تنمية دين عروض كتب مختارات مقالات

كتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

 

“إذا عُدَّ المفكرون من المسلمين في هذا العصر فإن «مالك بن نبي» هو من هذه القلة الذين ينطبق عليهم هذا الوصف؛ فالمفكر هو الذي يدرس ويتأمل ويقارن، ويحلل المشكلة إلى أجزائها، ثم ينسق ويركب ويجتهد في إيجاد الحلول”

يعالج مالك بن نبي في هذا الكتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، كما يشير إليه عنوان الكتاب، مشكلة الأفكار التي تواجه الفرد و المجمتع في العالم الإسلامي منذ انحطاطه أي ما بعد عصر الموحدين و كما شخص و خَلص إليه بن نبي في أن المشكلة هي مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل ، كما تتميز عموما كتب مالك بن نبي بذلك الإتقان ، التحليل و الحرص المحموم لدى هذا المهندس الفّذ الذي حملت كتبه الكثير من الحقائق و التشخيص الدقيق لأهم المشاكل التي واجهت و لازالت تواجه و تعيق الأمة الإسلامية في طريق تطورها و حضارتها و ذلك من خلال أفكاره الأصيلة التي ابتكرت مسارات جديدة لحل تلك المشكلات التي لم يتم التطرق إليها في مجال الفكر الإسلامي من قبل ، فيعد المفكر مالك بن نبي أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح ويغوص في البحث عن العوارض و ذلك بإتخاذه منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ و الدين.

_ بدايةً يعالج مالك بن نبي في كتابه هذا :مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي و هو كتاب ضمن سلسلة كتب ” مشكلات الحضارة ” ،و انطلاقا من قوله ” أن الفرد يدفع ضريبة عن اندماجه الإجتماعي إلى الطبيعة وإلى المجتمع، فكلّما كان المجتمع مخّتلاً في نموّه ارتفعت قيمة الضريبة” تبرز هنا المشاكل التي تواجه الفرد في التكيف و التأقلم داخل مجتمعه و كيف يتأثر سلباً أو ايجابا بمدى تطور أو تخلف هذا المجمتع الذي هو جزء منه ،فماذا إن فضّل هذا الفرد الانعزال ؟ يجيب بن نبي : ” فالفرد يحقق بفضل إرادة وقدرة ليستا نابعتين منه، بل ولا تستطيعان ذلك، وإنما تنبعان من المجتمع، الذي هو جزء منه، وإذا ما ركن لقدرته وحدها وإرادته وحدها فإن هذا الفرد المنعزل والمنقطع عن كل اتصال بجماعته يصبح مجرد قشة صغيرة” ، لكن ما الذي يجعل هذا المجمتع متخلفاً أو متطوراً ؟ يضيف بن نبي ” فالمجتمع المتخلف ليس موسوماً حتماً بنقص في الوسائل المادية (الأشياء)، وإنما بافتقاره للأفكار ويتجلى بصفة خاصة في طريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه بقدر متفاوت من الفاعلية، وفي عجزه عن إيجاد غيرها وعلى الأخص في أسلوبه في طرح مشاكله أو عدم القدرة على طرحها على الإطلاق ، عندما يتخلى عن أي رغبة و لو مترددة بالتصدي لها” اذن يخلص بن نبي إلى كنه المشكل الذي يواجه المجمتع (الإسلامي على وجه الخصوص) الذي يملك إمكانيات طبيعية و بشرية ( أي لا تنقصه الوسائل المادية : الأشياء ) بل يفتقر للأفكار التي تحول هذه الموارد إلى تطور إلى: حضارة .

– إذا قلنا مشكل حضارة قلنا مالك بن نبي، هذا المهندس الفذ الذي شخص داء تخلف العالم الإسلامي و تفطن لكون المشكلة تكمن في الأفكار و ليس في تكديس الأشياء و التي بدورها ترتبط بعنصر الحضارة التي من مكوناتها الإنسان ،التراب والزمن ومن علاماتها محدد الثقافة القائمة علي أربعة مبادئ 1- المبدأ الأخلاقي ، 2- الذوق الجمالي ، 3- المنطق العملي و 4- التقنية ، حيث يعرف بن نبي الحضارة” بأنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الإجتماعية اللازمة لتطوره”.

– حقيقة يجب الإعتراف بأن العالم الإسلامي منذ انحطاطه أي ما بعد عصر الموحدين يواجه مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل و يجب الإعتراف أيضا أن الانحطاط و التخلف يسلب من روح العالم الإسلامي التفكير السليم و يدفعه للمغالاة و إلى طرق بدائية إن صح التعبير في مواجهة مشاكله كذلك رأي بن نبي إذ يقول “حينما يكون الفكر الإسلامي في افوله كما هو شأنه اليوم فإن المغالاة تدفعه إلى التصوف و المبهم و الغامض و عدم الدقة و التقليد الأعمى و الافتتان بأشياء الغرب” للأسف عاش العالم الإسلامي فترات حرجة جدا خاصة لدى تعرضه للإستعمار الذي سعى بكل طرقه و وسائله لمحاربة الدين لأنه تفطن إلى ما يمكن أن يحدثه (عامل الدين )في قيام الثورة ضد المستعمر لهذا ظهر التصوف كأخطر ظاهرة حسب بن نبي ساهمت في تدهور الحياة الفكرية للعالم الإسلامي و تركته في ظلمات الجهل و البدع و الخرافة.

– يركز بن نبي كثيرا على عامل الأفكار أو الفكرة التي هي لب و الشرارة الأولى لإنطلاق أي حضارة أو بادرة حضارة ، الفكرة التي ألهمت المفكرين عبر العصور ، لكن ماذا إن غابت الفكرة ؟ تفطن بن نبي لهذه الظاهرة فقال ” عندما تغيب الفكرة يبزغ الصنم” تماما إن غابت الأفكار دخل المجمتع في ظلام الجهل الذي يفسح المجال لبروز أصنام و أوثان من نوع آخر ، قد تكون شخصا أو مصطلح كثورة أو حق مثلما حدث في الجزائر يوم تخلى علماء الإصلاح عن الفكرة و بزغ صنم الحق و الانتخاب و الحل السياسي يضيف بن نبي لفكرته فيقول ” إن أساتذة الصراع الفكري يعرفون أن التعامل مع وثن هو أسهل من التعامل مع فكرة، و التابعون لهم من أبناء البلاد هم من الرأي نفسه، يعرفون أن استغلال النفوذ أسهل مع الأشخاص منه مع الفكرة، والجوهري بالنسبة لهؤلاء و أولئك: هو أن لا يدع الإطراد الثوري يتمحور حول فكرة”.

– يعد مالك بن نبي أول مفكر تطرق لمصطلح (القابلية للاستعمار) بإختصار يمكن شرح المصطلح في أن المحتل الذي يحتل أرضا ويسيطر على ترابها فأنه مع مرور الزمن يبقى غازيا ومحتل لفرد غير قابل للاستعمار هنا يتدخل “المعامل الاستعماري” وهو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي أيضا، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح هذا الفرد يقبل بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عليها ويرسم شخصيته طبقا لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر، وحينها نكون هنا أمام فرد يعاني من “القابلية للاستعمار”.

– يمكن الجزم بأن العالم الإسلامي لم يتخلص بشكل قاطع من القابلية للاستعمار ،كونه إلى الآن لا يفكر بمفرده و لا يمكنه إيجاد أو إبتكار افكاره بنفسه كي يعاود بناء حضارته بل يلجأ إلى استيراد الأفكار من العالم الغربي ويضعها بن نبي في إطارين: إما أفكارًا ميّتة، وإما أفكارًا مميتة ، يقول بن نبي حول الأفكار الميتة ” فالأفكار الميتة هي تلك التي ليس لديها جذور في بوتقة الثقافة الأصيلة للعالم الإسلامي أما الأفكار المميتة فهي تلك التي خلّفت في عالمها الأصلي جذورها ووفدت إلى عالمنا ” ، تشخيص الداء بدقة في نظري هو ما أجاده مالك بن نبي في كتابه هذا ، إذ تفطن لمشكل أو ظاهرة الشيئية التي تؤدي للتكديس ، فالمجتمع المتخلف يغلب عليه طابع التكديس بمعنى الغرق في داء الإستراد و كحلٍ لهذا التخلف يقول بن نبي ” المجتمع الإسلامي يستطيع أن يستعيد فعاليته بأن يضع دفعة واحدة في أساس تخطيطه مسلمة مزدوجة:
أ-كل الأفواه يجب أن تجد قوتها.
ب- جميع الأيدي يجب أن تعمل.

– في الأخير الكتاب مهم جداً و به من الأفكار و التحليل و التصورات التي لم استطع معها لحقاَ تستوجب قراءة أخرى أكثر تركيزاً ، اختم بعبارة لمالك بن نبي لخصت حالنا كأمة إسلامية خانت أفكارها و قيمها و دينها ، فيقول (لكن الأفكار التي خانها أصحابها تنتقم)!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0