تطوير ذات تنمية مختارات مقالات

كتاب أربعون للشقيري: قيمتك

من كتاب أربعون – أحمد الشقيري
قسم/ مع نفسي

قيمتك

من ماذا تستمد قيمتك؟

ما الأشياء التي تحتاج اليها لتشعر أن لك قيمة؟

عبر حياتي مررت بمراحل مختلفة، ففي مرحلة كانت قيمتي تستمد من مديح أبي وأمي لي وثنائهما علي، وفي مرحلة كانت قيمتي تستمد من مدى انتمائي للشلة في المدرسة، وفي مرحلة أخرى كنت استمد قيمتي من مدى إعجاب البنات بي وبشكلي أو شخصيتي.

وفي مرحلة كانت نوع سيارتي التي أقودها، وفي مرحلة بعد الدراسة كان المال ورصيد البنك من الأمور التي تشعرني بقيمتي. وفي إحدى المراحل لاحقاً كانت قيمتي تأتي من قراءاتي ومدى اطلاعي، وفي بداية برنامج ( يلا شباب) و (خواطر) دخلت الشهرة على الخط، واصبح لها دور كبير في امدادي بالشعور وبالقيمة.. فثناء الناس، وعدد المشاهدات، وعدد المتابعين في تويتر، وغيرها من مظاهر الشهرة، فكلما زادت شعرت بقيمتي.

اليوم قد تكون هناك آثار مازالت عالقة من الأمور السابقة، ويبقى موضوع الشهرة وثناء الناس من أكثر الأمور العالقة في نفسي، وأحاول التخلص منه، ولكن الأمر أخف بكثير، الحمد لله، اليوم مما كنت عليه منذ سنتين أو ثلاث، فالحمد لله اليوم لم أعد أهتم كثيراً بعدد المتابعين، ولكن يبقى في النفس شيء من هذا.

سؤال؟

قيمتك، من أين تستمدها؟ شكلك؟ سيارتك؟ قبيلتك؟ مسماك الوظيفي؟ ماركة شنطتك؟ ضح الناس على نكتك؟

ماذا لو نزع كل هذا منك؟ ها سينهار تقييمك لنفسك؟

ماذا لو لم تعودي تلفتين أنظار الشباب بجمالك؟ ولم تعودي تمتلكين الماركات للفت نظر صديقاتك؟

ماذا لو تقاعدت من منصبك الحكومي؟ أو من وظيفتك؟

ماذا لو ركبت سيارة من موديل قديم، وصغيرة، ومن شركة متواضعة؟

ستتألم؟ ستشعر بانعدام قيمتك ووجودك؟

إن كان كذلك فأعلم أنك تستمد طاقتك من قيمة مزيفة ليس لها معنى، تماماً كالذي يشعر بأنه غني لأن عنده أموالاً كثيرة من لعبة المونوبولي، فهي مجرد ورق كالمال، ولكن مزيف.

إضافة إلى أن هذه كلها أمور خارجية وخطر كبير أن تجعل قيمتك معتمدة على الناس، فتصبح شعورك بذاتك متذبذباً غير مستقر، يرتفع مع ثناء الناس، وينخفض مع غياب ذلك.

في مرحلة كانت قيمتي تأتي من مدى كلامي في المجلس ومدى استماع الناس لي واعجابهم بكلامي أو ضحكهم على نكتي، فقد كان الأمر متعباً جداً.

فلو حصلت على هذا في جلسة اخرج فرحاً ومبسوطاً، ولو في جلسة أخرى لم ألق هذا الاهتمام اتضايق، واسأل نفسي: لماذا ما ضحكوا على النكتة مثلاً؟ أو لماذا لم أتحدث كفاية؟ وأبدا ألوم نفسي، وأحلل الموضوع، أمر متعب جداً جداً جداً!

ولهذه العقدة النفسية سبب منذ الطفولة تحدثت عنها في قسم (مع حياتي).

ولكن بعد أن قررت، وقلت في نفسي: قيمتي ليست في هذا.. حتى لو ذهبت إلى مجلس، ولم أتحدث بكلمة واحدة، فهذا لا ينقص من قيمتي أبداً، فأنا الشخص نفسه، وأهم شيء ما أعرفه عن نفسي فقط لا غير.

سبحان الله! عندما قمت بهذا صرت أشعر براحة عجيبة في المجالس، وأحياناً فعلاً أكون في مجلس، ولا أتكلم كلمة واحدة، وأخرج وأنا سعيد، وغير متأثر أبداً.

وصرت فقط أتحدث عندما اتحدث عندما أشعر بأن هناك شيئاً عندي أود أن أقوله، ولا أتحدث فقط للفت النظر، وهناك فرق كبير جداً بين الحالتين، فرق في النفسية، وحتى يظهر هذا بشكل غير مباشر أمام الناس.

الناس تشعر بضيق من الذي يتكلم كثيراً، ويكون واضحاً أنه يريد لفت النظر، فهذه الأمور، وإن كانت في القلب، ولكنها تظهر للناس، ويحسون بها، وأنت لا تدري.

مؤخراً أصبحت أجد قيمتي في سيطرة عقلي على نفسي وشهواتي، فكلما تغلبت على شهوة معينة، وطردتها من حياتي شعرت بقيمة أكبر، وكلما بدأت عادة حسنة جديدة أشعر أيضاً بقيمة أكبر، والجميل أني أشعر بصدق القيمة، سواء عرف الناس عن هذا الأمر أم لم يعرفوا، المهم أنا أكون عارفاً، وطبعاً الله مطلع من فوق سبع سماوات.

اجعل قيمتك في أمور هي بيدك، واجعل من تهتم أن تستمد منه قيمتك هو ربك لا أحد سواه.

لا من أصدقاء، ولا من زوج، ولا من متابعين.

دائماً نحرص على عدد المتابعين في تويتر، وسناب شات، وفيس بوك.

ماذا لو بدلنا هذا الحرص بحرص على عدد المتابعين من الملائكة في الملأ الأعلى؟

هل الملائكة يتابعوننا؟ طبعاً أكيد، بل ويذكروننا أيضاً عند الله عز وجل!

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0