تنمية صحة عامة وطب مختارات مقالات

كتاب أربعون للشقيري: الغريق

من كتاب “أربعون” ل/ أحمد الشقيري – قسم “مع نفسي”

الغريق

 

قيل: لا يخشى الغريق بللاً!

فهو على وشك الموت، وأن تتبلل ثيابه فهو أخر همه.

معالجة صراعات النفس تستوجب عملاً شاقاً وكثيراً من التضحيات. ولن يقوم بهذه التضحيات إلا من استشعر أن نفسه تغرق، وأن عليه انقاذها، وإلا فمن يعيش ببرود أعصاب، ويعتقد أن أموره تمام، وأنه من الناجين ( بل حتى من المقربين) ويشعر بالأمن على الرغم من ذنوبه، بل ربما يحلل ذنوبه، ويبررها، فهذا لن يبذل جهداً لإنقاذ نفسه؛ لأنه لا يرى أنه يغرق أصلاً.

أما لو كنت من المستشعرين أنك تغرق، فستقوم بأي عمل لإنقاذك، ولن يهمك، ولن تخشى من كلام الناس، ولن تخشى من صرف المال، ولن تخشى من التضحية بالأصدقاء والأوقات، ولن تخشى من ترك الملهيات، فكل هذا ثمن رخيص مقابل انقاذ نفسك.

قال الشاعر:

على مثل ليلى يقتل المرء نفسه           ويحلو له مر الغرام ويعذب

فإذا كان يحلو المر والعذاب من أجل الوصول إلى ليلى، فما بالك بالوصول إلى نجاة نفسك والوصول إلى الله الواحد الأحد؟! ألا يحلو مع هذا مر التعب والقراءة والبحث ومجاهدة النفس؟

حكيم الصين والمؤسس لقيمه الأخلاقية كان يقول: ” في عمر السبعين فقط استطعت أن اتبع رغبات قلبي دون قلق من أن ارتكب خطأ”.

بالله! يعني الرجل ظل 70 سنة يتدرب إلى أن وصل إلى أن قلبه لم يعد يرغب، أو يتمنى، أو يشتهي الخطأ والذنب، وأصبح فقط يشتهي الحق والفضيلة، ومن ثم اطمان كونفوشيوس!

ولكن متى؟

بعد سبعين سنة! ولذلك أيضاً قال أحد التابعين:” جاهدت نفسي أربعين سنة حتى تخلصت من أحد ذنوبي”.

فمهم لسالك الطريق ألا يحبط من العقبات والانتكاسات التي سيواجهها، فالطريق وعرة، ولكن مقام الطمأنينة يستحق العناء.

والخلاصة وصف الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعّا لما جئت به”(1) أي أن الهوى (شهوان وعطفان) أصبحا جنديين تابعين لعقلان، ويجب معرفة أن الطريق إلى المحبوب طويل، وأن الوصول إلى النفس المطمئنة التي تتناغم فيها أعضاء الإنسان- كما تحدثنا- أمر لا يحصل بين يوم وليلة، فيجب فهم أن هذا مقام يحتاج إلى عشرات السنين من التدريب والتهذيب.

((1) قال النووي في الحديث الواحد والأربعين من الأربعين النووية، حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. وقال ابن حجر في الفتح (13/289): أخرجه الحسن بن سفيان وغيره ورجاله ثقات، ونقل تصحيح النووي، بينما ضعفه الالباني في تحقيقه للمشكاة (1/36 رقم 167) وتابعه السقاف في تخريج  أحاديث الظلال (237 رقم 664).

طبيعة الثلاثي ( عقلان وشهوان وعطفان)

عقلان هو أنت، وهو الجزء الذي تتحكم فيه، وهو الجزء الواعي فيك، هو أنت.

أما شهوان وعطفان فهما جزاءان آليان (Robots)يعملان لخدمتك، وهما جزء (اللاوعي) غير المفكر، وجزء مبرمج على العمل بالية معينة. وهما يعملان على نظام تلقائي (Autopilot) مثل الطائرة، عندما تبرمج على أن تطير دون طيار، بحيث يعملان دون الحاجة إلى عقلان، لماذا؟

فكرة البرمجة ضرورية للإنسان، فمثلاً عندما تتعلم القيادة في البداية عقلك الواعي يجب أن يعمل بشكل مستمر، ويركز في كل حركة، ثم عندما تتعلم تكون برمجت العقل اللاواعي، وتصبح القيادة أمراً تلقائياً في العقل اللاواعي، وتسوق وأنت ربما سرحان، وفكرك منشغل في أمور أخرى. مثال آخر: تعلم المشي في بداية العمر تبدأ بالعقل الواعي الذي يبذل الجهد ليتعلم، ثم ينتقل إلى العقل اللاواعي.

تعلم ربط الحذاء، وتعلم القراءة، وغيرها كثير، كلها تبدأ بالعقل الواعي وبذلك الجهد، ثم تذهب إلى الجزء اللاواعي (Autopilot).

وهذا المبدأ (مبدأ العمل التلقائي للعقل اللاواعي) مفيد من ثلاث نواحِ:

  1. يوفر طاقة، فالعقل الواعي يستنزف طاقة أكبر للعمل، فعندما تعلمت القيادة لأول مرة هل تذكر كمية الطاقة التي استنزفتها والتركيز والجهد؟ تخيل أن تهدر هذه الطاقة في كل مرة تقود السيارة؟ فالعقل اللاواعي يؤدي هذه المهام بطاقة أقل ليسمح لك بصرف طاقتك في أمور أخرى أهم.
  2. يجعل الأمور اليومية الروتينية تسير بشكل تلقائي، حتى تستخدم عقلك الواعي في أمور أخرى، فتخيل لو أنك كل يوم تلبس الحذاء تبذل التفكير والتركيز نفسه الذي كنت تبذله، عندما كنت طفلاً، وتعلمت لأول مرة ربط الحذاء وتخيل أنك تبذلك المجهود نفسه في كل أعمالك اليومية، وكأنك تقوم بها لأول مرة، فلن تستطيع استخدام عقلك الواعي لشيء آخر.
  3. التعامل بسرعة مع الأمور المكررة، فعندما تقود السيارة، وترى مطباً أمامك فوراً عقلك اللاواعي يدعس على الفرامل بشكل تلقائي وسريع، فلا يوجد وقت لعقلك الواعي أن يحلل الموقف، ويقرر، ففي هذا مضيعة للوقت قد تعرضك للخطر.

إذن نعود مرة أخرى: شهوان وعطفان يعملان بشكل مبرمج تلقائي، فمن أين يحصلان على هذه البرمجة؟

أنت اليوم عمرك 30 سنة مثلاً، ومبرمج عطفان على التعامل مع كل من ينتقدك مثلاً بأسلوب معين وهو الأسلوب نفسه منذ سنين لنقل مثلاً: محمود عندما ينتقده شخص فوراً يغضب، ويبدأ يسب ويشتم من أمامه.

هذه هي برمجة عطفان في التعامل مع نقد الناس، فمن أين جاءت هذه البرمجة؟ ولماذا هذه البرمجة مختلفة بين محمود ومحمد وسارة ونادية. كل واحد عنده برمجة مختلفة عن الآخر في التعامل مع من ينتقده. فمن أين جاء هذا الاختلاف؟

من مصادر عدة:

  1. الأب والأم وأسلوب تعاملهما مع مواقف شبيهة كان يراها محمود وهو صغير، فدخلت ، وبرمجت عقله اللاواعي (عطفان تحديداً) للتعامل بشكل شبيه.
  2. الإخوان والأخوات والأصدقاء.
  3. في أثناء المدرسة عندما كان محمود يواجه انتقادات تعامل بهذا الأسلوب مرتين أو ثلاث مرات بشكل واعٍ، ثم انتقل هذا الفعل إلى عطفان، وأصبح برمجة تلقائية.
  4. مشاهدة هذا الأسلوب في البرامج والأفلام.

قد يكون مصدر واحد مما سبق أو المصادر مجتمعة في التي برمجت محمود على رد الفعل هذا. والشيء نفسخ في باقي الأمور، الأكل الذي تأكله وتشتهيه، وأسلوب تعاملك مع التوتر، وكونك مدخناً أم لا، ومدمن كحول أم لا، وتكذب دائماً أم لا، وتغتاب في أغلب حديثك أم لا وتشتم أم لا.

كلها برمجات خصلت لك في أثناء طفولتك ومراهقتك من محيطك الخارجي ومن بعض قراراتك الخاصة، حتى أصبح الموضوع مبرمجاً في السوفت وير (Software) التابع لشهوان وعطفان.

الآن محمود عمره ثلاثون سنة، وقرر أن هذا الأسلوب في التعامل مع النقد خطأ وغير مجدٍ، وقرر أن يغيره، فهل الأمر بهذه السهولة؟ لا، طبعاً.

لأنه الآن كل مرة ينتقده شخص، فعطفان يتدخل بشكل سريع وتلقائي. ويتصرف بناء على البرنامج الموضوع له منذ سنين، وقبل أن يكون لمحمود فرصة أن يفكر، ويغير رد فعله.

ومن ثم أصبح ضرورياً لعقلان أن يستطيع التصدي لعطفان ومحاولة إعادة برمجته ليغير من رد الفعل، وهنا يكمن السر في كل عمليات تطوير الذات والاقلاع عن العادات السيئة وبدء عادات حسنة. السؤال الدائم هو كيف يمكن أن تتم إعادة البرمجة للجزأين الآليين في داخلك (شهوان وعطفان) ليتم وضع برمجة جديدة تناسب ما يراه عقلك أنه الصواب. خاصة لو كان عطفان وشهوان مبرمجين منذ سنين على ردود أفعال معينة وبالتالي فهما معارضان لتغيير البرمجة وغير متقبلين لها.

سقراط كان يقول: ” أن الحياة الفاضلة هي الحياة التي يقودها العقل”.

وقالوا : ” كن على شهوتك أميراً، وليس لها أسيراً”.

ولكن السؤال هو : كيف؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0