تطوير ذات تنمية ثقافة فلسفة مختارات مقالات

كتاب أربعون: السعادة

من كتاب أربعون – أحمد الشقيري
قسم/ مع نفسي

 

ما الحياة السعيدة؟

هذا السؤال قد يبدو بسيطاً، ولكنه من أكثر مباحث الفلسفة تعقيداً وخلافاً، حتى بين علماء الدين، وهو سؤال أرقني سنوات عدة، وقرأت فيه ربما عشرات الكتب، وتأملت، وتفكرت في نفسي وفي حالي كثيراً محاولاً فهم ما الهدف المرجو الوصول إليه في النهاية، ما مفهوم الحياة السعيدة التي يفترض أن أبحث عنه؟

خلاصة الآراء في المسالة:

  1. ” الحياة السعيدة هي التي يحصل فيها الإنسان على أكبر قدر من المتعة وأقل قدر من الألم” ( ابيكيورس).
  2. ” الحياة السعيدة هي التي تكون بناء على المبادئ والأخلاق بغض النظر عن المتعة واللذة” ( افلاطون).
  3. ” الحياة السعيدة هي التي تغيب فيها المعاناة” ( البوذية).
  4. ” الحياة السعيدة هي التي يتحد فيها الإنسان مع روح الخالق، فيصبحان واحداً، فلا يرى الإنسان نفسه” خلاصة بعض المعتقدات الهندية وبعض الآراء الأخرى التي تؤمن بما يسمى وحدة الوجود.

الغيت الخيار الرابع من تفكيري؛ لأني لا أؤمن بوحدة الوجود، وأؤمن أن الخلق والخالق منفصلان كياناً، فالخلق منفصل عن الخالق، ولا يمكن لهما أن يتحدا.

وقرات كثيراً في النظريات الثلاث الأولى، ووجدت في نفسي أن المحرك الأساسي في حياتي هو الرغبة في اللذة والهرب من الألم، وهذا وجدته ثابتاً في حياتي من الولادة إلى اليوم، ووجدت أن الإنسان في كل قراراته يقيم العمل الذي سيقوم به.. إلخ، ومدى اللذة التي ستجلبها له مقارنة بالألم، فإن فاقت اللذة الألم قام بالعمل، وإن فاق الألم اللذة لم يعمل العمل!

ووجدت أن حساب المعادلات هذه يتم سواء كنا واعين به أو غير واعين، ومن ثم إذا أكلت قطعة حلوى كبيرة على الرغم من أنك تعلم فكرياً أن الحلوى ضارة، فأنت أكلت لأنك تستمع بالحلوى بدرجة أكبر من الألم الذي يسببه لك هذا الأكل، وهكذا في كل أعمالنا الأخرى، ولكن افلاطون يتساءل: لو كانت اللذة هي الهدف الأعلى للإنسان فليسال نفسه لو قيل له: أن بإمكانك أن تكون (حشرة) وافترض هذه الحشرة تعيش في لذة مطلقة منذ خلقتها إلى مماتها، فهل تفضل أن تكون هذه الحشرة أم أن تبقى إنساناً على الرغم من وجود الألم في حياتك؟

أغلب الناس ستجيب، أفضل أن أبقى إنساناً، ومن ثم فهناك هدف آخر للإنسان غير موضوع اللذة، وهنا يأتي مبدأ افلاطون، وهو أن الحياة السعيدة هي حياة الفضيلة والأخلاق والمبادئ، ولكن هل الأخلاق والفضيلة هدف بحد ذاته؟

سيقول أصحاب هذا المبدأ: نعم، هي هدف بحد ذاته، والدليل وجود ناس كثيرين عاشوا من أجل مبادئهم على الرغم مما سببته لهم من الآم كثيرة في حياتهم، بل وأحياناً فقدوا حياتهم وحياة من يحبون بسبب هذه المبادئ.

هذا الكلام نظرياً جميل، وأعجبت به مدة من حياتي، وحاولت تطبيقه، ولكن وجدت صعوبة كبيرة في تطبيقه طوال الوقت، فتبقى اللذة والرغبة فيها جزءاً أصيلاً ومتأصلاً من كياني، واستشعر أنه جزء أساس من خلقة الإنسان وتركيبته الطبيعية، فالإنسان الذي لا يرغب في لذة، ولا يخشى الألم ليس انساناً، والانسان الذي لا تفرق عنده اللذة عن الألم يظهر لي أنه تخلى عن انسانيته!

وأمر آخر يضعف هذه النظرية هو عندما أقرا القرآن، فأجد أن ثلث القرآن أو أكثر هو عبارة عن الترغيب بلذة الجنة والتخويف من ألم النار، وهذا مكرر بشكل كبير جداً ولافت للنظر ما يجعل منظومة القرآن في التعامل مع النفس البشرية تؤيد نظرية أن الإنسان في النهاية باحث في اللذة، وهارب من الألم، وإن هذا هو المحرك الحقيقي له!

وبناء عليه، فالإنسان يكون صادقاً، ويعبد الله، ولا يشتم، ولا يسرق، ليس من أجل هذه المبادئ في حد ذاتها، ولكن من أجل الحصول على اللذة الأبدية في الآخرة!

فإن كان هذا هو المبدأ فمن الممكن أن نفهم سبب الذنوب في الدنيا، فلماذا يزني الرجل مثلاً على الرغم من أنه يعرف أن الأمر حرام؟

يزني لأنه يحسبها في عقله- بشكل واعٍ أو غير واعٍ- إنه يمكن أن يزني، ثم بعدما يتوب، فيغفر له الله، ويدخل الجنة، ومن ثم يحصل على اللذة في الدنيا والآخرة، ويكون بذلك حصل على أكبر قدر ممكن من اللذة، لماذا؟ لأن هدفه مرة أخرى هو الحصول على اللذة في النهاية، وليس الأخلاق في حد ذاتها، وهذا يسبب إشكالية، ويؤدي إلى أن تصبح الأخلاق هدفاً ثانوياً، وليس هدفاً رئيساً بحد ذاته، فما الحل؟

هل الهدف الأساسي ينبغي أن يكون اللذة؟ أم الأخلاق؟

أو بمعنى آخر وأعمق: هل الهدف الرئيس لذة الجنة أم طاعة الله؟

وهو سؤال مهم جداً، وليس سطحياً؛ لأنه يبنى عليه كثير من القرارات في الحياة ، فإن كان الهدف اللذة فقد فتحنا الباب للإنسان أن يرتكب كثيراً من الشرور طالما أنه يحسبها في عقله أنها ستجلب له لذة أكبر من الألم، خاصة مع وجود مبدأ التوبة الذي يسمح بنقص أي ألم ممكن، وإن كان الهدف طاعة الله والأخلاق في ذاتها تناقضاً مع مبدأ أساسي في خلقة الإنسان، وهو البحث عن اللذة والهرب من الألم.

لا أدعي أن لدي حلاً، ولا أدعي أني توصلت للحقيقة في هذه المسألة، ولكن سأكتب ما توصلت إليه إلى الآن، وما أحاول أن أعيش به شخصياً في حياتي مع طول تفكير في هذه المسألة.

خلاصة فكري في هذه المسألة هو:

الهدف النهائي عند الله من خلق الإنسان هو عبادة الله والالتزام بالأخلاق، وهذا واضح في الآية: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ( الذاريات:56) فلم يقل: خلقهم لجنة أو لنار، قال: خلقتهم من أجل تكوين علاقة بينه وبين هذا الخلق اسمها( العبادة) وهذا هو الهدف النهائي عند الله. أما الإنسان فالهدف النهائي عنده هو الحصول على أكبر لذة ابدية ممكنة، وهذا واضح جداً من تركيبة الانسان الجسدية والنفسية والفكرية.

إذن كيف توفق بين الطرفين؟

نقول الآتي: الله أراد خلقاً يعبده عن حرية اختيار، وليس بإجبار، ومن ثم استوجب أن تكون هناك سنن وقوانين في حياة هذا الإنسان الحر تحفزه أن يحقق مراد الله، وهو العبادة.

الله خلق الكون بسنن وقوانين، ومن ضمن هذه السنن أنه قرن أكبر قدر من اللذة للإنسان لطاعته، وقرن أكبر قدر من الألم للإنسان بمعصيته، قانون كوني مثل قانون الجاذبية وقوانين الفيزياء والكيمياء وغيرها، لماذا؟ حتى يحفز هذا الإنسان على أن يحقق مراد الله من خلقه، وهو عبادته سبحانه، ثم أعطاه عقلاً، وأعطاه حرية الاختيار بين كثير من الملذات.

إذن القانون هو : الحياة بناء على المبادئ هي حياة بأكبر قدر إجمالي من اللذة.

بمعنى آخر.. الله قرن لذة الإنسان بتحقيق مراد الله من خلقه، وهو العبادة، فالإنسان الذكي هو من يعقد تحالفاً، ويجعل حياته مبادئ الله لكي يحصل على اللذة الأبدية، وعليه أصبح يحركه الأمران معاً: لأنهما مرتبطان ارتباطاً لا ينفصل: الأخلاق + اللذة

إذن كيف يوفق الإنسان بينهما؟ هنا الاختبار:

في الدنيا على الإنسان أن تكون اختيارته في الأساس مبنية على المبادئ: هذا هو المعيار الأول، هذا هو الفلتر الأول لكل الأعمال، ثم بعد هذا الفلتر إذا مر العمل من فلتر المبادئ يمكن أن يأتي الاختيار بناء على اللذة.

مثلاً لديك مئات الأصناف من الاكل، فهل قرارك في الاكل بناء على اللذة؟ ام المبادئ ( الاكل الصحي)؟

نظريتي تقول: الفلتر رقم واحد= المبادئ، فتقوم بفلترة مئات الأصناف، وحذف الأصناف غير الصحية، فيبقى لك جميع الأصناف الصحية، وهنا تدخل اللذة في الموضوع، فتختار منها ما تجده لذيذاً، وبهذا نكون وفقنا بين المبادئ واللذة تحت قيادة العقل.

مثال آخر: أن يريد الإنسان أن يحصل على المال من أجل حياة كريمة، هذه لذة طبيعية، وهناك عشرات الطرق للحصول على هذه اللذة، فأول فلتر هو المبادئ؛ فيتم الغاء كل الطرق التي تؤدي للمال عن طريق السرقة والغش والكذب، فتبقى له الطرق المسموحة، وعندها يختار الطريق الذي يحبه أو الذي يتناسب مع طباعه وشخصيته.

مثال ثالث: أن يجد الرجل اللذة مع المرأة أمراً طبيعياً، فيقوم بالفلترة بناء على مبدا العفة، ومن ثم يلغي فكرة اللذة خارج منظومة الزواج، ثم يختار المرأة التي تعجبه شكلاً وشخصية، ويتزوجها.

سؤال: فماذا عن مبدا الرجل الزاني الذي ذكرناه سابقاً، والذي يحسبها، ويقول: ممكن استمتع، وازني، ثم أتوب، فأكون حصلت على لذة الزنا ومعها لذة رضا الله والجنة؟

فالجواب:

  1. لا يوجد ضمان انك لن تموت في وضعية الزنا هذه، فتكون خاتمة سوء.
  2. قد تجد لذة في الأمر، لدرجة يصبح الموضوع ادماناً لا تستطيع الإقلاع عنه، ووقتها لن تتوب، وتخسر الآخرة.
  3. قد يكون في الدنيا ألم أكبر بكثير من لذة الزنا، أما ألم مرض من الأمراض الجنسية أو ألم الفضيحة لو انكشف أمرك.
  4. الجنة مقامات، ومقام الفردوس الأعلى كلذة اكبر من لذة الدرجات الأقل في الجنة، صحيح في كل خير، ولكن هناك فرق، فحتى هنا اللذة الأكبر في الفردوس الأعلى.
  5. الحياة من الله بعد أخر مهم، فالله الذي خلقك، وصورك، وأعطاك هذا الجسد، وأعطاك هذه القدرة وهذه الصحة.. أن تعصيه، ولا تحقق مراده يضعف من علاقتك به، ويفقدك متعة أكبر بكثير من متعة الزنا، وهي متعة القرب منه سبحانه، متعة مناجاته والترقي في المقامات التي لا يمكن الوصول اليها مع الإصرار على هذا الذنب، ومن أكبر المتع التي يفقدها المذنب، متعة السلام الداخلي والاستقرار النفسي، فالمذنب مذبذب غير ثابت، متقلب غير مستقر.

نعود للنظرية:

المتعة القصوى ستحصل عليها باختيار الأعمال أولاً بناء على المبادئ الإلهية، ثم بعدها بناء على المتعة، وبهذا توفق بين الأمرين، وتعيش في تناغم بين احتياجاتك وبين تعاليم الله.

نقطة أخرى مهمة.. اتباع المبادئ لن يجلب متعة فورية دائماً، فمثلاً الإنسان المعتاد على البخل لو قال له العقل: سيجد ألماً في الهدف وفي الصدقة، وهنا يأتي مبدأ التدريب المستمر. فالهدف النهائي أن يتبع الإنسان العقل، ويتصدق ، ويكرر الصدقة على الرغم من ألم النفس حتى يعتاد عليها أولاً، ثم حتى تصبح تعطيه لذة، وهذا هو الهدف النهائي أن تصبح المبادئ تسبب لذة حتى لو سببت ألماً في البداية، وهذا هو تعريف ارسطو يقول : ” الكريم ليس من يعطي المال مرة واحدة على الرغم منه أو على مضض، الكريم هو من يعطي دائماً، ويجد اللذة في العطاء”.

وهذا قد لا يأتي من أول مرة، ولكن بالتدريب؛ لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم”. يعنى حتى تصبح حليماً يجب أن تتدرب، وتتحلم (تتفعل)؛ أي بمجهود في البداية حتى يصبح طبعاً فيك، وهذه هي الحياة السعيدة؛ الحياة التي يقررها العقل، ويستمتع بها الجسد والنفس في تناغم ودون صراع، والطريق إلى هذه الحياة تمر بمراحل عدة:

  1. أن يقرر العقل أن يسلك حياة المبادئ.
  2. معارضة الجسد والنفس وصراعهما مع العقل.
  3. استسلام الجسد والنفس لأمر العقل.
  4. تحالف الجسد والنفس مع العقل، بحيث يصبح الجسد والنفس يجدان اللذة في أوامر العقل.

المرحلة الرابعة: هي الحياة السعيدة، وهي النفس المطمئنة، وهي السلام الداخلي، وهي حقيقة الاستسلام لله، وهي مقام المقربين.

والناس في هذه الرحلة أصناف، كما قال أحد الفلاسفة:

  1. الذين فهموا الهدف، ووصلوا لله، وهؤلاء هم العقلاء السعداء.
  2. الذين فهموا الهدف، ولكن لم يصلوا الى الله، وهؤلاء هم العقلاء غير السعداء.
  3. الذين لم يفهموا الهدف، ولن يصلوا، وهؤلاء هم الحمقى غير السعداء.
  4. الذين فهموا الهدف، وقرروا عدم الحصول عليه بل ومعاداة هذا الهدف ومحاربته، وهؤلاء هم المغضوب عليهم.

نقطة أخيرة في فلسفة اللذة:

حتى بعد أن تقوم بفلترة اللذات بناء على المبادئ، وتختار اللذات التي لا تضرك، تبقى خطوة أخيرة لإكمال المعادلة، وهي أن يكون هناك هدف من اللذة، ولا تكون اللذة هدفاً في حد ذاتها، وأن يرتبط هذا الهدف بالله.

فالأكل: هدفه صحة الجسد والبقاء.

والمال: هدفه أولاً البقاء بتغطية أساسيات الحياة، ثم العطاء بمساعدة الناس.

الاستمتاع بمنظر جميل من الزهور في الحديقة: هدفه التأمل في مخلوقات الله في الجمال الإلهي.

مجالسة الأصدقاء: هدفه التواصل مع الناس لنصحهم وفهم أحوالهم ومساعدتهم لتوسيع مداركهم أو مجرد ادخال السرور عليهم.

الضحك: هدفه الترفيه عن النفس لتجديد طاقتها للعمل مرة أخرى.

لعب كرة القدم: لرياضة الجسد وتحسين مهاراته وتفريغ الطاقة في الحلال.

وهكذا لا تقوم  باختيار أي متعة أياً كانت جسدية أو نفسية إلا وتلصق بها معنى فكرياً، وبهذا تكون كل حياتك يسيرها العقل والمعنى والارتباط بالله.

وبهذا يكون الفرق بين شخصين يأكلان كل يوم: واحد يأكل بناء على اللذة ومن أجل اللذة، يأكل كالأنعام من دون أي تفكير ودون أي ربط أو هدف سوى اللذة، وينتهي به الحال للمرض والتخمة والخمول وفقدان السيطرة على النفس في أمور أخرى في حياته.

وآخر يأكل بناء على ما يصلح الجسد، ويأكل وهو واعٍ بالهدف من وراء الأكل، ويحمد الله عليه في أثناء الأكل، وينتهي به الحل إلى استمرار الصحة والنشاط ووضع لذة الأكل في حجمها الحقيقي، ويساعده ذلك على التحكم في شهواته الأخرى.

العمل نفسه، لكن الهدف مختلف، ومن ثم النتيجة مختلفة تماماً بين الشخصين.

ما الذي يحصل لو كانت اللذة الحاضرة الفورية هي الهدف الوحيد والرئيس للإنسان؟

ألخص النتيجة بالقول:

إن كل الآم الانسان ومصائبه واخطائه منبعها هو سوء إدارة الألم واللذة في الحياة.

 

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0