حوارات فكر مختارات مقالات

حوارات في انتظامات الفلسفة

حوارات في انتظامات الفلسفة

(1)

الأستاذ الدكتور النابي يحاور علي الربيعي

د.نابي بوعلي/  بدايةً اسأل: ماهو منبع أهتمامك في الفلسفة؟

د. علي رسول الربيعي ج// يعود الى الفضول والحيرة.

إنه الدافع الفلسفي القديم المتمثل في عدم رؤية كيف تترابط الأفكار المختلفة التي من المفترض أن تكون مركزية في حياة الإنسان أو الأنشطة البشرية معًا: مفهوم الذات، ومفهوم القيمة الأخلاقية والجمالية، والموقع الذي تأخذه أنواع معينة من الأشياء القيمة، ( وكل واحدة من هذه لها قصة تصل بتربيتي والبيئة التي عشت فيها  وأثر المدرسة انذاك في حياتي). ونظرًا لمزاجي، كان فضولي دائمًا مصحوبًا بالنقد والشك. وهو ما يطلق عليه بول ريكور:” هيرمينويطيقا  الشك”، والذي أكتشفته منذُ ايام البكلوريوس في دراسة الفلسفة حيث كان  واضحا ومميزًا جدًا في اعمال نيتشه وماركس وفرويد، وجاء بشكل طبيعي إلى حد ما بالنسبة لي، ونتيجة لذلك كانت ادعاءات أنواع معينة من القيم (الدينية والتقاليد، وهذه لها قصة ربما نسردها في فرصة اخرى)  تثير شكوكي دائمًا.

د.نابي بوعلي س/ أرغب بنقل الحديث الى السؤال عن دور الفهم التاريخي في الأخلاق والفلسفة السياسية؟

د. علي رسول الربيعي ج// إن التاريخ، بمعناه الواسع، مهم بطرق مختلفة. أولاً، قد يعرض لنا مشاكل  تتعلق بآرائنا. فمثلا،عندما نسأل لماذا  نستعمل مفاهيم بعينها بدلاً من أخرى كانت سائدة في وقت سابق، فإننا عادة ما يكون هذا التاريخ تبريري. وهذا يعني أننا قد نرغب في رؤية أفكارنا، مثل الأفكار الليبرالية عن المساواة والحقوق المتساوية على أنها كسبت حجة ضد المفاهيم السابقة، مثل تلك الخاصة بالنظام القديم. وكذلك يضعنا أمام مسألة الاحتمال التاريخي لأفكارنا وتوقعاتنا ايضًا.

 

لكن لا يجب أن يكون هذا الأحتمال مشكلة بالنسبة لنا، بمعنى أنه لا يقوض ثقتنا في  توقعاتنا وأستشرافنا. أما بالنسبة إلى فكرة التبرير التاريخي – التاريخ الذي يكشف أن أفكارنا كانت أفضل بالمعايير التي كان من الممكن أن يقبلها خصومها- فيبدو المطلوب هو: علينا البحث عن نظام للأفكار الأخلاقية والسياسية الأفضل من وجهة نظر خالية قدر الإمكان من منظور الأحتمال التاريخي. ولكن على الرغم من أن هذا قد لا يقودنا إلى رفض وجهة نظرنا، إلا أن حقيقة عدم وجود تبرير تاريخي لها يؤثر من بين أمور أخرى على موقفنا تجاه وجهات نظر الآخرين.

ثانيًا، يمكن أن يساعدنا التاريخ على كشف و فهم طرق معينة قد تبدو فيها أفكارنا غير متماسكة بالنسبة لنا.

ثالثًا، سيتم تحديد محتوى الأفكار الأخلاقية والسياسية المفيدة  لنا من خلال فهم ضرورات أسلوب حياتنا. إن السؤال “ما هو ممكن بالنسبة لنا الآن هو، في اعتقادي، وثيق الصلة بالفلسفة السياسية والأخلاقية.  يتطلب هذا السؤال فهمًا اجتماعيًا تجريبيًا وذي بصيرة. أود أن أدعي أنك لن تفهم مثل هذه البصيرة إلا بالمناهج أو الطرق التاريخية. هذا يعني، لا أعتقد أن هناك، على سبيل المثال، علم إجتماع موضوعي بما فيه الكفاية يمكنه إخبارك بما هو ممكن بالنسبة لنا.

د.نابي بوعلي س/ هل يمكنك إعطاء مثال عن هذه الطرق التي يكون فيها التاريخ مهمًا لمفهوم سياسي؟

 

د. علي رسول الربيعي ج// نعم، خذ  مفهوم الحرية مثلاً. أعتقد، كما المفاهيم السياسية الأخرى، نحتاج إلى بناء مفهوم للحرية يكون يكون تاريخيًا معبرًا عن الوعي بذاته ومناسبًا لمجتمع حديث، وأميز -هنا- بين “الحرية الفطرية”، التي أفهمها على أنها غير معوقة عن فعل ما تريده من خلال شكل من اشكال الإكراه المفروض بشريًا وبين الحرية ( الليبرالية). ونظرًا لأن الحرية قيمة سياسية، فأيً ضياع للحرية الفطرية يمكن اعتباره خسارة للحرية، ولاسيما عند النظر في ما يعتبر “إكراهًا مفروضًا بشريًا”علينا أن نعتبر ما يمكن أن يستاء منه شخص ما على أنه خسارة. تصبح هنا مسألة شكل المجتمع الممكن بالنسبة لنا ذات صلة واهمية لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يتم القيام به أو التفكير فيه في هذا السياق. ولا تعتبر الممارسة، من هذا المنظور تحديدًا للحرية. وليست خسارة للحرية أيضًا إذا كان ذلك ضروريًا لعمل المجتمع كما يمكننا أن نتخيله بشكل معقول. وهكذا، في حين يعتبر بعض الأكراه والتهديد بالأكراه، وبعض البنى المؤسساتية التي تلحق الضرر بالناس، بمثابة تقييد لحرية الناس، فإن الحرمان من الحصول على ما أريد من خلال المنافسة الاقتصادية لن يتم إلا في حالات استثنائية، وذلك لأن المنافسة أمر اساس لعمل المجتمع التجاري الحديث. يساعدنا فهم وضعنا التاريخي أيضًا على فهم القيمة التي تتمتع بها الحرية بالنسبة لنا.

د.نابي بوعلي س/ ماذا عن الحداثة أذن فيما يربطها بقيمة الحرية؟

 

د. علي رسول الربيعي ج// مفهوم الحداثة الذي يدور في ذهني هنا هو المفهوم الذي يعد أساس في علم الاجتماع الحديث. إنه أقرب إلى مفهوم ماكس فيبر للحداثة.  إنه يتضمن فكرة تخليص العالم من وهم السحر ونزع القداسة عن العالم، والتخلي عن الاعتقاد بأن نظام كيفية معاملة الناس لبعضهم البعض منقوش بطريقة أو بأخرى إما فيهم أو في العالم الكوني. كما أنه ينطوي على نزعة مرتبطة بإخضاع سلطة المصادر التقليدية المتنوعة للتساؤل  والتشكيك؛ فمن السمات البارزة للحداثة أننا لا نؤمن بقصص الشرعية التقليدية للتسلسل الهرمي وعدم المساواة.

والآن الرابط بين الحداثة وقيمة الحرية هو: إن الحرية  مهمة  بالنسبة لنا لأن قصص إضفاء الشرعية لدينا تبدأ بأقل من التوقعات الأخرى. وبسبب شكوكنا في السلطة ايضًا، وعليه تأتي  ضرورة السماح لكل مواطن، بافتراض قوي لصالح السعي، لتحقيق رغباته. يمكننا أن نعتبر عدم ثقتنا الحاليًة بقصص شرعنة الماضي أمرًا جيدًا، لأن عدم الثقة هذا هو نتيجة لحقيقة أنه في ظل ظروف الحداثة، لدينا فهم أفضل للحقيقة والصدق.

د.نابي بوعلي س/ أود أن أنتقل إلى السؤال عما تعنيه الحداثة، والوعي الذي تنطوي عليه، بالنسبة إلى نظرتنا إلى الأخلاق؛ وبالنسبة الى الفضائل لو أن شخص لايمتلكها ويفكر في اكتسابها. لقد كان لدى أرسطو إجابة لمثل هذا الشخص (ولو صعبًا على مثل هذا الشخص، إذا كان سيئًا، أن يكون قادرًا على تقدير حقيقة الإجابة). كان يعتقد أرسطو أن كل نوع من الأشياء له مثال يسعى نحوه بشكل طبيعي. يشكل المثال للبشر حالة السعادة والوجود الخيًر، حالة تتطلب امتلاك الفضائل. لكننا لم نعد نؤمن بافتراضات أرسطو عن السعي الطبيعي لكل نوع من الأشياء نحو الكمال. هل لدينا إجابة لهذا الشخص؟

 

د. علي رسول الربيعي ج//  نعم. أعتقد  تتعلق الإجابة فيما يشبه الكثير من سمات أخلاق وأوضاع الحداثة. اذا هناك زيادة في البصيرة والفطنة، في المعرفة، وانخفاض في الرضا الشامل عن العالم الذي يناسب الجميع، يُخيًل اليً أن وصف أرسطو، كما في الأخلاق النيقوماخية باعتباره وصفًا مرضيًا للفضائل هو وصف معبر عن الأمنيات الثقافية. لأن هذا لم يكن هو واقع ما كان يدور في أثينا في القرن الرابع.قبل الميلاد.  اثينا هذه قدم عنها أفلاطون عن صورة أكثر صدقًا وواقعية، أنها كانت مريضة، والديمقراطية في طريقها للأنهيار فيها؛ وإن فكرة أن الناس كانوا كانوا فيها في حالة هائلة من الرضا والأنسجام مع الكون والنظام السياسي ورغباتهم الخاصة أمر غير حقيقي تمامًا.

د.نابي بوعلي س/ أود أن أختم بالأسئلة عن الصدق والحقيقة والثقافة الحديثة. كتب نيتشه أن “الإنسان حيوان مُبجل محترم، لكنه أيضًا حيوان مرتاب لا يثق وسيئ الظن، وأن العالم لا يستحق ما اعتقدنا أنه يتعلق بالشئ الأكثر تأكيدا والذي حصلنا عليه عدم ثقتنا وارتيابنا أخيرًا. كما كتب: كلما زاد عدم الثقة، زادت الفلسفة. هل تعتقد أن عدم الثقة (بدلاً من التبجيل) هو سمة من سمات المجتمع الحديث وهل يؤدي  ذلك إلى “المزيد من الفلسفة”؟

 

د. علي رسول الربيعي ج// نعم. ولكن هناك شروط ومؤهل ثقيل قادم: فقد يجعل الترفيه الحديث، والتواصل الحديث، والتشبع الحديث بـ “المعلومات” النقد الفعال والتفكير الفعال ضعيفا جدا أو لايُذكر. مثلما أصبحت الصحف الشعبية مهووسة بالفضائح اليوم ويهيمن على الإنترنت النوع نفسه من الأخبار، من الممكن أن يصبح فحصنا وتحقيقاتنا وطرح الأسئلة مجرد ظواهر سطحية، قشروية، وأن هناك ببساطة الكثير من الافتراضات غير المرضية حول كيفية قيادة الحياة تمامًا. فاذا تم فسح المجال للتعبير عنها حقًا، لا أعتقد أن الناس سيؤمنون بها، لكن المشكلة ليس لديهم خيار سوى المضي معها. إن فكرة الفضاء الذي يمكن أن تستمر فيه الفلسفة والأنواع ذات الصلة من النشاط النقدي والتساؤل قد تكون نفسها مهددة. إن فكرة الفضاء الذي يمكن أن تستمر فيه الفلسفة والأنواع ذات الصلة من النشاط النقدي والتساؤل قد تكون نفسها مهددة.

د.نابي بوعلي س/ لقد توصل نيتشه بمنهجه الجينالوجي إلى استنتاج مفاده أن الحقيقة هي المفهوم الميتافيزيقي الأخير، وأن التحقيق الذي تقوده الحقيقة ينتهي به الأمر إلى تقويض نفسه. هل ترى أن ثقافة الشك لدينا تهدد بتقويض إيماننا بالحقيقة؟

 

د. علي رسول الربيعي ج// عندما قال نيتشه في كتابيه “العلم المرح” و”جينالوجيا الأخلاق” أن هذه النار التي اشعلت  استفساراتنا هي نفس النار التي اشعلت أفلاطون، كان هدفه هو إثارة غضب الليبراليين الذين كانوا يسعدون برأيه عندما ما كان ينقد للكنيسة. أعتقد أنه أراد تقديم وصفًا متجنسًا – طبيعيا بشكل كافٍ لقيمة الحقيقة. إن الجينالوجيا هي منهج يحاول تفسير وجهة نظر أو أحد القيًم من خلال وصف كيفية ظهورها، أو كيف تكون قد نشأت، أو كيف يمكن تخيل حدوثها. السؤال المثير للاهتمام الذي يمكن للمرء أن يسأله عن الجينالوجيا هو ما إذا كانت تبريرية، أي ما إذا كان تفسير الجينالوجيا لقيمة ما، عندما يتم فهمها، يقوي أو يضعف ثقة الفرد في تلك القيمة!

 

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0