أدب و تراث فكر مختارات مقالات

وظيفة الأدب بين المنفعة والإمتاع

 

وظيفة الأدب بين المنفعة والإمتاع

 

بقلم / د. خضر محمد أبو جحجوح

ينبجس الإبداع الأدبي من تراكمات التجربة البشرية، المتغلغلة في معين النفس الإنسانية المبدعة، التي تطمح إلى تشكيل أبجديات الواقع المعيش، والتعبير عن أشكال إحساسها فيه وبه، وإعادة صياغته بغية العيش ضمن إطار رؤية معينة، شاملة، أو ناقصة، كلية أو جزئية، فالإبداع يدور في محور الإنسان، وما يحيط به من عناصر الزمان والمكان، وما يصبو إلى تحقيقه ، وما يتخيل وجوده ويحلم به، في علاقة تفاعلية بين المتلقي والمبدع الذي يصوغ تجربته في بوتقة التفاعل المتصاعد.

ولم تنفصل قضية الإبداع الأدبيّ ضمن ذلك الإطار، عن أداء مهمات متنوعة تنوع أشكال الحياة التي يحياها الإنسان، وبالرغم من اختلاف المدارس الأدبية التي تناولت الوظيفة الأدبية ، قد أقروا بأن للأدب وظيفة ما سلبية أو إيجابية مباشرة أو غير مباشرة .

والأدب تعبير لغوي بدلالات خاصة وعامة، عن تجارب المبدعين من شعراء وقاصين ومسرحيين وكتَّاب، لأهداف تتراوح بين الذاتية والجماعية ضمن الإطار البشري في الحياة المتعددة الأشكال، والألوان والمشارب والاتجاهات.

فالأدب للإنسان ينبثق من تجارب الإنسان، والإنسان كائن حي يشتمل على الروح والمادة والعقل والوجدان، وهو يحتاج إلى ما يشبع احتياجاته المتعددة التي تتعلق بمكوناته المتضافرة المتشابكة تشابكا محكما، لا تنفصل إحداها عن الأخرى، بل هي متلاحمة تلاحما ديناميكيا في بوتقة تفاعلية تضمن السير المتوازن بقدر حجم التلقي في كل مجال من مجالات تلك المكونات المتنوعة، التي تشكل الإنسان، وإذا كان العلم يغذي الجوانب العقلية فإن الأدب يغذي الجوانب الوجدانية والأحاسيس ، وقد يغذي الأدب العقل والعاطفة معا، وقد يشبع العلم العقل والعاطفة معا؛ لأن شبكة العلاقات التي تكون الوعي الإنساني متداخلة ومتشابكة ، والفصل الحقيقي بينهما أمر صعب معقد تعقيد شبكة العلاقات بينهما، فالعقل يؤثر في الوجدان ويتأثر به، والوجدان يتأثر بالمدركات الحسية والمجردة ، وبالخبرات المكتسبة.

وبذلك يكون الأدب غذاءً للعقل والوجدان، به تنتقل التجارب الإنسانية عبر الأجيال المختلفة من شخص إلى شخص، ومن جماعة إلى جماعة ومن جيل إلى جيل، إنه اختزال لمسلسل التجربة الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل، فالأديب إنسان يعيش في عالم حي زاخر بتجارب تنبجس من تفاعلات الحياة البشرية، في مسارها الطويل الممتد عبر الزمان والمكان، عبر مؤثرات كثيرة متنوعة ومختلفة، تلك التجارب تشكلت في دهاليز العقل والوجدان، وتوزعت بين الحب والبغض، والفرح والحزن، والعدل والظلم، والثورة والخنوع، والحرب والسلم، والتفاؤل والتشاؤم، والصبر والجزع، والرضا والتمرد، وكل ما يتبادر إلى الذهن البشري من معالم تلك التفاعلات الشعورية بين العقل والوجدان في خضم الحياة المتلاطم.

والأديب الذي تشكل في بوتقة التجربة الإنسانية يبدع، ويرشح إبداعا أدبيا راقيا ليمتع نفسه، ويخفف عنها وخز شحنات المشاعر المختزنة في عقله ووجدانه، وليمتع غيره ممن يجدون في إبداعه تعبيرا حيا عن خلجات نفوسهم ونبضات مشاعرهم، وكأنَّهم حين يقرأون ما يبدع يحسون أنهم كانوا سيقولون مثل ما قال، وأن رؤاهم وأفكارهم متقاربة إلى حد كبير، وكأن من كتب هـــم وليس الأديب، وهنا تتجلى معاني التوحد بين التلقي والإبداع في قمة الإمتاع النفسي العقلي والوجداني.

والأديب يهدف إلى تغيير معالم واقعٍ يحياه ( سواء بطريقة سلبية أم إيجابية ) ويسعى إلى تحويره، وإعادة صياغته، وترتيب أشكاله، فتكون تجربته إمتاعا ومنفعة، تختزل معادلة التواصل البشري على مر العصور.

وقد أسهم الأدب بأجناسه المختلفة في تشكيل الوعي البشري، وتعديل الاتجاهات، وتشكيل مسارات تدفع الناس نحو سلوك معين، يتجلى ذلك في الدراما على سبيل المثال، وما يتخللها من صراع يؤثر، وتأزم يسهم في إيجاد حالة من التأثير الذي ينعكس على نفس الإنسان، ويؤثر فيه يوما بعد يوم، كذلك تسهم القصائد والأناشيد في تشكيل تيار مؤثر يدفع الناس لسلوك اتجاه معين، واتخاذ موقف معين في ظروفٍ، وملابسات يمرون بها في واقعهم، وبذلك يكون للكلمة الأدبية دورٌ فعال في توجيه السلوك البشري بالقصيدة والمسرحية و القصة والخطابة والرسالة والخاطرة.

وللأدب دور في الريادة الاستكشافية لكثير من القضايا العلمية بما تتيحه خصوبة خيال المبدعين للعلماء من تصورات عما ينبغي أن تكون عليه الأشياء في كثير من المجالات والقضايا التي تذلل السبيل أمام العلماء للاستكشاف.

فوظيفة الأدب إذن متعددة الجوانب والزوايا تتراوح بين المنفعة والإمتاع، ففي الجمال المجرد متعة للنفس والعقل، وفي التعبير عن مختزنات الشعور مجال واسع للتعبير عن مكنونات النفس ورغبتها في الثورة _ أي ثورة _ سلبية أو إيجابية، فالأدب إذن منفعة ومتعة هو ثورة وتمرد وسعي للتغير ، وهو حداء وغناء محبب لنفس يحدوها، ويدفعها نحو قضية وينفس عن مكنوناتها، وهو رسم لما ينبغي أن تكون عليه معالم الحياة في الحاضر والمستقبل، واختزال لتجارب الماضي والحاضر، على مر الأجيال، وارتباط بالموروث الثقافي لأمة من الأمم، بالنهل من الماضي للحاضر والمستقبل، أو من المستقبل والماضي للحاضر، أو من الحاضر المؤطر بتجارب الماضي للمستقبل الآتي، .. إنه تفاعل موار ديناميكي لا يتوقف ما دام في النفس البشرية إحساس وما دام في العقل إدراك.

إن الأدباء بشر قبل أن يكونوا مبدعين، يعيشون في مجتمع يتفاعلون معه، يؤثر فيهم، ويؤثرون فيه كل وفق أسس تلقيه وتربيته ومختزناته، فتتشكل مشاعرهم وأفكارهم، تبعا لذلك التفاعل، ومن هنا كان لزاما على المبدع أن يدرك دوره الريادي في إطار مجتمعه؛ فيسهم بإبداعه في تقديم النماذج التي تسهم في إيجاد قيم الخير والجمال، وينجح الأدباء في تشكيل إبداعهم بقدر ما يرتقون بإنتاجهم الأدبي شكلا ومضمونا ، وبقدر ما يسخرون كل الوسائل الأدبية المتاحة للارتقاء بإنتاجهم؛ لتحقيق قدر من المنفعة والمتعة بتلقائية وعفوية ، فالاحتراق الداخلي في فترة التخصيب والتلقي يوجد حالة من الازدهار تؤتي ثمارها نماذج جمالية راقية من الإبداع الأدبي.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0