فلسفة

عن الأخلاق بين الطبيعة والدين

الدكتور نبيل ياسين يكتب عن الأخلاق بين الطبيعة والدين*

حسنا هذه الطباع والسجايا والامزجة موجودة في النفس والجسم. بهذا التشارك ستكون الاخلاق بمثابة ( طبع جسماني) يقوم بتوجيه الفطرة والسجية للفرد نحو الفضيلة والتمسك بمجموعة من القواعد والعادات السلوكية التي تتصف بفعل الخير وتجنب فعل الشر. هذا الطبع الجسماني يخرج الى الخارج على شكل سلوك أخلاقي ليقوم بأفعال تنتمي الى الخير أو أفعال تنتمي الى الشر. ان السجايا والطباع ليست إرادية، ولكنها تتحول الى إرادية بفعل التكرار والترابط بينها وبين الشخصية من جهة وبين السائد والعام والمتعرف عليه في الحياة البشرية الاجتماعية من جهة أخرى. ان الشعور بتأنيب الضمير فعل أخلاقي ردا على فعل غير أخلاقي. ان كلا الفعلين صدرا عن شخص واحد ، فكيف اهتدى هذا الشخص الى فعل تأنيب الضمير الأخلاقي؟

المعيار الأخلاقي هو الذي وصف تأنيب الضمير بالفعل الأخلاقي . كما وصف جميع الأفعال السلوكية الخيرة والشريرة. وبالطبع طالما كانت الأديان تصف نفسها بأنها خيّرة ، فمن الطبيعي ان تضع الأخلاق في سياق رسالتها الدينية وتحيل الاخلاق الى الرب الذي تسره أفعال الخير.

ان الفرق يكمن في ان الأوامر الإلهية تكون حجة رجال الدين لتقريع البشر الذين تحت سلطتهم وان الاخلاق الطبيعية شأن القانون.

ان الأخلاق هي عامل ردع. قوة لضمان سير المجتمع نحو التوازن الطبيعي. ففي النبات والحيوان أنواع خيرة وأخرى شريرة ، فالشريرة تمارس الاعتداء على الخيرة التي يمكن أن تأتلف مع الوداعة والرضا ولكن مع الخوف أيضا. فالخوف هو شعور أخلاقي بالخطر الناتج عن قوى الشر المفترسة. قوى الطبيعة العنيفة هي الأخرى مفترسة وتهدد حياة البشر وتجعلهم يخافون كما يهدد البشر انفسهم البشر الأخرين. انه خوف هوبز المتولد عن خوف إمه الحامل من تقدم اسطول ( الأرمادا) المدمر.

والخوف هو ما تحمله  الأوامر الإلهية في جوهرها أيضا. فالعقاب الأخروي هو النتيجة التي تنتظر من يخرق هذه الأوامر. فالخوف يصبح دافعا خارجيا فقط للسلوك الأخلاقي.

ان الخوف يحرس انفلات المزاج وانقلاباته. يستهدف السيطرة على الطبع الجسماني ليكون أخلاقا ، والغاية هي سعادة الانسان في الدارين، الدنيا والآخرة.

طمحت الأديان للتغلب على انفلات الامزجة ، ويعتقد الغزالي بتغير الاخلاق. ولذلك ظهر الوعاظ لإعادة المؤمنين الى التمسك بالأخلاق. فهل هناك فجوات وثغرات في نظرية الأوامر الإلهية  تجعل من الأخلاق ظاهرة طبيعية مرتبطة بالنفس البشرية استعارتها الأديان لأنها تحتوي على الفضيلة، وتسعى ، في النظريتين ، الى سعادة النفس البشرية وتشذيب قسوتها وانفلات امزجتها؟

لكن المسيحية واليهودية والإسلام تدعي ان الاله وأوامره خاصة  بدينهم دون الأديان الأخرى . ( لا يكن فيك إله غريب، ولا تسجد لإله أجنبي) (١) و( لا يكن لك آلهةٌ أمامي.)(٢)

ويستدل كثير من الفقهاء على ان القرآن ابطل احكام التوراة والانجيل. وعلى اليهود والمسيحين التخلي عن ايمانهم والالتحاق بالإيمان الإسلامي(فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)(٣) و ( فاحكم بينهم قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس عل القوم الكافرين)(٤).

هذا التنازع على  ملكية الدين لطرف دون آخر يجعل من نظرية الأوامر الإلهية محل تنازع هي الأخرى. ويجعل من المصدر الإلهي الواحد  لها أمرا قابلا للشك.

لاتحل الفلسفة مشكلة الأخلاق في التطبيق. وكذلك الأوامر الإلهية. فنحن نرى جرائم القتل بدون محاكمة وخاصة بعد الانقلابات والحروب التي يتم الاستيلاء فيها على المدن والبشر والالهة قديما ، وعلى المدن والبشر  حديثا ونرى جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكب باسم الأوامر الالهية نفسها كما هو الحال في كثير من الحروب الدينية وغير الدينية قديما وحديثا وتنجو جميعا من سلطة القانون باعتبارها شرعية دينيا وسياسيا. ومهما تعمقنا في تتبعنا ودراستنا لأصل الأخلاق تبقى مشكلة السلوك والتصرف مرتبطة بادعاء الأخلاق والسعي لتحقيق السعادة عن طريق القتل وعمليات التطهير وانعدام العدالة وعمليات الاغتصاب الجماعي في عليات التعذيب للرجال والنساء سوية التي تقوم بها أجهزة الدولة والجماعات المسلحة في الوقت الذي تدين هذه الجماعات عمليات تغيير الجنس والاجهاض والاختلاط بين النساء والرجال في الحياة العامة لدول الغرب على سبيل المثال. ما هو معيار الاخلاق الدينية الذي بموجبه ندين هذه الممارسات باعتبارها كفرا بأوامر الله او لا ندينها باعتبارها مطابقة لما يأمر به الاله ؟

ان الأخلاق البشرية نتاج الطبيعة لأنها هبة مثلما هو الانسان هبة الطبيعة ولذلك فان الحقوق الطبيعية لا يمكن انتزاعها وحرمان الفرد منها. لكن ادعاء الأوامر الإلهية التفاف على الاخلاق الطبيعية ومحاولة للسيطرة على الفرد من خلال (إدارتها) من قبل رجال الكهنوت في الديانات المختلفة. وكذلك من قبل السلطة التي تدعي انها مفوضة من الإله لتكون قامعة وموجهة لسلوك البشر.

ان الاخلاق  تسعى في الأخير الى تحقيق سعادة البشر. وهذا أيضا ما تدعيه الأوامر الإلهية، ان الاخلاق  تسعى لتحقيق اهداف السعادة هذه ، فهي تصون الكرامة وهي جوهر الانسان باعتباره إنسانا متمتعا بالعقل والإرادة والحرية. ففي المسيحية ، على سبيل المثال، اعتبرت اللامساواة الجائرة وأشكال الاكراه منافية للإنجيل. لكن تاريخ المسيحية يقدم لنا وقائع منافية للإنجيل وتنتهك الامر الالهي .

من الواضح ان الأديان سعت الى تحويل الحقوق الطبيعية الى أوامر فأحالتها الى مصدر إلهي. لكن توما الأكويني أعاد إحياء فلسفة الحقوق الطبيعية التي أخذت تظهر ، في قراءات دينية على ضوء الفلسفة اليونانية ، وهو ما فعله الفلاسفة العرب بشأن اتباع خطى أرسطو.

وضع اتحاد أوتريخت أساسا لانطلاق حقوق الانسان من جديد بالتأكيد على الحرية الدينية. في عام ١٥٧٩ تم الإعلان عن ( إن كل مواطن سيكون حرا في أن يقيم على دينه). وكان والد سبينوزا  اليهودي البرتغالي الذي تعرض للاضطهاد قد احتمى بهذا الإعلان حين انتقاله الى هولندا. وحرية المعتقد هذه أصبحت المادة ١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان( لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته او عقيدته، وحرية الاعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سرا ام مع الجماعة)(٥)

هل جاء الإعلان العالمي لإلغاء الاستلاب عن البشر؟ اعتبر فويرباخ الاستلاب فاعلا لتأسيس الظاهرة الدينية. أما  جورج لوكاج(٦) فقد اطلق على الاستلاب مفردة ( تشييء) ، وفي كلا الحالين فان الاستلاب شعور سلبي يقود الى فعل سلبي. انه الشعور بعدم القدرة على اتخاذ قرار واضح وحر وإرادي. والاستلاب ، سواء كان دينيا او اجتماعيا- اقتصاديا أو سياسيا هو ظاهرة يمكن ان تنشأ عن مختلف الأسباب ومنها الخضوع لاحتلال او سجن او تعذيب أ عجز من مختلف الأنواع.  بمعنى نزع القدرة على التصرف الحر والارادي ، وبهذا المعنى تكون نظرية الأوامر الإلهية تكريسا للاستلاب وفاعلا لجعل الانسان مأسورا من قوة غيبية. وبهذا الشكل يتشيأ الانسان ويتصرف كأسير لأوامر عليا بدون إرادة وتفكير عقلي .لأن الفاعل الأخلاقي أمر إلهي يصدر لائحة إلزامية  غامضة الأصل والمنشأ ولكنها مقررة بالقوة العليا التي كشف عن جبروتها أنبياء ورسل زعموا انها هي من أمر بهذه اللائحة التي تحتاج الى حراس للآلهة كي يتم تطبيقها ، وانيطت مهمة حراسة هذه الأوامر لتنظيمات متعسفة بصفة دينية.

يقود الاستلاب الى التعصب لتعويض حالة الاستلاب بفعل عنيف متى ما شعر الفرد بان الدين هو قوته الوحيدة. فالتفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء هو أمر إلهي كما ورد في القرآن مختصرا هذا التفاوت بانه إرادة الهية ، كما ورد في الآية ٧٠ من سورة النحل(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فُضلوا برادي رزقهم  على ما ملكت أيمانهم فهم فيها سواء أفبنعمة الله يجحدون ). فالفقر الطبيعي هو استلاب . فكيف اذا اصبح قرارا يلغي إرادة وطموح الفرد بأمر الهي؟

يأتي الإعلان العالمي لحقوق الانسان تتويجا لأخلاق العالم الحديث، ويبشر بأخلاق جديدة تكاد تكون ملزمة حالها حال الأوامر الإلهية. وقد وقعت الدول كافة تقريبا ، ومنها دول عربية وإسلامية على الالتزام ببنود وفقرات الإعلان العالمي ، ولكن لم يتحقق هذا الالتزام . فقد مارست الدول الديكتاتورية طغيانها المطلق على الرغم من توقيعها على الإعلان.

والاعلان العالمي لم يظهر فجأة ، فقد كان عمل ثلاثة قرون تقريبا منذ الثورة الفرنسية التي أصدرت حقوق الإنسان والمواطن، التي عاد اليها  الحقوقي الفرنسي رينيه كاسان لاختصار مسودة الإعلان الطويلة التي اعدها  الكندي جون همفري. ومواد (العهد الأعظم ) الماكنا كارتا الذي أصدره نبلاء بريطانيا مع الملك وليم عام ١٢١٥والثورة الامريكية ولوائح الحقوق البريطانية اللاحقة، وساهم في الصياغة الإنجليزية اللبناني شارل مالك الذي كان مقرر لجنة إعداد الإعلان وكان وقتها يشغل وظيفة رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة . والإعلان هو نتاج العلمانية والليبرالية في تجلياتها الحقوقية.

الإعلان العالمي لحقوق الانسان عمل غربي. أوروبي وامريكي. انه عقل غربي أيضا. انه نتاج المستوى العقلاني لليبرالية. لم يأت من فراغ ، وانما كان نتيجة لتطور فلسفي وسياسي كان متجانسا مع التطور في البنى الاجتماعية -الاقتصادية التي انتجت الرأسمالية. لذلك يبدو عملا غربيا ، خاصة وانه يقف من الدين موقفا حياديا لضمان الحريات الدينية. ان الاعلان العالمي هو اعلان الحداثة التي تسعى لأن تكون عالمية.

يتكون الإعلان من ثلاثين مادة سنرى انها الحقوق الطبيعية قبل التدخل التعسفي للسلطة والدين.

وهذا سيكون عائقا إمام تبني الدول الإسلامية للإعلان العالمي خاصة في ما يتعلق بحق حرية العقيدة، وحرية الرأي، كما أقرته المادة ١٨ المذكورة آنفا والمادة ١٦ الفقرة (١)التي تلغي أي قيود دينية او جنسية على الزواج. والفقرة (٢) التي تنص على عدم ابرام الزواج الا برضى الطرفين. والمادة الثانية التي تنص على (حق كل إنسان التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين او الرأي السياسي، أو أي رأي آخر .أو الأصل الوطني أو الاجتماعي او الثروة او الميلاد او أي وضع اخر، دون اية تفرقة بين الرجال والنساء، وفضلا عن ذلك فلن يكون هناك تمييز أساسه الوضع السياسي او القانوني او الدولي لبلد او البقعة التي ينتمي اليها الفرد سواء كان هذا البلد او تلك البقعة مستقلا او تحت الوصاية او غير متمتع بالحكم الذاتي او كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود)

صوت لصالح الإعلان ثماني واربعون دولة وامتنعت ثماني دول هي  الاتحاد السوفياتي وجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية  وجمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفياتية وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وبولندا وجنوب افريقيا والمملكة السعودية.

كرس الإعلان العالمي لحقوق الانسان علمانية الدولة وحياديتها تجاه الحرية الدينية. كان هذا الامر قد تحقق فعليا قبل الإعلان العالمي. وهو أمر واجه حركة الإصلاح الديني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كانت الحريات السياسية والاجتماعية والدينية قد أمام أعين الإصلاحيين خاصة الذين زاروا وتعلموا في باريس مثل رفاعة. الطهطاوي وخيرالدين التونسي ، اللذين رأيا عيانا اختلاط الجنسين ووجود الملاهي الراقصة وشرب الخمر، هي رفض الشريعة الإسلامية لهذه الممارسات غير الأخلاقية ، وكانت النتيجة هي رفض الشكل الحداثي للدولة والمجتمع والإبقاء على الاستبداد والعودة للسلفية التي كان عمرها آنذاك  ثلاثة عشر قرنا واعتبار الخلافة الشكل الوحيد المرتبط بالأخلاق.

سعت لين هانت في كتابها المؤثر Inventing Human Rights  الى العثور على تاريخ العمل الفلسفي والثقافي لحقوق الانسان. انها تتابع مبدأ المساواة في رواية، تعتقد ، هي لين ، إنها مهدت للعقد الاجتماعي لروسو. وهي رواية روسو نفسه التي تعيد قصة حب من القرن الثاني عشر بعنوان (جوليا) ، فصل بعنوان جمالي هو (سيول العاطفة: قراءة روايات وتصور مساواة) يتابع موقف النقاد في القرن الثامن عشر من الرواية ومن القيم الانسانية الكبرى التي اسهمت في تحول القيم الثقافية الانسانية إلى قيم حقوقية وقانونية.  فالرواية ارست مبدأ المساواة كحق اساس من حقوق الانسان

 

الأخلاق هي عقد قانوني بين الدولة والمجتمع. في كتابه (Philosophy of right) يستعرض هيغل بعد الفقرة الرابعة والسبعين من الفصل الثاني المعنون (Contract)  فكرة العقد قائلا: عام 1821، اي  قبل  اقل من قرنين ( انها رؤية شائعة في الازمنة الحديثة ان الدولة هي عقد الجميع مع الجميع، الجميع يعقد ويتفق , وبعد هذا تنطلق منظومة التعاليم  للعمل). اطلق روسو مصطلح العقد الاجتماعي على مثل هذا العقد،  لكنه في الواقع عقد أخلاقي  ملزم قانونيا . ينطلق  من المسؤولية الأخلاقية التي تتحملها الدولة تجاه الطرف الأول من العقد . هذه المسؤولية هي ضمان وحماية حقوق الطرف ا لأول من العقد وهو الشعب الملزمة للطرف الثاني وهو الدولة.

يغيب هذا الالتزام في العقد الديني. ان المدونات الفقهية الإسلامية تستنتج بنفسها من نفسها. انها تعيش في دائرة مغلقة من التراكم الزمني خارج الزمن الذي تعيش فيه. وصلت هذه المدونات الى طريق مدود ومغلق بفقه ( الاحكام السلطانية) الذي يوجب حقوق السلطان بدلا عن حقوق البشر. وقد تراكمت هذه المدونات المغلقة ، والتي استمرت منذ القرون الوسطى، فأخذت طابع التشريع المقدس. وهي مدونات ادعت اخذ احكامها من الشريعة بحيث أصبحت هي الشريعة  ، وهذه الشريعة تعيش خارج النص رغم انها تدعيه.

ليس لدينا ، في التاريخ الإسلامي، مدونات عن الحقوق . الحقوق الوحيدة هي الواجبات. وحين كانت اوروبا تقدم لوائح الحقوق منذ القرن الثالث عشر ، على شكل اتفاقات ومساومات بين السلطة والطبقات، كان العالم الإسلامي يقدم مزيدا من القيود عازيا كل ازمة الى ضعف التمسك بالشريعة دون إعادة النظر أصلا بتعريف الشريعة. كان التدهور قد تكرس قبل سقوط بغداد  ييد المغول عام ١٢٥٨ فقد كان هذا السقوط الفاجع نتيجة لتدهور استمر ثلاثة قرون بدأت منذ خلافة المتوكل وتغلب الطابع العسكري على السلطة واهمال الجوانب العلمية السابقة منذ منتصف القرن التاسع وتغلب القادة الاتراك على السلطة. هذا التغلب الذي اضعفها وجعلها مسرحا للغزوات والاحتلالات البويهية والسلجوقية  وفروعهما المختلفة فيما بعد.

قبل عام ١٢٥٨ بثلاثة وأربعين عاما، وبالتحديد في عام ١٢١٥ تحققت اول رقابة على السلطة من قبل ممثلي الطبقات الاجتماعية في إنكلترا حين تم الاتفاق بين الملك وليم وبين النبلاء بتوقيع العهد الأعظم( Magna Carta).منذ ذلك التاريخ كانت أوروبا المسيحية تتقدم في مجال الحقوق وكان الشرق الإسلامي يسير الى ظلام دامس، والى انشغالات فقهية مثلها ابن تيمية في  أفكاره المغلقة والمتطرفة والتكفيرية. لم تكن وظيفة الفقيه هي رؤية أسباب ما حدث علي ضوء العلاقة بين المسلم والحاكم. بل على العكس تبرئة الحاكم من كل ذنوبه السياسية والأخلاقية والاقتصادية التي كشفتها المقابلة بين هولاكو والخليفة المستعصم في القصر المنكوب والقاء وزر هذه الكارثة على المواطنين.

لقد نشأت هذه الحالة عن الشعور بالاستلاب. عن العجز الذي كان يشعر به الفقهاء إزاء القهر الذي سببه هولاكو. فقد هذا الشعور بالاستلاب الى تكريس اخلاق جديدة في الفكر الإسلامي. هي البحث عن العدو داخل المسلمين والدعوة لقتلهم. انها أخلاق طغيانية أضيفت الى اخلاق الحكم الطغياني ، وهذه المرة بفتاوى الفقيه وتشريعه لقانون يمكن تسميته بقانون التكفير والتطهير السائد في الفقه الإسلامي السلفي المعاصر.

يقوم الفقهاء بصناعة تأويلية للأوامر الإلهية لجعلها موضوعا يتناقض مع التطور الطبيعي من جهة ، ومع التطور الاجتماعي والثقافي للعصر وللمجتمعات التي تعيش في عصور متطورة. عادة ما يطلق هؤلاء على هذا التناقض الخصوصية الدينية. الثابتة والجامدة التي لا تتحرك بينما يطلبون من العصر ان يتحرك باتجاهها. وهذا بالضبط ما واجه الموقف الإسلامي والقومي من مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

 

يقول توماس بين في كتابه (Rights of Man) , وهو من كلاسيكيات الحقوق المدنية وفلسفة حقوق الانسان منذ القرن الثامن عشر، وبين اشترك في الثورة الامريكية وفي حركة الاستقلال وفي تقديم المساعدات الامريكية للثورة الفرنسية  (لقد رأيت في الحرب ما يكفي من البؤس بحيث صرت ارغب بان لا تجد الحرب اية امكانية للحدوث في العالم، وان يكون هناك اسلوب اخر لتسوية الاختلافات التي لابد ان تحدث بين مدة واخرى بين الامم)، لقد جاءت الحرب باستقلال الولايات المتحدة . ومع هذا لا يتغنى (بين) بالحرب ولا يمجدها، وانما يعمل على خلق الظروف والعوامل لتجنبها بسبب البؤس التي تحدثه, في حين يقود منظرو  الحرب قطعان البشر الى ميادين الحرب، كان جيفرسون  يعمل على الاستقلال واضعا الحرب لنيل الاستقلال كوسيلة اخيرة (حتى لو اضطررنا لإعلان الحرب) كما يقول بعد ان طالب بتحقيق الاستقلال سلميا.

لقد كان ذلك تفكيرا بشريا بعيدا عن الشريعة. انه تفكير أخلاقي تنويري يمهد لشمول الأفكار بأن تكون أفكارا وضعية غير محكومة بأية شريعة دينية.
ان الايمان بان الشريعة من وضع الله يعني انه لايمكن للبشر ان يغيروا منها.هذا الايمان هومجرد افتراض من الفقهاء اللاهوتيين لمنع اي تطور في آليات التفكير، هذا الايمان هو منطق مغلق. انه افتراض بأن هناك تفويضا إلهيا لإلزام البشر بما يريدون. فخارج هذا المنطق المغلق يجري باستمرار تغيير للشريعة من قبل الفقهاء انفسهم بتقديم تسويغات مستمدة من خارج الشريعة لتغير الشريعة. هذا ما جرى تماما لتسويغ جميع أفعال من تطلق الشريعة عليهم أولياء الأمر. تاريخيا. جرى توظيف الشريعة من قبل الفقهاء لتتناسب مع الطغيان الذي يمارسه الحاكم. انهم يتغيرون ويغيرون الله معهم بصمت.

هذا التناقض وقف حائلا امام قبول الدولة باعتبارها مؤسسة مدنية خارج مفهوم الخلافة. والحم المطلق بالتفويض الإلهي. ووقف حائلا امام قبول الشرعة الدولية المسماة حقوق الانسان بالادعاء الافتراضي ان حقوق الانسان في الدين مضمونة وتتفوق على الحقوق الوضعية. لقد كان الامر واضحا ، لان القبول بالإعلان العالمي لحقوق الانسان يعني القبول بدولة علمانية محايدة لاتقوم على  اساس ديني ولا (أخلاق) دينية، وبالتالي انهيار سلطة الدين باعتباره سلطة الفقهاء . وهذه السلطة مستبدة مستندة على تفويض ذاتي وليس تفويضا الهيا، فهي قادرة على تأويل افعالها باعتبارا أمرا الهيا واضعة  فكرة الامربالمعروف والنهي عن المنكر في حالة اختلال وانتقاء، فهي تتوافق مع الاستبدادالسياسي وتقدمتأويلات وتسويغات تعتبرها من مقاصد الشريعة فتحول الشريعة نفسها الى منظومة منالاستبداد والقهر والعسف وتمنح الاستبداد ميزةً دينية وفضيلة اخلاقية رغم انه ينفي العدالةويجعل من الظلم ممارسة منهجية له،

هذا التفويض يمارس سلوكا منافيا للاوامر الالهية ويدعم كل انتهاكات حقوق الانسان بحجة دينية ومتناقضة في نفس الوقت مع السرديات الكتابية التي تأمر بعكس ذلك، باختصار يمكن لهؤلاء،ولكي يحافظو على سلطتهم الدينية ان يضعوا المنكر في مكان المعروف والمعروف في مكان المنكر ، فهم يوقفون سلطتهم  الدينية عن الحكام والاغنياء قبل ان تدخل ابوابهم ويمدونها على الفقراء والمحرومين والضعفاء . اذا كان هذا الوضع يشكل فائدة للفقهاءرجال الدين والسلطةالحاكمة  فلماذا يتنازلون عنه طوعا ويقبلون بالالتزام بحقوق الانسان التي تلغي الهيمنة Hegemony

التي يتمتعون بها ويفرضون من خلالها نمطهم الثقافي الوحيد وهو الدين .

ان الهيمنة . تلغي المسؤولية الأخلاقية، سواء الهيمنة الثقافية او الهيمنة الدينية. فكلاها أيديولوجيا قهرية في نهاية الامر لأنها تحدد الاتجاه (الضروري) للإنسان، فتتحول الهيمنة في هذا الاطار الى قائدة عابرة للأخلاق باعتبارها منظومة مشتركة شمولية غير نابعة من العقل والخير. فالهيمنة تقود الى الاستبداد لأنها أصلا أحادية ومتعسفة، وتسعى الى التجاوز على حقوق الاخر سواء الاجتماعية الاقتصادية او التعددية الدينية. لذلك تفكر الهيمنة الثقافية الى  تكوين طبقة تتمتع بالحقد الطبقي ، مثلها مثل الحقد الديني.

ان الاخلاق حرة. الاخلاق لا تخضع لغير شرطها باعتبارها خيرا ومنفعة. وكل محاولات الاستعباد هي خرق للأخلاق وفعلها الخيّر. ان الحرية هي المناخ الذي تعيش فيه الاخلاق بشرطها الخيّر. وبذلك تتمتع المنظومة الأخلاقية للمجتمع بحرية وجودها باعتبارها أيضا مقاومة للعبودية والاستبداد والديكتاتورية وانتهاك الحقوق الطبيعية للبشر.

ماذا لو اعتبرنا الاخلاق من فعل الرب. أي أمرا إلهيا ؟ سوف تكون في هذه الحالة قسرية. بمعنى الفرض. وبذلك تفقد حريتها بان تكون التزاما طوعيا يلتزم به الجميع. ان الأخلاق مزيج بين الفطرة ، باعتبارها طبعا جسمانيا وبين الطبيعية الاجتماعية  للفرد. ان مملكة الرب كما يدعوها نيتشة في (The Genealogy Of Morals) تقوم بفعل الهيمنة على البشر من خلال نظرية الأوامر الإلهية. التي عموما لا يلتزم بها رجال اللاهوت انفسهم، رغم نسك معظمهم. وإنما يتواطئون ، تقليديا، على ضرورة إلزام الانسان بها ، باعتبارهم مكلفون بالفضيلة كجزء من الإيمان.

يدعي نيتشه ان الاخلاق هي( ما احتفى به على الأرض لحد الآن، بوصفه اخلاقا) (٧)

يفتقر هذا التعبير الى تعريف الاخلاق، باعتبارها نسبا طبيعيا أو نسبا ميتافيزيقيا.  ليس هناك. في الاخلاق، الا ما اعتبر أخلاقا. أي ان الاخلاق (اعتبار أو وصف) تواطأ الجميع على إعطائها اعتبارا عاما  ليس اكثر . أي ان الأخلاق هي (القيم في ذاتها) على حد وصف شوبنهاور(٨) .ان الله( الموجود بذاته) يشابه الأخلاق ( الموجودة في ذاتها).. لكن الاخلاق من وجهة نظر نيتشة هي (الحكم المسبق الأخلاقي) الذي يتميز عن ( الحكم المسبق اللاهوتي)(٩). بمعنى ان الموقف النيتشوي يرفض نظرية الأوامر الإلهية التي يعتبرها من صنع الكهنة. وملاحظة نيتشه ملاحظة تأخذ بنظر الاعتبار الفرق بين الاخلاق القديمة والأخلاق الحديثة، وهو فرق يعير التطور الاجتماعي للإنسان اهتماما ماديا وواقعيا.

كانت مصدر الاخلاق العادات والتقاليد. هذا هو نسب سلالة الاخلاق. اعتبارات افتراضية تشبه ، ما يمكن استعارته من روسو، ( عقدا اجتماعيا) . منظومة . سواء أكانت مخترعة أم  ناتجة عن الطبيعة ، متفق عليها. متفق عليها للتعبير عن المقبول( الفضيلة) والمرفوض( الرذيلة).

يمكن للأخلاق ان تكون لا دينية . فكثير من العادات والأعراف لا صلة لها بالدين بقدر ما لها صلة بالجماعات. ويميل الانسان بطبعه ، بشكل عام، الى (الالتزام) ، وبهذا تكون الاخلاق (قاعدة) ونقضها (استثناء ) . لكن بعض مراحل المجتمعات تشهد العكس . اذ تكون الاخلاق( استثناءً).فالنظام الاستبدادي ، على سبيل المثال، ليس له تعهدات والتزامات. وفي هذه الحالة تكون الاخلاق استثناء لا قاعدة.

لكن لنعد الى تاريخ التطور البشري. إلى إنسان الكهف، ونسأل عن أولوية  الأخلاق في ترتيب حاجاته. وهذه الأولويات تعطينا فكرة افتراض أولوية التنظيم الأخلاقي لأسرة تعيش في كهف.

تعطينا هذه الفكرة  إمكانية افتراض الأولويات للإنسان القديم، وفيما اذا كانت الأخلاق جزء من منظومة القيم الإجتماعية وأولويتها على الأخلاق في المنظومة الدينية .فروايات الفقهاء المسلمين تقدم حلا لورطة آدم الأخلاقية حين أقدم على تزويج أولاده من بناته ، سنبحث تفاصيلها لاحقا.

ماذا كان يفعل انسان الكهوف؟ في الرسوم التوضيحية في الكتب المدرسبة يظهر انسان الكهوف اقرب شكلا الى الغوريللا وهو يحمل عصا غليظة ذات رأس كبير لاستخدامها في صيد الحيوانات لتأمين الطعام لأسرته ، إذ

يفترض بانسان الكهف ان يكون رب اسرة، زوجة وربما ابن او اثنان ، وعليه تدبير طعامهم اولا.  ذلك يعني ان انسان الكهف لم يكن يملك حيزا للتفكير في الاخلاق أو الدين . ولم يكن يملك تفكيرا في نظريات العدالة والمساواة . فما نفع ان تكون هذه النظريات سابقة على توفير وسائل العيش البدائي لحفظ النوع.؟

فيما بعد، وبعد انتقال انسان الكهف الى القرية ثم المدينة، ظهرت الحاجة الى التنظيم بما فيه تنظيم السلوك. تقدم لنا ملحمة كلكامش مثلا على هذا التنظيم .فقد كان انكيدو وحشا يعيش مع الوحوش بعد ان خلقته الآلهة ليكون ندا لكلكامش ( الذي لم يترك ابنا طليقا لأبيه

وما فتيء يضطهد الناس بمظالمه ليل نهار(١٠)

ان كلكامش لم يترك عذراء لحبيبها

ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل(١١)

تقدم لنا ملحمة كلكامش نصا مفعما بما يمكن ان نضعه في موضوع الأخلاق موضعا مهما. فالآلهة ( وهنا ظهرت الآلهة في مجتمع دولة المدينة) بعد ان سمعت شكاوى الناس من كلكامش تقرر خلق معادل موضوعي له، يضاهيه في القوة وفي قوة العزم ليكونا في صراع دائم لتستقر اوروك  (١٢). فالملحمة هي نتاج دولة المدينة (اوروك)  حيث الأنظمة تقوم بإدارة حياة الناس. وبعد ان تغوي البغي انكيدو ويستمتع معها سبعة أيام بلياليها يتحول الى إنسان فاقد القدرة على العودة للعيش مع الوحوش والضواري ، وعليه ان يأكل الخبز ليعيش مثل بقية البشر، فتقول له البغي:

كل الخبز يا انكيدو، فانه مادة الحياة

واشرب من الشراب القوي، فهذه عادة البلاد(١٣)

في الملحمة ينتقل البدائي الذي يعيش متحررا من كل إلتزام ، البدائي الذي يجهل الآلهة وتعاليمها وأوامرها الى مجتمع  يعيش في  إطار نظريات يقدمها الدين او تقدمها النظريات الاجتماعية والسياسية التي بدأت تتشكل وتظهر في التنظيم الاجتماعي للمدينة.، اي نظريات مخلوقة من اجل التنظيم ، تنظيم السلطات، السلطة السياسية،السلطة الدينية، السلطة الاخلاقية.

هذه السلطات بدأت محدودة وبسيطة، تجلت في اشكال بدائية،  ولكنها اخذت تتأسس على المطلق الشمولي فيما بعد حيث ظهرت الحاجة الى الآلهة على النمط البشري الذي بدأ يؤسس السلطة والتراتبية والعمل. فقد انتقل انكيدو من العيش بشكل طفيلي على موارد الطبيعة الى المدينة ليواجه السلطة والمسؤولية ومجمع الآلهة الذي يتدخل في مصائر البشر ويقدم أوامره إلزاميا.. انسان الكهوف لم يكن يملك الوسائل اللازمة لانشاء سلطة، سوى سلطة اصطياد الحيوانات. اي سلطة غير مطلقة على الحيوان. لكنه كان مضطرا لانشاء نوع من التتنظيم في الأسرة والى نوع من توزيع الوظائف. فاذا  كان  الرجل يخرج الى الصيد ، فان المرأة كانت تدير شؤون العائلة في المنزل . حتى آدم وحواء يمكن رؤيتهما مع العائلة في كهف بعد ان طردا من الجنة ، حتى لو ذهبنا مع النظرية الافتراضية عن العمل وعلاقته بانماط الإنتاج بشكل مبكر اذ تقسم هذه النظرية قابيل راعيا وهابيل مزارعا. وان الصراع نشب بينهما بسبب وقف الاله من النذر الذي قمه كل واحد منهم وفق ما ورد في الآية ٢٧ من سورة المائدة. وتظهر لنا هذه الآية ان الله قد وضع الخير والشر بناء على العلاقة مع الرب ، وتظهر لنا ان الأخلاق هي التقوى، اذ يرد هابيل بان الله يتقبل القرابين من المتقين.

لكن هذه الاسرة افتراضية لا تخضع للحفريات والاكتشافات التاريخية ونظريات الخلق، سواء في الاساطير السومرية والبابلية او في نظرية داروين عن اصل الانواع. فما لدينا من (دلائل) هو ما أورده المفسرون من افتراضات وهمية.

لكننا، وبما اننا نتحدث عن الدين والأخلاق، فان هذه القصة، تحيلنا الى أصل الأخلاق باعتبارها مرتبطة بالدين منذ بداية الخلق. وان نشأتها كانت دينية . ولكن هذا الأصل الديني لم يمنع الفلاسفة المسلمين من بحث الأخلاق خارج نطاق الأصل الديني ، كما سنرى.

من المرجح، اجتماعيا، ان التنظيم الاجتماعي سبق اكتشاف الدين. اذ لدينا ثلاث تواريخ للإنسان: ما قبل التاريخ، ثم التاريخ، ثم بعد الميلاد . والان لانعرف اين نضع تاريخ النبي موسى. فقبل موسى يدورالأفتراض، دينيا، ان جميع البشرية كانت وثنية، او ملحدة. فكيف يمكن تبرير وجودها على الأساس الديني الذي نسميه الأديان السماوية؟

كان التنظيم الاخلاقي ضرورة اجتماعية لأنه كان جزء من التنظيم الاجتماعي . وبعد ذلك ، حول الفقهاء ورجال الدين الاخلاق الى أوامر إلهية ليجعلوها ملزمة ، ويحولوها الى جزء من الفضيلة الالهية. تلك الفضيلة التي تهدف الى الخير من خلال المحرمات والنواهي.

لاشك ان الاغاني والترانيم كانت مرافقة لحياة الأسرة في الكهف. فالأطفال كانوا بحاجة الى ترنيمة لكي يناموا ، الى نوع من الإيقاع والتكرار ( الذي سنراه في الأناشيد الدينية فيما بعد) لكي  يسترخوا ويغلب عليهم النعاس. النعاس الذي يأتي عن طريق اختراع الإيقاع. الإيقاع الذي يقود الى التنويم ، الايقاع الذي يقود في النهاية  الى النوم .

يتحدث نيتشه باقتدار عن مصدر العدالة. يعتبر ان مصدر العدالة بوصفها تسوية بين قوى متكافئة لحد ما. فالتوازن بوصفه شرطا مسبقا لكل العقود وبالتالي لكل قانون (١٤)، وذلك يعني ان العقد الاجتماعي هو اتفاق أخلاقي بين طرفين وهو مرهون بالتوازن لكي تتحقق العدالة . ونتعرف من ابن حزم ان حد العدالة ان تعطي من نفسك الواجب وتأخذه، وحد الجور ان تأخذه ولا تعطيه)(١٥)

يتفق نيتشه، ربما دون ان يطلع، مع فكرة مسكويه في تهذيب الاخلاق، من ان العدالة هي فضيلة الانصاف (١٦)

وهذا يتفق مع فكرة الانصاف التي فكّر بها رولز والتي سنوردها لاحقا.

ان العدالة عنصر أخلاقي. سواء في الدين( وهذا عموما غير متحقق) او في السياسة ( وهذا متحقق في النظام الديمقراطي بشكل عام). ولكن من وظائف العدالة تخفيف الألم عبر تعويض الضحية بعقاب الجلاد والقاتل .ولعل فكرة نيتشه القائلة بأن الانسان ينفي الألم نفيا صادقا باختراع الآلهة والكائنات الوسيطة (١٧) هي نفي للعدالة عبر تبرير الأذى بوجود الالهة(١٨)

ان عصر نيشته وعصرنا هو عصر الديمقراطية . بمعنى عصر العدالة والمساواة بدون وجود الالهة في المحكمة وسلك القضاء. وهذه فكرة سياسية وحقوقية . بينما يقدم نيتشه فكرة فلسفية هي اختراع الحياة بوصفها لغزا او بوصفها شكلا للمعرفة (١٩) أي الحياة بدون دين حيث تكون الأخلاق اختراعا إجتماعيا متعارفا عليه.

اين موقع الاخلاق بين العدالة بوصفها فضيلة الإنصاف لدى مسكويه واختراع الآلهة بوصفه تبريرا للأذى عند نيتشه؟

يظهر نسب الأخلاق عند نيتشه في المعاملات. في عقود البيع والشراء التي يعتبرها أقدم عهدا من بدايات التنظيم والارتباط الاجتماعي. فكيف يمكن لفيلسوف مثل نيتشه أن ينفي الاخلاق الطبيعية لصالح الاخلاق الناشئة عن مصالح البشر؟

هل ينفي نيتشه أي أثر للأخلاق باعتبارها أوامر الهية؟ ان الفعل البشري في سردية  نيتشه في جينولوجيا الأخلاق، هو مصدر الاخلاق حين يعتقد ان الانسان ابتدع (الثمن) عبر ابداعه التقييم والتقييس(ليكون لكل شيء ثمن)  لتكون اقدم قاعدة للعدالة لوصف الأشياء بكل (خيرية* وكل انصاف، وكل إرادة خيرة، وكل موضوعية على الأرض، وما العدالة  ، على هذا الصعيد، الا إرادة الأخيار.(٢٠)

بهذا المعنى تكون الاخلاق عقدا إلزاميا للتعاقد بين المجتمع، كهيئة عليا، وبين الفرد والافراد كجهة خاضعة، او كما يسميها نيتشه(علاقة الدائن بالمدين)(٢١) . هذا المعنى يحيل الأخلاق الى توازن قوى بالتراضي ولكن من خلال تفوق القوة. وربما تبدو هذه الفكرة مشابهة لمبدأ القوة الإلهية التي يلزم بها الفقهاء الناس باستخدام الأوامر الإلهية باعتبارها قوة ردع تجعل المدين  خاضعا.

ولكن قبل ان تنقسم المجتمعات ويظهر الغنى والدين والقوة والخضوع ، أي في عصر الانسان البدائي ، حين كانت الأسرة هي كل المجتمع هنا في هذه البقعة من الأرض او في ذلك الكهف، ماذا  كانت الاخلاق؟

أي قبل ان يظهر الكاهن أو رجل الدين ليقدم لنا الأخلاق بوصفها أوامر إلهية، تكون المبرر الأقوى لوظيفته باعتباره حارسا مكلفا بتطبيقها وإخضاع المدينين للدائن الإلهي الذي وهب الحياة لتكون دينا على البشر.  قبل ان يظهر رجل الدين بشعوره بالتفوق والتسامي الكاذب ليفرض وجهة نظره الوظيفية باعتبارها أوامر القوة المطلقة؟

كانت وظيفة رجل الدين وماتزال هي الادعاء بأنه حارس الفضيلة الأخلاقية ومنع الآخرين من العبث بها وانتهاكها. فهو ، كما قلنا، يستمد سلطته كحارس للأخلاق حاملا أختام الله ليختم بها جباه العبيد الذين يستعبدهم بنظرية الأوامر الإلهية التي يتجاهل تطبيقها على نفسه وعلى من يحكم. ففي هذه الاختام توجد مجموعة من الالفاظ مثل المؤمن، الزاهد، الناسك، المتعبد ، السعيد في الدنيا والسعيد في الآخرة، الشقي في الدنيا والشقي في الآخرة ، إلى جانب النواهي والتحريمات التي يعين نفسه حارسا لها، ويمنع بها العقل من التفكير ، وينشر قائمته في الحلال والحرام ويقرر من خلالها السعادة.

وأين هذه السعادة؟ انها في الناموس. الناموس الإلهي . يورد أبو حيان التوحيدي في المقابسة الرابعة قول ابن مقداد: لابد من وضع الناموس الإلهي الذي يتوجب به إفاضة الخير، وترتيب السياسة ، وما يورث سكون البال، ويحسم مواد الشر، ويوطد دعائم السنن، ويبعث على تشريف النفوس وتزيين الأخلاق، ويقر الطريق الى السعادة المطلوبة(٢٢).

 

 

تبدو انساب الاخلاق لدى نيتشه قابلة للتغيير والتطوير، مما يجعلنا نتساءل عن صلاحية الأخلاق لتكون عالمية. على عكس التغيير الذي قصده الغزالي واقتضى بموجبه وجود الوعظ للعودة الى الأخلاق بعد تغيرها ، باعتبارها ثابتة . ان الأخلاق في ( الناموس) الذي قصده ابن مقداد  تبدو الأخلاق روحانية وظيفتها العامة هي جلب الراحة للنفس. ولكنها في ناموس الفقهاء إلهية وإلزامية وشمولية. فالناموس ،منذ الناموس الموسوي الذي نادى به موسى، حاكم مطلق. بيد حاكم مطلق. وهذا مصدر الخلافة في الإسلام ومصدر استبدادها ومجافاتها للعدالة. ففي تاريخ الخلافة ما يجعل القتل حقا مطلقا للخليفة. نذكر حالة واحدة من آلاف الحالات واخترتها لأنها تعتبر دم المقتول تطهيرا. يروي الأصمعي ، يقول حدثني رجل من أهل المدينة ، قال سمعت محمد بن إبراهيم يحدث. قال: شهدت أبا جعفر(المنصور) وهو ينظر فيما بين رجل من قريش وأهل بيت من المهاجرين ليسوا بقريش، فقال لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينه ابن ذيب.  قال أبو جعفر لإبن ذيب: ما تقول في بني فلان؟ قال : أشرار من بيت أشرار. قال : سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد ، وكان عامله على المدينة. قال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالإحنة ويقضي بالهوى .قال الحسن: يا أمير المؤمنين والله لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ونعتك بشر. قال : ما تقول فيّ ؟ قال :اعفني. قال: لابد ان تقول. قال: لا تعدل في الرعية ولا تقسم بالسوية. قال فتغير وجه أبي جعفر. فقام إبراهيم بن عمر بن علي صاحب الموصل فقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين. قال : ابن ذيب: اقعد يا بني، فليس في دم رجل يشهد ان لا اله الا الله طهور(٢٣).

لقد ارتبط الاستبداد بالدين اكثر مما ارتبطت به الأخلاق. وظهرت الأخلاق الطغيانية باعتبارها وصايا الهية. لا تخضع للمساءلة.

وبما ان الاخلاق تأتي ضمن الأوامر الإلهية في النظرية الدينية للأخلاق ، فهي تأتي ضمن المقدس. ولكن الأخلاق العادلة ليست إلزاما للحاكم المستبد طالما انه بحاجة  الى استبداد واحتكار واستخدام وسائل العنف والتعسف وانتهاك العدالة. وهذه الأفعال غير الخيّرة تنظم تدريجيا الى الأخلاق الدينية وتصبح جزء من الأوامر الإلهية لحفظ الدين.

واذا قلنا مع باسكال بان الاخلاق هي علم الانسان، فذلك يعني ان اختصاصها هو الفرد، بما في ذلك حقوقه في شرعة حقوق الانسان. ويمكن قياس المستوى الاخلاقي للدين وللنظام السياسي انطلاقا من هذا العلم.

واذا مضينا في الفصل بين الأخلاق القديمة والأخلاق الحديثة فان الأخلاق ، اذا كانت إرادية أو فطرية، او إلهية، لا تعنى سوى انها اخلاق متغيرة مع تغير عصورها ومجتمعاتها . ولكن بما ان الاخلاق الدينية أوامر إلهية ، فإنها تحتاج ،وفق الغزالي،  لكي تعود الى سياقها ، الى المواعظ والوصايا والتأديبات.

ان ضعف الاخلاق في المجتمع ،كونها وصايا ،تسعى الى أن تأخذ شكل القوانين. لكن قوانين الاخلاق، في الدين خاصة، قوانين طوعية يمكن ان لا يجري الالتزام بها والتغافل عن الالتزام بها. ليس اكثر من فكرة العدالة عرضة للانتهاك الأخلاقي. وكم كان فولتير مصيبا حين كتب ان فكرة العدالة مقبولة من الجميع حين يشعر الجميع بضرورة احترامها، لكن اكثر الجرائم ترتكب بحجة باطلة من العدالة بحجة الدفاع عن العدالة، مثلما أشار الى  هذه الفكرة محمد يوسف موسى. مباحث في فلسفة الاخلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • هذه الدراسو فصل من كتاب قيد التأليف بعنوان: الدين والأخلاق

١-( المزامير ٨١:٩).

٢- (الخروج ٣:٢٠ )  .

٣-(المائدة ٤٨)

٤-( المائدة ٦٨)

٥-.( موقع الأمم المتحدة . إدارة شؤون الاعلام ٢٠٠٣)

٦- ( يلفظ باللغة المجرية لوكاج، بجيم فارسية ويلفظ بالعربية لوكاتش

٧-( فردريك نيتشه. جينولوجيا الاخلاق .ترجمة فتحيي المسكيني. مراجعة محمد محجوب. دار سيناترا. ٢٠١٠. تونس. ص٣٣.)

٨- نفس الصدر . ص ٣٧

٩-نفس المصدر . ص34

١٠- طه باقر. ملحمة كلكامش. دار الوراق. لندن ٢٠٠٩.ص٩٠

١١- نفس المصدر . ص ٩١

١٢. نفس المصدر ص٩١

١٣. نفس المصدر . ص ١٠٣

١٤- نيتشه. ص ٣٦

١٥- الاخلاق والسير ص ٣١. نقلا عن  جوامع الأخلاق والسياسة والحكمة. اختارها محمد العربي الخطابي. ج١ ص ٢٣٢ . منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. اسيسيكو. ١٩٩٣ .

١٦-  المصدر السابق .ص ٢٣٣

١٧- نيتشه. مصدر سابق . ص ٩٥

١٨-نيتشه. جينولوجيا الأخلاق. ص٩٦ .

١٩- نيتشه.  ص ٩٦

٢٠- نيتشه.  ص ٩٨.

٢١- نيتشه . ص ٩٨-٩٩ .

٢٢-  أبو حيان التوحيدي. كتاب المقابسات. المقابسة الثالثة. شرح وتحقيق حسين السندوبي. دار آفاق. ٢٠١٦. ص١١٣

٢٣- محمد بن الوليد الطرطوشي. سراج الملوك. تحقيق جعفر البياتي. رياض الريس للكتب. لندن. الطبعة الأولـي١٩٩٠. ص١٢٨ .

 

 

بقلم: د. نبيل ياسين

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0