أدب و تراث ثقافة فكر مقالات

عجائبية الواقع البسيط في “النوم عند قدمي الجبل”

بقلم/ كه يلان سالار

قد ارتبط مفهوم الأدب العجائبي بوجود الخوارق ومايُخالف المنطق الواقعي،وإحتشاد النص بالمواقف التي تزيدُ الأجواء غرابةً،ومن المعلوم أنَّ النموذج الأمثل لهذا النمط القصصي تجدها في “ألف ليلة وليلة” ومن ثُمّ قد شهدت العجائبية زخماً خصوصاً بعد إنطلاقتها الموقعة بلون الأدب اللاتيني لكن ينضوي ماكتبه كافكا أيضاً ضمن الأدب الغرائبي مع وجود فارق أنَّ أعمال صاحب “التحول” متوغلةُ في السوداوية ومتاهتها ممتدةُ لدرجةٍ تتخذُ بعداً ميتافيزيقياً.طبعاً هذا المنحى في الكتابة قد أسسَ للكافكاوية تلك المفردة التي تعادلُ الكابوسية والغرائبية في أسلوب الكتابة طبعاً قد لفحت هذه الموجة الأدب الروائي والقصصي على نطاق واسع بحيثُ أنَّ ثمة نصوصاً لايصعبُ عليك إدراك محاكاة صاحبها في الصياغة والتشكيل للأدب الكافكاوي كذلك الأمر بالنسبة لتيار الواقعية السحرية وتمثلاته في المنجزات الأدبية،ومايعني التفوق في الكتابة على هذا المنوال من التميز بالنسبة لأي مبدعِ،لكن السؤال الذي يطرحُ نفسه بهذا الصدد هو هل ثمة شكلُ متعارفُ عليه لمفهوم الأدب العجائبي يجبُ التقييد به،ربما يصحُ الحديثُ عن خصائص محددة لأي تيار أدبي في بداية ظهوره غير أنَّ الإمكانيات التعبيرية لاتنتهي عند شكل معين بل يجترحُ الحس الإبداعي أشكالاً جديدة وصياغات متنوعة وبذلك يتمُ الإنزياح عن الأساليب المعهودة،والمُستهلكة وبالتالي لن يكونُ النصُ مجرد إجترار للأنساق السائدة،ومانشرهُ الكاتبُ السوداني حمور زيادة في مجموعته القصصية المعنونة ب”النوم عند قدمي الجبل” ينزل ضمن صنف النص العجائبي لاسيما القصة الأولى التي يحملُ العملُ عنوانها.وما يكسيَ الخصوصية للمواد القصصية أنَّ شفافية الفضاء الحاضن للشخصيات والأحداث تنعكسُ في التعدين الأسلوبي مايعني أنَّ النصوص تستمدُ أجواءها الفنتازية من الواقع الزاخر بالنفس الغرائبي.وفي ذلك يكمنُ فرادة المسعى الإبداعي والتمكن في تطريز النص الأدبي إنطلاقاً من معطيات الواقع البسيط،ومن الواضح أنَّ مساحة القصة المحدودة تستدعي وضوح البؤرة هنا قد يكونُ الحدثُ أو الشخصية مثارَ إهتام الراوي،ويتمُ تعجين محتويات القصة بأكملها للتوصل إلى نقطة التنوير الأمرُ الذي يتجلى بالوضوح في آلية الكتابة لدى صاحب “شوق الدرويش”
شعرية التوتر
إذا كان فضاء الرواية يسوغُ للتفصيل والإستهلال المطول والترقب قبل تعين الثيمات التي يقومُ عليها النص الروائي فإنَّ مايشدُ المتلقي لمناخ القصة ليس ترف الإسهاب والوصف بل التوتر الذي يدبُ في جسد القصة مع الحركة الأولى لبندول السرد. وينطبقُ هذا التوصيف على قصة “النوم عند قدمي الجبل ” و”عندما هاجرت الداية” وتوحي عتبة العنوان الداخلي بدور الحدث والشخصية في بناء النص ناهيك عن الإرساليات الظرفية. وفي القصة الأولى تتواردُ الإشارة إلى مصير مزمل النور إذ ما أن يقع عليه نظر المارة حتى تبدر منهم عبارة تفيد بأنَّ أيام الولد معدودة كذلك الحال مع شيخ الجامع والتلاميذ الذي يعودون من المدرسة فيتذكرُ الجميعُ الموت الذي يلاحق مزمل مثل الشبح،ولاينفعهُ العمل في دكان عيسي فقيري تستمرُ المناكدةُ والنساءُ يطلقنَ عليه الجملة مرفقة بتنهدات الشفقة.يتصاعدُ التوتر في مفاصل النص إلى أن تقع على مداليل العبارة التي هي مفتاح القصة.تزامنت السنة التي ولد فيها مزمل مع وفرة عطاءات النيل والأرض وهذا حدا بأهل القرية إلى التعبير عن إمتنانهم عن طريق ولائم وكرامة ضخمة وصادف أنَّ وافق مرور موكب الشيخ أبو عاقلة بالقرية موعد ولادة الطفل الذي انتظرته سكينة ردحاً من الزمن.وبذلك فاضت القلوب بسعادة و،ما نقصَ منها سوى مانطق به أحد المجذوبين عندما دعا الشيخ للرضيع بالبركة في العمر صرخَ المجذوب “سبحان الله عشرين” ومنذ ذاك الوقت رسخت القناعة لدي الحضور بأنَّ مزمل ينتهي أجله في العشرين من عمره،واللحظة المفصلية في حياة مزمل هي معرفته بالحاج سليمان الذي أبدى إستغرابه من إنهماك الصبي على الطاعة ويدور بين الإثنين حوار بشأنِ الأماكن الواقعة خارج القرية حوش ود صالح ،حي العبيد ،المقابر أسفل جبل الصحابة ومايقولهُ الحاج سليمان بصيغة السؤال الإستنكاري “كيف يعيشُ للطاعة من لم يعرف المعصية؟” يدفعُ بمزمل لزيارة حي العبيد ومن ثمَّ يحفر قبره في مقابر جبل الصحابة.وتنحوُ القصة الثانية منحى ذاته في بنيتها المرتبطة بمكون الشخصية إذ أن سفر عرضو قاسي وهي داية لقرية كلرو لايثيرُ قلق أحد لأول وهلةٍ ولكن ما أن يستمرُ غياب الداية حتى تنتبهَ الأذهانُ إلى حدوث تغير في سلوكيات أهل القرية ورفض النساء للزواج والإنجاب ومن هنا تبدأُ المساعي لحل الأزمة إلى أنْ يقرَ الجميع بضرورة البحث عن عرضو قاسي ،لأنَّ التفكير في بديل لها ليس إلا عبثاً.
بيئة ملهمة
يستقي مؤلف “الكونج” مواد متواليته القصصية من بيئة تكتظُ بالأحداث والمواقف الملهمة و تضفي خفقة اللغة النابضة بالروحانية مزيداً من التشويق لمضامين النص ،كما أنَّ تطويع تقنية الحوار يضاعف من حركية مناخ القصص .تضمُ هذه المجموعة إلى جانب ما ذكرُ عنوانه آنفاً ثلاثة نصوص قصصية أخرى. منها “حكاية حسنة بنت قنديل وماجرى بسببها” إذ يتابعُ المتلقي تأجيج الخلاف بين الشيخين محمد بن الشيخ دياب وعبدالمحسن القريشابي ويدعي كل واحد منهما الإنتساب إلى أرومة مباركة.ويوردُ في سياق القصة التمليحُ إلى ما أحدث الشرخ بين الشخصيتين لكن ماينفخُ في جمرة العداوة من جديد هو هروب طليقة الشيخ عبدالمحسن ولجؤها إلى خصمه فتهبُ حسنة نفسها للشيخ دياب متنازلةً عن المهر مقابل أن يستردَ ما لها من الحق لدى زوجها السابق.يتفاعلُ هذا النص مع رشفات التراث الديني والصوفي ويحيلُ في بعض مفاصله إلى شخصيات دينية .وتتناولُ قصة “لكل عام خريف” بطريقة خاطفة شخصية مجنونة جيب الله المجنون ومايورثه تصرفه القاسي من الكدمات في روح الطالبة نعيمة إبنة الزبير.يُذكر أنَّ جيب الله يتصفُ على مدار العام باللطف والوداعة غير أنَّ حالته تسوء كلما فاض النيلُ تبدوُ أجواء هذه القصة ملبدةً بمؤثرات المحكيات الشفهية أما قصة حلة ود أزرق تقدمُ صورة عن التفاوت في إمكانيات التأقلم مع التحولات الطبيعية بحيثُ أنَّ ماتمرُ به الطبيعة عبارة عن الثورة تضعُ الجميع أمام واقع لايمكن تجاهل إرغاماته،يأتي تميزُ هذه القصص التي تتراوحُ أساليبها بين الحوار والسرد الإخباري من تغلغلها في البيئة المحلية وتطعيمها بحرارة الحكايات الشعبية كما أنَّ الشفافية في التعبير والسلاسة في التسلسل من العوامل المتضافرة لتأسيس هويتها هذا إضافة إلى البساطة في صياغتها التي تذكرك برأي ميلان كونديرا عن سحر البساطة “الأشياء البسيطة في هذه الحياة تثيرنا من دون أن تكون في حاجة إلى تفسير وتبرير” أخيراً إذا كان الإستغراق في المحلية خطوة أولى في الطريق نحو العالمية فإن أدب حمور زيادة سيكون له شأنُ على المستوى العالمي.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0