ثقافة دين مختارات مقالات

كتاب اربعون للشقيري: الغرق في الملذات

كتاب أربعون لـ أحمد الشقيري
قسم/ مع نفسي

الغرق في الملذات

نعم، هو حرفياً غرق، وإن لم يخرج منه الإنسان قبل فوات الأوان لهلك، ولنفهم هذا كله ما علينا فعله النظر في حياة الناس لنرى ما ألت إليه الأمور، فالحكيم هو من يرى المالات ونتائج الأفعال، لننظر إلى حالات في البشر وفرت لهم كل ملذات الحياة، ولم تكن عندهم أي الأم أو مصاعب في حياتهم، ولنبدأ بأباطرة الرومان في عصر الانحطاط : هؤلاء ورثوا امبراطورية ضحمة حدودها مترامية الأطراف، وأموالها ليس لها حدود، وامكانياتها ليس لها حدود، فلم يكن لديهم طموح التوسع، فالإمبراطورية ضحمة، ولم يكن لديهم طموح الغني، فقد كان لديهم من الأموال ما لا يمكن احصاؤه، فماذا فعلوا؟

نجد أنهم انغمسوا في كل أنواع المتع سنوات، ثم بعد مدة بدؤوا يسامون من المتع التي لديهم، ففكروا في متع أكبر وأغرب وأحقر لسد نهمهم الذي لا يتوقف، فمثلاً الامبراطور كلاوديس (70 ق.م- 54م) من شدة ملله، قرر إقامة مهرجان ضخم على أحد الأنهار، وجمع سكان الإمبراطورية، وأحضر السفن الحربية للإمبراطورية، وأقام معركة حربية فعلية في النهر بين أكثر من 19 الف جندي قاموا بالقتال، وأمتلا النهر بالدماء والجثث، كل هذا لماذا؟ للتسلية؛ لأنه شعر بالملل والطفش من الملذات التي عنده.

الامبراطور كاليجيولا ( 12-41م)  معروف بانحرافاته الجنسية، فلم يعد يشبع من الجنس العادي فبداً بالجنس الجماعي، ثم بدأ بالشذوذ الجنسي، فلم يشبع، وانتهى به الحال إلى تدمير الإمبراطورية والانتحار.

الامبراطور نيرون (37-68م) يقال: أنه من الملل هو الذي احرق مدينة روما، وأخذ يعزف، وهو يراها تحترق.

وهذه الرواية وإن لم تصح أو تثبت فيبقى انحرافه وانحراف غيره من أباطرة الروم في الملذات معروف.

ولنضرب مثالاً قريباً وعلى مستوى فردي قد يكون مفهوماً أكثر:

إذا سئلت: ما كل الملذات للرجل؟ ستقول: المال، والقصور، والنساء، والأصدقاء، والشهرة، والجمال، والصحة، والأبناء.

هذا تلخيص كل متع الحياة للرجل ( المتع الحسية) بمعنى أن من يمتلك كل هذا سيكون أسعد الناس صح؟!

فلنر حالة امتلكت كل هذا أنه الفيس بريسلي (1935-1977م) أشهر المطربين في عصره.

مال: بلغت مبيعات أسطوانات الفيس بريسلي على مستوى العالم عدداً خيالياً، حيث وصل الرقم إلى ما يقدر بـ 350 مليون أسطوانة.

جمال: عرف بحمال خلقته.

شهرة: كان من أشهر الرجال على وجه الأرض في عصره.

نساء: لديه كل ما يتمنى من النساء، وتزوج امرأة جميلة، وأنجب منها بنتاً.

قصور: قصره معروف، وإلى اليوم قائم.

باختصار لديه كل شيء، هل كان سعيداً؟ لا، وسيرته توضح ذلك، ونهايته توضح ذلك أكثر، حيث أنه في آخر حياته كان يعاني الاكتئاب والادمان على الحبوب المنومة، وانتهى به الحال أن وجدوه ميتاً في حمام بيته بسبب جرعة حبوب زائدة، نهاية لا يتمناها أحد لنفسه، ونهاية غير منطقية لمن ملك الدنيا ومتعها؛ غير منطقية نعم، لمن لم يفهم تركيبة الإنسان، ولكنها منطقية جداً لمن فهم أن الإنسان ليس جسداً يبحث عن اللذة فقط.

الإنسان يحتاج إلى شيء أعمق من اللذة الجسدية، يحتاج إلى أن يكون لحياته معنى، يكون لحياته هدف نبيل وسامٍ، وإذا خلت الحياة من معنى، فإن متع الدنيا كلها لن تعوضه، ولن تسعده، والخلاصة قول أحد الفلاسفة، ” الحكيم يسعده القليل، والمغفل لا يسعده شيء”. كلمة المغفل هنا ليست شتماً، ولكن تعنى الذي غفل عن حقيقة نفسه.

فقط علينا أن نقارن بين الفيس بريسلي وغاندي مثلاً أو الغزالي، أو مصطفى محمود، أو المصلحين والعباد.

هناك فرق بين حياة من هدفه اللذة ومن هدفه المبادئ والبحث عن الحقيقة. هناك فرق بين حياة يقودها الجسد وبين حياة يقودها العقل والتفكر. وطبعاً كلامي هذا ليس حكماً على أحد.

فالله أعلم ما هو حكم الله على الفيس وما هي ظروفه الشخصية التي أدت لهذا.

والله وحده يعرف مصيره وهو الذي سيحاكمه وليس لبشر أن يحكم على أي انسان.

ولكنه مجرد نظرة على حياته للاتعاظ منها والعبرة والاستفادة.

انظر إلى حياتك.. هل كلها أكل وسهر ولعب وبسطة وفلة وتلفاز وخرجات وطلعات؟ هل أنت سعيد؟ هل أنت فعلاً سعيد؟ ولو نعم، هل تعتقد يمكن أن تستمر على هذا الحال؟ إلى متى؟ وماذا بعد؟ فأين تذهبون؟ وتذكر قول أحد المفكرين: “لا شيء يشبع الانسان الذي لا يشبعه القليل”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0