أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

هل مقارنة الأطفال ببعضهم طبيعية؟

هل مقارنة الأطفال ببعضهم طبيعية؟

بقلم/ د. آلاء السوسي

تشكِّل المقارنة جزءً رئيسيًا بدهيا من فكرة الإدراك في العقل البشري، ففور رؤيتينا لشيئين متقاربين نبدأ بدهيًا بعملية المقارنة ومن ثم التصنيف، ووضع هوية لكل شيء منهما بناء على صفات٠ الاختلاف بينهما، لا التشابه..

وعليه: من الطبيعي تمامًا أن تقارن الأمهات مهارات طفلها بأطفال آخرين من نفس السن، لأنه إذا كان هناك طفلان في ذات العمر، فهذا يعني أنهما يمشيان بخط التطور ذاته، وعليه فالمقارنة محتملة.

هل من الممكن أن تكون المقارنة مفيدة؟
نعم، وأحيانًا مهمة، خصوصًا للأمهات الجدد، مع الطفل الأول، حيث تكون الأم بلا خبرات سابقة، ولا تعرف ما الذي يجب فعله بالضبط، ومع فائدة الكتب والقراءة حول توعية الأم بما يجب عليها فعله، تبقى تجربة الأمهات الخبيرات أو الحاصلات على إرشاد ممن هم أكبر سنًا، تجربة مفيدة جدًا فيما يتعلق بملاحظة نمو الأطفال وتعويدهم على بعض المهارات التي قد تغفل عنها الأم بسبب انعدام الخبرة.
هذا في حال الامهات الثقات طبعًا.

ما هو غير الطبيعي؟
أن تؤدي هذه المقارنة لأي مشاعر سلبية تجاه طفلها أو الطفل الآخر، في هذه الحالة لا تكون المقارنة عبارة عن تنبيه للأم بأنها اغفلت جانبًا تربويا معينا وعليها تداركه، بل تكون تنبيها للطفل نفسه، تنتقل المقارنة من وعي الام بقصور طفلها بجانب معين إلى مشاعر سلبية تجاه طفلها بأنه لا يستطيع!

لماذا تحدث هذه المقارنات المدمرة؟
1. المجتمع المحيط:

ما إن يولد طفلان متقاربان عمريًا في العائلة نفسها، حتى تبدأ العائلة بإدخال الطفلين في ماراثون: من الاجمل؟ من الأفصح؟ من الأذكى؟ من الاقوى؟ من الأطول؟
يبدأ أفراد العائلة بالعمل كمعلقين على هذا الماراثون بتعليقات تشبه تعليق مذيع كرة القدم، ولبسوء الحظ،ة دائما هناك يكون الطفل الضحية الذي يتمتع بمهارات أقل -ظاهريًا-
هذه التعليقات السلبية التي تأخذ طابع -المزاح- غالبًا، تتراكم في عقل أم ضعيفة، تتحول مع الوقت إلى إحساس لاذع بالألم لأن طفلها لا يتلقى مديحًا، وبطريقة أو بأخرى تتحول هي نفسها إلى جلاد آخر للطفل.
هنا تحدث أسوأ سلسلة مأساوية بالرغم من خفتها المفرطة في حياة الإنسان:
1. تمزح الجدات بشأن قدرات طفلين متقاربين عمريا بهدف الضحك.
2. يتحول المزاح المتراكم إلى حقيقة في عقل أم “ضعيفة” إلى حقيقة حول طفلها الضعيف غير القادر على المنافسة في سباق الجدات المرحات .
3. تتحول الحقيقة إلى مشاعر سلبية تجاه الطفل بأنه لا يستطيع.
4. لأن الطفل ذكي، فهو يفهم انه امه لم تعد تثق بأنه يستطيع، فيصبح بالفعل لا يستطيع.

قد يتخيل من يقرأ الآن أن هذه مبالغات، ولكنها ليست كذلك.

2. شعور الأم بالتقصير:
أحيانًا لا يكون هناك مجتمع محيط، بل كل ما هناك مجرد أم غير قادرة -لسبب ما- على الاهتمام بطفلها كما يجب، وبدلًا من أن تواجه الأم نفسها بتقصيرها، فإنها تلقي باللوم سريعًا على طفلها الذي لا يستطيع.

3. شعور الام بالدونية:
أحيانا تكون لدى الأمهات شعورًا ذاتيًا بعدم الكفاية، أو عدم القدرة على التربية، وأنهن بالتأكيد لا يمكنهن أن ينجبن طفلًا متميزًا، لذلك فإن نظرتها لطفلها هو جزء من نظرتها لكل شيء يمكن أن تستحقه، فهي لا تستحق شيئَا متفوقًا، لذا فطفلها هو الآخر ليس كذلك.

4. عدم مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال:
لا يتشابه الاطفال بحدود قدراتهم مثل تشابههم بأعمارهم، صحيح أن هناك حدودا عامة للقدرات، ففي كل سن هناك مهارات معينة معرفية وإدراكية واجتماعية وحركية على الطفل إنجازها، إلا أن هذا لا يعني بحال من الأحوال التشابه في قدراتهم ومهاراتهم.
كل طفل يملك شخصيته المتفردة والمستقلة، أحيانًا للأسف تقتل الأم هذا التفرد لغرض المشابهة، لغرض منافسة ابن خالته او ابن عمته في أمر ما يستطيع اتقانه.
تجر الأم طفلها إلى مكانٍ ليس مكانه لتجبره على المنافسة بشيء لا يتقنه، وتترك مكانه الذي يستطيع أن يقف فيه وقوفًا صلبًا خاليا، فتفتل كل ما يملكه، وتسحقه بفكرة: ابن عمتك، ابن خالتك، وابن الجيران أيضًا.

كل طفل هو نفسه، هو ذاته، قد يتقن شيئًا وقد لا يتقن آخر، له حدود قدراته وله إمكاناته الخفية والظاهرة..
من حق كل طفل أن يكون محبوبًا من أمه، بغض النظر عما يجيده وما لا يجيده، هذا حق فطري وبدهي لا يحكى فيه.
كل طفل يستحق أن تؤمن أمه به بغض النظر عن كل المزحات الرخيصة، والتعليقات الفارغة من بالغين يعتبرون المزاح مجرد ضحك عابر، أن تؤمن به لأنه يستحق ذلك.
من حق كل طفل أن لا يكون داخل منافسة طرفاها في الحقيقة أبواه البالغان، ولكن من يتحمل نتائجها للأبد هو وعيه الصغير عمرًا، الكبير جدًا إدراكًا وإحساسًا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0