تطوير ذات تنمية مختارات مقالات

كتاب اربعون للشقيري: التعامل مع الألم

من كتاب “أربعون” ل/ أحمد الشقيري – قسم “مع نفسي”

التعامل مع الألم

السلام الداخلي هو فن التعامل مع الألم.. عندي عادات سلبية كثيرة استخدمها للهروب من الألم بدلاً من مواجهته، ففي هذه الخلوة أتمنى أن أصل إلى وسيلة واضحة لكيفية التعامل مع الألم، فالألم نوعان:

  1. جسدي، ويسمى وجع (Hurt).
  2. فكري، ويسمى صراع (Struggle).

فأما الجسدي فهو نوعان:

  1. ضروري كالجوع والعطش، ووجع قضاء الحاجة.
  2. غير ضروري، وهو كل الإصابات العارضة والأمراض التي توجد في الجسم، وسميتها غير ضرورية، بمعنى أنها لا تأتي لكل الناس، والجسم لا يحتاج إليها يومياً في منظومة بقائه، مثل الآلام الضرورية.

النوع الثاني الفكري، وهو نوعان:

  1. فردي ، هو الآم نفسية غير جسدية خاصة بك، وليس لها علاقة بعلاقتك مع الناس، مثل الخوف من الموت، أو الخوف من المستقبل.
  2. مجتمعي، وهو كل الآلام الخاصة بعلاقتك مع الناس، مثل الألم من انتقاد الناس لك أو من سخرية أحدهم منك، أو الخوف من نظرة الناس إليك إذا فشلت، أو الاستحياء من شكلك أو الخوف ألا يعجب الشخص معين بمظهرك.. إلخ.

اسميت الألم فكرياً، وليس نفسياً؛ لأن كل ألم نفسي أساسه الفكر في العقل.

معادلة الألم النفسي: الألم النفسي= الفجوة بين الواقع وبين ما تريده، ففي هذه الفجوة يكمن الألم، ولذلك يسمى صراعاً، فالمصارعة هي بين أطراف عدة، والألم النفسي هو صراع بين الواقع من طرف، وما يريده عقلك من طرف آخر ولإنهاء الألم النفسي عليك بسد الفجوة، والفجوة لا تسد إلا بأحد أمرين:

  1. تغيير الواقع؛ ليطابق ما تريد.
  2. تغيير ما تريد؛ ليطابق الواقع، أو إن لم يكن إرادة الواقع، فعلى الأقل تقبله.

إذن أين الفكر في الموضوع؟ ولماذا الفكر هو الذي يسبب الألم؟ الفكر يأتي في جانب: (ما تريد) في المعادلة السابقة، فكل شيء تريده مبني على فكرة موجودة في رأسك، وغالباً هي موجودة في عقلك اللاواعي، ووضعت هناك سنين بسبب حادثة معينة أو موقف معين.

مثال بسيط من حياتنا اليومية،،،،،،،: الأخ فيصل مثلاً.

موقف: السائق أمام فيصل دخل عليه فجأة في الشارع دون استئذان أو إشارة.

رد فعل فيصل: ضرب البوري+ السب والشتم يا #؟! يا ابن الـ #؟! وهذا هو رد فعل فيصل سنوات كلما تعرض لموقف شبيه.

تسأل فيصل: لماذا شتمت السائق؟

فيقول: يا أخي، هذا انسان غير محترم ألا يراني، فأنا وراءه؟ كيف يجرؤ على أن يدخل علي دون إشارة، فانه قليل أدب ولم يحترمني.

الآن يجب أن تجيب عن أمرين:

  1. ما الفكرة التي خطرت على فكر فيصل؟
  2. من أين جاءت هذه الفكرة أصلاً؟
  3. لماذا كان رد فعله الشتم؟

الفكرة التي لدى فيصل= السائق الذي يقطع على الطريق لا يحترمني.

عدم الاحترام بالنسبة إلى العقل اللاواعي هو خطر على الإنسان، فيحصل غضب، فأي شعور يأتيك هو بسبب فكرة معينة.

من أين جاءت هذه الفكرة لفيصل؟

  1. ممكن أول موقف شبيه تعرض له كان شخص أظهر عجم احترام له بشكل واضح، فأعطاه نظرة أو شتمه أو شيئاً من هذا القبيل.
  2. ممكن أول موقف كان مع أبيه وفيصل صغير، فغضب الأب، وقال: هذا رجل ليس محترماً… إلخ، فرسخت الفكرة في عقل فيصل.
  3. أو أي أصل آخر للفكرة.

لماذا تعامل فيصل مع الموقف بالشتم؟

هذا الموقف سبب الألم لفيصل، والألم كان سببه شعوره بعدم احترام السائق له، وهذا شعور جاء بسبب الفكر الذي في رأس فيصل المذكور سابقاً، وفيصل من أساليب تعامله مع الألم أنه يفرغ طاقته بالسب والشتم، سواء تعلمها من أبيه أو من صديقه أو من التلفاز، ورسخت فيه، وأصبحت عادة، الآن السؤال المهم: كيف يمكن القضاء على هذا الألم كلما حصل هذا الموقف؟

نذكر بالمعادلة: معاناة= فجوة بين الواقع ، وما تريد.

فكرة أن يغير فيصل الواقع ليست حلاً في هذا الموضوع؛ لأنه لا يستطيع التحكم في كل السائقين في الشارع، فهذا واقع خارج عن سيطرته، وتغييره مستحيل.

إذن الحل في تغيير ما يريد، وتغيير ما يريد يأتي بتغيير الفكرة التي عنده حول الموقف.

الفكرة: السائق الذي يقطع علي الطريق لا يحترمني.

السؤال: هل هذه فكرة سليمة دقيقة؟

هل تعبر عن كل المواقف التي يقطع فيها سائق الطريق؟

ألا توجد احتمالات أخرى؟

  1. ما يعرف كيف يسوق.
  2. جديد في البلد ومرتبك.
  3. مستعجل عنده موعد مستشفى.
  4. والده توفي منذ ساعة، ولم يركز في الطريق.
  5. فعلاً اخطأ، ولم ير السيارة وراءه بالخطأ، ولكنه لم يفعل هذا عن قصد، ولم يقصد قلة الاحترام.

وهكذا عشرات الاحتمالات الأخرى غير فكرة عدم الاحترام.

ومن ثم لو تغيرت فكرة فيصل إلى فكرة أخرى، مثل:

(لعله لم يرني) وصارت هذه العبارة هي التي تخطر على باله إذا حدث موقف شبيه.. فوراً سينتهي الألم! لن يشعر بالغضب، ولن يشتم! وهكذا يكون فيصل قضى على واحد من صراعاته الداخلية إلى الأبد.

وهذا هو المقصود بالقضاء على الألم النفسي، فهو تغيير الفكرة الموجودة في الرأس عن موضوع معين، فإذا تغيرت الفكرة تغير الشعور، واختفى الألم، والنتيجة النهائية هي أن يتقبل فيصل الحقيقة أن الناس لن تسوق دائماً بشكل سليم، وأن هذا واقع عليه تقبله.

الأفكار الخاطئة التي في رأسنا موجودة في العقل اللاواعي مخزنة منذ سنوات وإحدى مزايا العقل اللاواعي هي سرعة استحضار الأفكار وردود الأفعال بشكل سريع جداً لا يلحق معه العقل الواعي أن يدخل في الموضوع ليغير الفكرة، فمثلاً فيصل عندما يحصل موقف السيارة في المرة القادمة فعقله اللاواعي سيخرج فكرة عدم الاحترام، وسيكون رد الفعل السريع.

هذا عادة ميزة للإنسان حتى يواجه الأخطار، فالإنسان في الأغلب إذا رأى أسداً عقله اللاواعي فوراً يدبر حبكة الهروب في أقل من ثانية، فلا يوجد وقت للعقل الواعي أن يتأمل الموقف، ويحلل، ويتفكر،{ فإن الأسد سيأكله، وهو مازال يفكر:

ولكن العقل اللاواعي ما يفرق بين أسد مهاجم في الغابة وسائق دخل عليه في الشارع، بالنسبة إليه كله في خطر عليه، سواء خطر أسد سيأكله، أو شخص لم يحترمك، وعدم الاحترام خطر على بقائك، ولكن العقل اللاواعي لا يفرق، وهنا تكون ردة الفعل السريعة هذه عيباً وليس ميزة.

والسؤال الجذري هو: كيف يمكن ادخال معادلات وأفكار صحيحة بدلاً من الأفكار القديمة في ظل هذا التحدي في طريقة عمل العقل اللاواعي السريعة والتلقائية؟

عقلان يحتاج إلى أسلحة في مواجهة كل من شهوان وعطفان.. لماذا أسلحة؟ هل هي حرب؟

نعم، حرب بمعنى الكلمة، وهي حرب مصيرية تحدد مصيرك في الدنيا والآخرة، فعليك بالاستعداد لها، وعقلان لابد أن يكون جاهزاً مع ملاحظة أن شهوان وعطفان ليسا عدوين، فهما من المفترض موجودان لخدمتك، ولكن سوء برمجتهما جعلتها يخرجان عن السيطرة، ولهذا أصبحا عدوين مؤقتاً يجب تقويمهما ليصبحا حليفين، الأسلحة الآتية يمكن استخدامها ضد أي من شهوان أو عطفان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0