ، ويعبر عن أغوار النص السردي والتعمق في دهاليزه. يتشكل العنوان من ثلاث كلمات (أحمر) و(شفاه) و(بندقية)، ولكن ليس ثمة فصل بين كلمتي (أحمر شفاه) فهما كلمة واحدة تعطي دلالة على المرأة التي تمنح الحب والجمال، و(بندقية) مرتبطة بالرجل كما عبرت عنها دلالات السرد ومعناها واضح دلالة على النضال. وقد عبرت لوحة الغلاف عن أحمر شفاه بارز وساطع، في حين أخفى البندقية تحت شريط العنوان، دلالات على موت البندقية أو حامل البندقية، وبقي أحمر الشفاه ساطعا.
أما بالنسبة لفصول الرواية وهي تمثل العتبات الداخلية في النص، فكل فصل من فصول الرواية حمل عنوانا رئيسيا، وعناوين أخرى فرعية تساهم في ابراز دلالات الحدث.
تضمنت الرواية خمسة عشر عنوانا رئيسيا، بالإضافة إلى خمسة عشر عنوانا فرعيا، جميعها شكلت أحداث النص السردي، وعبرت عن رؤية الكاتب التي سارت في اتجاهين؛ الاتجاه الأول تناول مرض السرطان بأسلوب جمع بين الرومانسية والواقعية، رومانسية العلاقة بين نائلة ومصطفى، وكانت اللغة أداة الكاتب في تعميق تلك الرومانسية، والواقعية في الحديث عن مرض السرطان وتفشيه في المجتمع الفلسطيني، هذا المجتمع الذي تفتقر مشافيه لإمكانيات علاجه أو رعاية المريض وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، لذلك يتم تحويله إلى مستشفيات الداخل الفلسطيني أو إلى مصر، وفي كلتا الحالتين يواجه أشد التعقيدات والمعاناة. والاتجاه الثاني العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري تلك العلاقة التاريخية والنضالية المشتركة بينهما التي تعمدت بالدم من خلال النضال المشترك بين الفدائيين الفلسطينيين والمصريين ضد الاحتلال الاسرائيلي في سيناء، وكذلك في المعاناة من المرض، فهذا الضابط المصري في المعبر يتعاطف مع نائلة وزوجها مصطفى لأنه شعر بمعاناتهما، فهو يعيش المعاناة والاحساس بالألم من خلال زوجته المريضة بنفس المرض، فيسهل مرورهما إلى القاهرة. تأخذ الشخصيات المصرية دورا أساسيا في الرواية من خلال علاقتها مع الفلسطيني، أو من خلال سرد ذكرياتها وأحداثها وتجاربها، وتبرز ثقتها بهذا الفلسطيني حين تفشي له بأسرارها. كما تتعمق الرؤية في علاقة مصطفى مع أهل سيناء ومحاولته إبعاد صفة الارهاب عنهم، وأن الارهاب في سيناء مصدره من الخارج.
وقد تميزت ثنائية العشق ليس فحسب بين نائلة ومصطفى، بل كان مصطفى محور عشق من الدكتور حسن، ومن زوجته ريري هانم اللذين تبنياه كإبنهما، وكذلك من والدة الدكتور خليل “ليندا”.
أما التقنيات الأخرى التي استخدمها الكاتب في السرد، فكان ضمير الأنا المتكلم الحاضر بقوة في ثنايا السرد، مما يجعل القارئ يشعر كأنه يقرأ سيرة ذاتية ترويها نائلة زوجة مصطفى عن نفسها، إلى جانب ضمير الغائب الذي يأتي أحيانا على لسان نائلة أو على لسان الشخصيات الأخرى. واسلوب الاسترجاع والتذكر (الفلاش باك) سواء من البطولة السردية نائلة، أو من الشخصيات الروائية الأخرى، ويأخذ الحلم مساحة في بناء السرد الروائي، وكان التناص أيضا جزءا من البناء السردي سواء التناص الشعري أو الديني، أو من الأغنية الشعبية، وتناص الرسائل، وكان ثمة مساحة للسرد الغرائبي في النص، من خلال استحضار الارواح، ومن التقنيات الأخرى التي عمق بها الكاتب السرد: المراسلة عبر الجوال، والحوار الذي يتقاطع مع السرد.
وفي ما يتعلق بزمان السرد فهو ينطلق من الحاضر باتجاه العودة إلى الماضي وصولا إلى زمن النكبة، ويتوزع بينها الزمن السبعينيات، وزمن الانتفاضة الاولى عام 1987، وزمن الانتفاضة الثانية عام 2000، وزمن السلطة الفلسطينية، وزمن حصار غزة وسيطرة حماس عليها. أما المكان فقد تشعبت الاماكن في السرد الروائي أيضا، فنجد ثمة أماكن رئيسة لمسار الاحداث هي غزة، ومصر، ولبنان، ومن قلب الأماكن الرئيسة تتفرع أماكن فرعية: سيناء، المنصورة، باريس، مستشفى د. حسن في الدقي، الزاوية الأحمدية في المنصورة، والعديد من الأماكن.
وبالنسبة لشخصيات الرواية فقد تعددت الشخصيات وتوزعت ما بين شخصيات رئيسة هيمنت على النص السردي، فكانت بطولة السرد للزوجة نائلة، فهي السارد العليم بكل شيء، وأحيانا تكون مصاحبة للآخرين في السرد، وكذلك شخصيات (مصطفى زوج نائلة، والدكتور حسن، وريري هانم زوجة الدكتور حسن، والدكتورة رولا، والدكتور خليل، وليندا أخت الدكتورة رولا) وأما الشخصيات الثانوية، فكانت (الممرضة دينا، والشيخ الاحمدي، وعبد الرؤوف وهزاع من رجال سيناء، والمحامي سعد، أماني صديقة نائلة، ورانيا التي تعرفت عليها نائلة في المشفى).
رواية جديرة بالقراءة فهي مليئة بالتفاصيل والأحداث، وتغوص في واقع غزة وأهلها والمعاناة التي يعانونها، سواء في زمن الاحتلال أو في زمن حصار غزة.
ومن الجدير ذكره، أن الكاتب سعيد أبو غزة من مواليد غزة عام 1973 تعود جذوره إلى قرية اسدود المحتلة عام 1948، حاصل على درجة الماجستير في القانون، ويعمل مستشارا للتنمية البشرية. له العديد من المؤلفات الشعرية والنثرية الأدبية. عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0