مقالات

رواية مُذَّلون مُهانون فيودور دوستويسفكي

رواية مُذَّلون مُهانون
فيودور دوستوفيسكي

بقلم/ رشا صالح

تتعدد القراءات للروائي العظيم دوستوفيسكي فهناك من يقرأها قراءة سطحية عابرة ومن يسبر أغوارها ويتلمس معانيها بين الحروف والكلمات.
وهذه الرواية وإن كان في ظاهرها رواية عن الغفران والتسامح إلا أن في باطنها معاني عديدة رسمها بعناية الكاتب الذي وهبه الله قدرة كبيرة علي معرفة النفس البشرية و تحليل مقومات ضعفها وقوتها .

فبالتدقيق في الرواية نري أن دوستوفيسكي أراد التعبير عن مفهوم العار الشخصي فكل شخص في الرواية يقع تحت وطأة شئ يذله وعار يهينه (وهو ما يسمي بالخزي)وتختلف ردود فعل الشخصيات في تعاملها مع إحساسها بالخزي والمهانة وربما يصاب الفرد باضطراب نفسي في شخصيته كحيلة نفسية دفاعية في مواجهة هذا الاحساس المؤلم .

و هنا نحلل شخصيات الرواية بإيجاز وبدون حرق للأحداث قدر المستطاع …

ناتاشا ..الفتاة الجميلة المحبوبة من والديها .
ايفان وهو الراوي (هو الكاتب في الواقع )وهو صديق ناتاشا وعائلتها الوفي .

أليوشا الشاب الطائش الذي تقع في حبه ناتاشا وتهرب معه .
الأمير فاركوفسكي والد أليوشا الرجل المادي النفعي .
كاتيا غريمة ناتاشا في حب أليوشا .
أخمنيف والد ناتاشا .
نللي الفتاة الصغيرة ضحية الزواج السري بين الأمير وأمها الذي انتهي بهجر الأمير لهما وموت والدتها بعد تنكر جدها وعدم غفرانه لها .
في البداية تقع ناتاشا تحت وطأة عاطفة حب عارمة للشاب أليوشا الشخصية الاعتمادية وتهرب معه تاركة أبويها فيشعر أبوها أخمنيف بعار عظيم يمنعه من المغفرة لابنته رغم حبه الشديد لها وتتوالي الأحداث فيهجر الشاب الفتاة بحيلة من والده الأمير فاركوفيسكي وتصبح ناتاشا وحيدة مهانة وليس لها أمل سوي غفران أبيها وهذه الأحداث تكررت بالصدفة بالماضي لوالدة الفتاة نللي التي لم يغفر لها والدها العجوز فعلتها حتي أصبحت مريضة تسأل الناس الصدقة في الطرقات وينتهي أمرها بأن تموت وحيدة في قبو صغير.
نللي تقع تحت تأثير خزيها الشخصي النابع من طفولتها الفقيرة المعدمة وتعرضها للاستغلال فتقاوم ذلك الشعور بالخزي بتصرفات حادة مضطربة وترفض من يعاملها بطيبة ولطف .
حتي أكثر شخصيات الرواية شرا الأمير فاركوفيسكي هو مثال للنفعية والأنانية المفرطة يذله حبه للمال والشهوات دون أن يدري .

ويرسم دوستوفيسكي في أعماله الفرق الطبقي في روسيا القيصيرية ومعاناة الطبقات الفقيرة والمعدمة ووضع روسيا الإقتصادي والإجتماعي المذري في عصره المتدني عن حال أوروبا فيجعل والدة نللي تطوف أوروبا كلها مع صديقها هنري وتعيش حالة حسنة ورغدة ولكنها تموت فقيرة مريضة في قبو عندما تقرر العودة إلى وطنها ،بينما يزداد الأغنياء ثراءً و يطمعون بممتلكات الطبقات الأدني ويستغلونهم ،ويرسم لشعبه أيضا أن طريق الخلاص الوحيد للطبقات الفقيرة ولبعض الطيبين لمواجهة الشر ليس الثورة وإنما الغفران و التكاتف.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0