أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية قطار الليل إلى لشبونة

بقلم/ نجوى الجزائري

في نهايةِ الأمر و بعد ترددٍ و صراحة ملل ، قررت أخيرا أن أكتب رأيي المتواضع بالرواية – لا من وجهة نظر ناقدة فأنا بعيدة كل البعد عن الميدان و التخصص كما كنت و لا أزال أقولها دائما – بل رغبة مني دائما في مشاركة ما أقرأ مع الأصدقاء فالمتعة كل المتعة في نظري هي في مشاركة ما نقرأ من أفكار و معلومات و مناقشتها في جو فكري راقي و نحن نستنشق عبق الحبر بإعتبارنا من مدمني هذا السحر الأخاذ، ربما كنت من مؤيدي (رولان بارت ) في مقالته (موت المؤلف) و أعتبر ما ذهب إليه إنصافا و اعترافا بحق القارئ و دوره أيضا في حركة أو عجلة الرواية ،بدءا من المؤلف، الرواية لتصل أخيرا إلى القارئ، و أرى أن يصبح القارئ سيد و مدير هذه العجلة بالنهاية ، و كما ذهب إليه بارت في مقاله من أن موت المؤلف هو إيذان بميلاد القارئ، ولا معنى لميلاد القارئ إذا لم يقم بتحريك و قراءة النص أفقا ،إضاءة وابتكارا، وهذه هي قوة النص وحيويته من جهة، وقوة القارئ وحيويته من جهة أخرى، أعتبر هنا أن هذا الميلاد هو نتيجة طبيعية و صحية بقدر قوة ، صحة و جمال النص و قدرته على بذر أفكار جديدة حيوية و رائدة في تربة القارئ، تمنحه بذلك حياة ،حيوية و وجود إذ هو بداية لا نهاية، و إذ هو بدره سيخلق قراءات متعددة للرواية لا نهائية ، متنوعة و حتى غامضة و جديدة كل الجدة عن النص الأصلي في أحيان أخرى ، و بذلك أيضا قد ينتج نصا أو نصوصا بلا توقف ولا نهاية و إذ ذاك تدور العجلة و لا تتوقف.
قطار الليل إلى لشبونة رواية للروائي والفيلسوف السويسري باسكال ميرسيه، تحكي قصة أستاذ اللغات القديمة (موندوس غريغوريوس)، رجل في الخمسينات من العمر يعمل أستاذا للغات القديمة في كُلية (برن) في سويسرا، يلتقي غريغوريوس بالصدفة و في طريقه لدرسه بإمراة “برتغالية” كانت على وشك رمي نفسها من على جسر “كرشنفلد”، ينقذها غريغوريوس و يأخذها معه إلى قاعة الدرس ، تتسلل المرأة بعدها خارج القاعة لتترك وراءها كتاباً بجيب معطفها و تختفي، يأخذ غريغوريوس هذا الكتاب الذي قلب تفكيره و حياته بعدها إلى الأبد، يستقل بعدها قطاراً ليلياً نحو لشبونة متتبعا كلمات و أفكار الطبيب والثائر البرتغالي (أماديو دو برادو) صاحب كتاب (صائغ الكلمات).
بداية فكرة الرواية جميلة و عميقة جداً، يحيلنا فيها (باسكال ميرسيه) إلى سؤال جوهري و وجودي (إذا كنا لا نعيش إلا بجزء صغير مما يعتمل في دواخلنا ، فما هو مصير بقية الأجزاء إذن ؟) و هنا تقفز التساؤلات تباعاً، تقض مضجع البعض و البعض الآخر ربما يحاول كتمانها أو كبتها بوضع عصابة الروتين حتى لا تتقافز أمام ناظريه بين الفينة والأخرى، فهل نحن مستعدون في لحظة ما للتخلي عن كل ما نزعم أننا حققناه في حياتنا و أننا وصلنا إلى تحقيق أحلامنا ؟ أم نستسلم لأقدارنا و لتجرفنا الحياة في نهرها الهادئ و الجبار في آن معا ؟
(غريغوريوس) و لتحقيق ذلك ركب قطار لشبونة ، قطار العودة إلى الذات عبر البحث في سيرة صاحب كتاب (صائغ الكلمات ) الطبيب (أماديو دو برادو) ليطرح هنا تساؤلا ( هل كان بإمكان أفضل الطرق التي نسلكها للوثوق في أنفسنا هي أن نمر عبر معرفة شخص آخر و فهمه؟ رجل سارت حياته بشكل مختلف و تسير وفق منطق مخالف لمنطقك أنت ؟) غريغوريوس بشخصية أستاذ اللغات القديمة، عبقري اللغة اللاتينية و العبرية ، يعيش حياته بعد طلاقه من زوجته التي رأت بأنه” ممل” بين المعهد ، القراءة و لعبة الشطرنج ، حياة روتينية رتيبة ، لتقفز فجأة و صدفةً أيضا فكرة التخلي عن كل شيء و تتبع حياة الطبيب أماديو، أماديو بدوره كان رجلا عبقريا و ثائرا بعدها ، يقول أماديو في أحد تأملاته(من بين آلاف التجارب التي نخوض غمارها، هناك تجربة واحدة لا غير يمكن أن تسعفنا في نقلها الكلمات ومن بين كل التجارب الخرساء المستعصية على القول تكمن تلك التي تهب لحياتنا، خلسة، شكلها ولونها، ولحنها معاً) أماديو الكاتب الحساس أيضا الذي أسعفته كلماته في كثير من الأحيان في نقل تجاربه و تأملاته و تدوينها و الجهر بها أيضا في وجه الظلم و الاستبداد الذي ميز فترة من فترات الحكم العسكري و البوليسي في البرتغال، فكان ولداً ثائرا في وجه والده القاضي ، و في وجه مدرسيه و المجمتع ككل.
لكن و رغم الفكرة العميقة للرواية و فلسفيتها إن صح التعبير و رغم الإقتباسات الموفقة و التأملات الرائعة التي تطرح عدة تساؤلات عن الحياة ، العائلة، السياسة، الحب و السعادة ،إلا أنك تحسها مبتورة ، كأن بها عيبا أو نقصا قلل من جمالية إكتمالها ، كأن نوعا من عدم الترابط أو القفز عاليا ، رغم أن الرواية لا تفتقر للطول، كمية الصدف في الرواية شوهت برأيي واقعيتها ، الشخصيات التي بلغت من العمر عتيا (بعضهم فاق التسعين) لازالت تتذكر و بدقة متناهية تفاصيل حياتها و حياة أشخاص عاشوا معها، و أنها على إستعداد و بطيبة خاطر نكأ جرح الماضي أمام شخص غريب ( لا يتقن اللغة البرتغالية جيدا ) فقط لأنه يملك فضول معرفة قصة شخص آخر ، أما عن نهاية الرواية فكانت مخيبة للآمال صراحة أحسست في بداية الرواية أن الكاتب يعدنا بتجربة فريدة من نوعها قد تغير حياة القارئ و تدعوه هو نفسه لخوض تجربة التخلي و التحرر من حياته الرتيبة و البحث عن الذات، لكن النهاية جاءت مبتورة و كأن الراوي قد بتر بذلك أيضا أحلام القارئ و تخيلاته في البدء برحلة على متن قطار العودة إلى الذات.

قد تكون صورة لـ ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نص‏‏

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0