أدب و تراث تاريخ مختارات مقالات

ثغرات في تاريخ حضارة الحضارة الرومانية كمثال لحضارة حربية عسكرية 

ثغرات في تاريخ حضارة الحضارة الرومانية
كمثال لحضارة حربية عسكرية

بقلم/ رشا صالح

يذكر فرجيل في الإنيادة إن شعب طراودة بعدما طرد من وطنه بحث عن وطن ومستقر جديد حتي وجد أراضي جنوب إيطاليا ومنها استوطنوا روما بذرة الحضارة الرومانية ،تشكلت مدنية روما بعد صراع بين أجناس مختلفة ،بين أهل روما المقيمين وبين النازحين والقبائل الوافدة حتي سيطر الرومان اللاتين آخر الأمر علي روما ومنها بدأت عملية التوسع حتي اخضعت الأراضي التي تعرف بدولة ايطاليا الآن .

ونشأت المدنية علي غرار النظام الإجتماعي الإغريقي فهي امتداد لها بشكل أو بآخر ،حيث كان يقسم الشعب إلي طبقة ارستقراطية و طبقة من عامة الشعب و عدد كبير من العبيد لم تكن لهم أي حقوق،وبخلاف الإغريق كانت السلطة الحاكمة في قبضة هيئة تسمي السناتو (ما يعادل مجلس الشيوخ الآن ) ،في البداية كان يعين الملك أعضاء السناتو ثم بعد ذلك تولي تعيينه حاكمين منتخبين هما القنصلان ،وكان حق الانتخاب مقصورا علي طبقة النبلاء الارستقراطيين ولم يقنع العامة ذلك فمارسوا الضغط علي،النبلاء لنيل حق الانتخاب وأول الضغوط وأكثرها تأثيرا هو الاضراب العام،أما ثانيها فهو التهديد بإقامة طاغية (حيث تقوم العامة بمساندة طاغية ينتزع الحكم من مجلس السناتو ويركز كل السلطات في يده )،وثالثها اللجوء إلى بعض أفراد من طبقة النبلاء ممن يرون وجوب ارضاء عامة الشعب .

رضخت طبقة النبلاء (ظاهريا)تحت هذه الضغوط ولتأكيد حقوقهم أصر العامة علي تدوينها رغم معارضة النبلاء وكان هذا أساس القانون الروماني وهو أبرز ما قدمت الحضارة الرومانية للبشرية .

لم يكتفي عامة الشعب بتلك القوانين وحق الانتخاب فقط بل أضافوا حق تملك الأراضي لمطالبهم والمطالبة بأن يكون أحد القناصلة منهم وبالطبع لم يعجب ذلك النبلاء وتوترت الأمور لسنوات طويلة حتي،عين النبلاء ديكتاتورا هو كاميلوس ولكنه كان واسع البصيرة فحمل الطرفين علي قبول وثيقة يعطي فيها العامة أغلب حقوقهم وأسماها وثيقة الوفاق .
طالب أحرار باقي الأراضي الإيطالية التي اخضعتها روما بمساوتهم بنظرائهم في روما وهددوا بالانفصال والخروج عن سيطرة روما في حال عدم الموافقة فلم يجد النبلاء بد من الموافقة وطلبهم للانتخاب ومهدوا الطرق لتسهيل ايابهم ورحيلهم من روما حال الانتخاب حيث لم تتطور في ذلك الزمان فكرة انتخاب ممثلين من الشعب للانتخاب من كل مدينة .

ولكن لم يعدم النبلاء الحيلة وكان يتم التلاعب بسجلات الانتخاب أو تأخير إرسال الرسائل بموعد الانتخاب وأحيانا منع الناخبين من العامة بالقوة، واستمرت الحياة السياسية لفترات طويلة في حالة توتر وشد وجذب بين المواطنين ، ورغم عدم الإستقرار الداخلي بدأ الرومان في اطماع التوسع والسيطرة علي الممالك المجاورة واحكام السيادة علي البحر المتوسط مما أدي الي الصدام بين روما ومملكة قرطاجة (تونس حاليا ) وبدأت الحروب البونية الثلاثة بين روما وقرطاجة التي استمرت لعقود .

تكونت الجيوش الرومانية كمثيلتها الإغريقية في البداية حيث كان نسيجها الأساسي من المواطنين باختلاف حرفهم والمزارعين المجنديين الذين كانوا يغدون ويروحون لأراضيهم وحرفهم ولكن مع امتداد الحروب زمنا واتساعها لتشمل مساحات من الشمال الافريقي وأسبانيا وبلاد الغال (فرنسا حاليا ) أصبح التبادل بين الجنود المواطنين والغدو والرواح إلي بلداتهم صعب للغاية ولذلك قيدت اسماء الجنود في الحرب لمدد أطول وزادت الاعطيات والأجور ثم اضيفت الأسلاب للاعطيات ومن هنا بدأ ظهور الجندي المأجور ومن ثم نشوء جيش محترف وبالتالي تم نزع السلاح من المواطن الروماني العادي .

ومن ثم انفصمت عري الرابطة بين المواطن العادي والجندي و نشأت روابط جديدة بين الجنود وكتائبهم وبين قوادهم الذين يبيحون لهم الأسلاب وازدادت المصالح المشتركة بينهم التي تعارضت مع طبقات الشعب الذين كان الجنود يوما ما منهم فبعدما كانت طبقة النبلاء يهمها استرضاء العامة أصبحت تسترضي الكتائب ويتملقون لها .

أما بعد فقد انتصرت روما علي قرطاجة وتوسعت الدولة وأخذت الأموال تصب إلي روما صبا ومع زيادة نفوذ الكتائب ظهرت فئة الفرسان التي ازدادت ثراء باقراض القروض للفلاحين الذين لم يلبثوا إلا أن هجروا قراهم و اشتروا الرقيق وأخذوا يزرعون الزيتون والأعناب بدلا من القمح والشعير ونتيجة لذلك ازداد الاثرياء ثراءًا وازاد الفقراء فقرًا .
شعر الرجال العقلاء من السياسيين بالفجوة الإجتماعية والإقتصادية المتنامية في المجتمع الروماني وأولهم تيبريوس جراكوس فأخذ يدعو الجنود للعودة إلي الريف وتجزئة المزارع الكبيرة والحد من استخدام الرقيق واقترح أن تستخدم الزيادة في الثروة لإمداد الفلاحين بالبذور والماشية والأدوات الزراعية وغيرها من القرارات التي أدت إلي نزاع بين العامة واصحاب النفوذ السياسي والثراء انتهي بمقتل
جراكوس الذي أعقبه في الحكم أخيه كايوس .

حاول كايوس تنفيذ خطة أخيه ولكن بطرق أكثر دهاء لمراوغة الأثرياء والفرسان فأصدر قرار بزيادة الضرائب علي الأراضي وإعطاء الفرسان حق جباية الضرائب من كبار الملاك ،بالطبع كان يهدف للوقيعة بينهم إلا أنهم اتحدوا ضده عندما أعلن اعطاء الحقوق المدنية لكل المواطنين وزيادة إعانة القمح الرخيص للمواطنين وانتهي الأمر بذبحه هو وثلاثة آلآف من انصاره في ساحات روما .

استمرت الأمور كما هي عليه حتي ظهر خطر جديد خارجي من مملكة نوميديا التي نشأت علي انقاض قرطاجة ،ومع انزواء العقلاء والسياسيين المحنكين وفي ظل خطر خارجي وتوتر داخلي وصل إلي منصب القنصلية جندي وضيع الأصل هو (ماريوس).

بالطبع لم يهدف إلي الإصلاح ومنازعة الفرسان والأثرياء مصالحهم بل زاد الطين بلة بأن كون جيش آخر من الطبقات الأشد فقرا لتحقيق الانتصار علي ميديا وهو ماحدث بالفعل بعد سبع سنوات من الحروب وعلي انقاض هذا الانتصار ظل يحكم لسنوات طويلة بطريقة غير قانونية واغتال أي زعيم شعبي يعارضه .

تراكمت الثروة في خزائن الأغنياء كما تراكمت الديون علي كاهل الفقراء فقاموا تحت وطأة اليأس بثورة عارمة وحدث الاقتتال الأهلي لمدة سنتين و هُددت الوحدة بين روما وماحولها من أراضي إيطاليا ،وكان يقود ماريوس جيش روما ومعه منافسه اللدود سُلا أما الفقراء فخسروا خسارة فادحة في حرب غير متوازنة القوي ،لذلك قبلوا بنداء الإصلاح فسلبت الثورة منهم وعاد من جديد التلاعب بالناخبين وسحق الفقراء ،فعاد الثوار إلي المكافحة من جديد ولكن الكفاح أصبح أكثر صعوبة بعد إصلاحات ماريوس في الجيش التي أنشأت طرازا جديد من الجنود لا أرض لهم ولا مصلحة غير الأعطيات والأسلاب ولا شعور عندهم بالولاء إلا لقائدهم .
وكما هو متوقع دب الخلاف بين قائدي الحرب فقتل ماريوس علي يد سلا الذي مات بعده غارقا في شهواته .
توالت الأمور علي هذا المنوال حتي يوليوس قيصر ثم اوكتافيوس الذي أعاد مجلس السناتو والانتخاب شكليا فقط.

امتداد الإمبراطورية شرقا وغربا لم يكن دليل تقدم ورقي إنساني فعلي بل كانت حضارتهم مبهرة كجسد ضخم البنيان بينما ترتع فيه الطفيليات ويتكاثر به العفن حتي انفسخ تماما أمام الهجمات البربرية .
ولم تقدم الحضارة الرومانية كثيرا في مجال الفنون والعلوم والفلسفة فالفنون كانت امتداد باهت للإغريق أما الفلسفة فكانت الرواقية مسيطرة عليها لما بها من انعزال و صبر علي مصائب الحياة ،والعلوم ضعفت تماما .
حتي أنهم لم يطوروا نظم للتعليم والمعرفة ورغم فتحهم للبلاد إلا أنهم لم يدرسوها جغرافيا ولم يهتموا بدراسة الشعوب اجتماعيا ونفسيا ، هدفهم هو جباية الضرائب وزيادة الثروة مع مايخدم القوة العسكرية والسيطرة علي البلاد من مد الطرق وتمهيدها وانشاء الجسور وبناء الأسوار لحماية الإمبراطورية وحفر الخنادق ،أي جميع المشاريع لحماية كيانها الحربي العسكري ولذلك لا يكن غريبا استمتاعهم بحلبات صراع المجالدين ومصرع العبيد بكل الطرق الوحشية وسط صيحات الإعجاب ،هذا الظلم والخواء الروحي حفز العقلاء والمهمشين والفقراء إلي اعتناق المسيحية فيستمر الأغنياء وأصحاب النفوذ في اضطهادهم .

أما أصوات العقلاء فلم يلق لها بالا أمام شهوتي المال والسلطة ومع تفاقم الخلل انعدمت سبل الإصلاح وأصبح الخراب نهاية منطقية ،ذلك الخراب الذي من بعده عادت بلاد ايطاليا دويلات متنازعة ومتحاربة مرة أخري و ليعود حلم الاتحاد من جديد.

وتدور عجلة التاريخ.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0