أدب و تراث تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

ملاحكم الشعوب: تغريبة بني هلال

ملاحم الشعوب
السيرة الهلالية – تغريبة بني هلال
بقلم/ د. وسام الدين محمد
يذهب نقاد ومؤرخو الأدب من الغربيين إلى أن الملحمة فن استقلت به الشعوب الآرية، وهو حكم يتردد صداه لدي كثير ممن يأخذ عن الغربيين دون نظر أو بحث؛ ولكن ما هي الملحمة؟ لعلنا الآن، يمكن أن نعرف ما هي الملحمة وما هي خصائصها، ملتمسين لذلك استقراء ما أطلعنا عليه من أشهر الملاحم العالمية على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية. فالملحمة عمل أدبي شعري، يصف حادث أو حوادث تاريخية، تمتد عبر الزمان والجغرافيا، ويختلط فيها الخرافي بالتاريخي، وهي غالبًا مجهولة المنشأ، تناقلها شفاهية الرواة، وزادوا فيها من ابداعهم، فهي إذا إبداع جماعي استلزم عقودًا أو قرونًا قبل أن يستقر على صيغة واحد مقبولة، أو عدد محدود من الصيغ المقبولة، وربما تأتى لهذه الصيغة من يجمعها ويدونها فنحصل عندئذ على صيغتها النهائية المعتمدة. ويتصف رواة الملحمة دائمًا، بأنهم يعتبرون أنفسهم مكرسون لرواية هذه الملحمة، وربما يذهبون في ذلك إلى حد الادعاء بأن ما ينشدون إنما هو وحي سماوي كما فعل هوميروس. فإذا طبقنا هذا المفهوم على ما بين أيدينا من أعمال أدبية أنتجتها الأمم المختلفة، أدركنا سفه الرأي القائل بأن الملحمة فن آري. وإذا بحثنا في التراث العربي، سوف نجد فيه أعمال كثيرة توصف بأنها ملحمة، وقد استعاض العربي عن استخدام وصف أعماله هذه بالملحمة بوصفها بالسيرة الشعبية، وهو في ذلك يؤكد على أصل هذا النوع من الأعمال الأدبية كإنتاج أدبي صادر عن العقل الجمعي، وليس عن إبداع شخص واحد. وقد حوى التراث العربي عدد من السير الشعبية، مثل سيرة سيف بن ذي يزن وسيرة الظاهر بيبرس، ولكن تكاد تكون أهم السير الشعبية العربية بإجماع المهتمين بالدراسات الشعبية، السيرة الهلالية أو تغريبة بني هلال، وهي التي نختم بها هذا الشهر الذي خصصناه بالحديث عن ملاحم الشعوب.
والسيرة الهلالية لها عدة روايات، فتختلف رواياتها الشامية والمصرية والمغربية في التفاصيل، وتتفق في الخط العام للأحداث، وما نذكره فيما يلي إنما يعتمد على الرواية المصرية، والتي قدر بعض باحثي الأدب الشعبي عدد أبياتها بما يزيد عن مليون بيت، وهو ما يجعلها أطول ملحمة أنتجها البشر.
يمكن أن تقسم أحداث الملحمة أربعة أقسام. القسم الأول، تدور أحداثه حول بطل الملحمة الرئيس، أبو زيد الهلالي، والذي تحيط بولادته أجواء اسطورية، فأبيه رزق فارس قبيلته يسمع هاتف يناديه أن يذهب للحج ويتزوج من ابنه شريف مكة، خضرا الشريفة؛ ثم تحمل خضرا الشريفة وترى في حملها طائر أسود قوي وعظيم فتسأل الله أن يهبها ولدًا في مثل قوة هذا الطائر بين الطيور، فتنجب أبو زيد أسود البشرة؛ فتتعرض خضرا للتشهير بها واتهامها بالزنا، فيطردها رزق من القبيلة، لتلجأ إلى قبلية أخرى يشب أبو زيد بين أبناءها حتى يصبح فارسهم المقدم؛ يتورط أبو زيد في حرب مع قبيلة بني عقيل التي تستعين ببني هلال وفارسهم رزق، ويقتتل الأب والابن، ولكن في النهاية تظهر الحقيقة، وبراءة خضرا، ويعود أبو زيد إلى قبيلته ويستعيد مكانته فارسًا وقائدًا لقبيلته. أما القسم الثاني، يضرب الجفاف والقحط نجد مدة سبعة أعوام، وتضج القبائل الهجرة إلى أرض أخرى يمكن أن تعيش فيها، ويتطوع أبو زيد أن يقوم برحلة يبحث فيها عن أرض جديدة لسكناها، ويخرج في هذه الرحلة بصحبة مرعي ويونس، ويتجول أبو زيد في البلاد إلى أن يصل إلى تونس، التي يحكمها الزناتي خليفة، والذي تؤرقه نبوءة أن ملكه يزول على يد قبائل بدوية زاحفة من الشرق، طليعتهم ثلاثة فرسان، فيحتجز الزناتي أبا زيد وصاحبيه، ولكن أبو زيد ويونس يستطيعا الفرار من السجن، أما مرعي يظل أسيرًا لدى ابنة الزناتي التي عشقته واحتجزته للتزوج منه. وي القسم الثالث، يعود أبو زيد لدياره، وفي جعبته دعوة من أمير الأشراف في تونس الشريف عز الدين بن الشريف جبر للقبائل، يستنصر بهم على الزناتي خليفة الذي غدر بالأشراف، فتحرك التحالف الذي ضم بني هلال وبني سليم وغيرهما من القبائل من نجد، متوجهًا إلى تونس، في رحلة طويلة ضمت العديد من المخاطر والمغامرات، مر فيها التحالف على العراق والشام ومصر وشمال افريقيا قبل أن يبلغ تونس. والقسم الرابع، يروي حصار القبائل لتونس، ودفاع الزناتي خليفة عن مدينته، ومقتله على يد دياب بن غانم منافس أبو زيد، ثم مقتل العلام وزير الزناتي على يد أبي زيد، وكان العلام قد خلف الزناتي في الدفاع عن تونس، وينتهي هذا القسم بدخول القبائل تونس.
كان اشهر رواة السيرة الشعبية في مصر في القرن العشرين، مغني ربابة متجول يسمى جابر أبو حسين، والذي عاش في محافظة سوهاج، يجوب القرى يروي الهلالية على جمهورها؛ وفي منتصف الستينات دعته إذاعة الشعب، إحدى الإذاعات الحكومية المصرية، لتسجيل روايته للهلالية، حيث عاونه الزجال المصري عبد الرحمن الأبنودي، والذي كان يقوم بدور المعلق والشارح على ما يرويه جابر أبو حسين؛ وتعتبر هذه الرواية المسجلة أهم رواية موثقة للسيرة الهلالية، وقد طبعت فيما بعد على شرائط كاسيت، قبل أن تتحول إلى ملفات رقمية يتم تداولها اليوم على الأنترنت؛ وقد حاول الأبنودي فيما بعد أن يوثق الهلالية مستندًا إلى رواية جابر أبو حسين، وبالفعل أصدر قسم كبير من الهلالية ضمن أربعة مجلدات، صدرت للمرة الأولى عن دار أطلس، ثم أعيد إصدارها ضمن إصدارات مكتبة الأسرة.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0