أدب و تراث سياسة عروض كتب مختارات مقالات

“اليهودي الأعرج” رواية ترسم ملامح ماض ما زال مستمرا

“اليهودي الأعرج” رواية ترسم ملامح ماض ما زال مستمرا

بقلم/ أ. ناهض زقوت

تحدث الكاتب والباحث ناهض زقوت نائب أمين سر المكتب الحركي المركزي للكتاب والأدباء في المحافظات الجنوبية، اليوم في الندوة الثقافية التي نظمتها اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم خان يونس لقراءة رواية “اليهودي الأعرج” للكاتب هاني السالمي وذلك في مقر اللجنة بخان يونس بحضور شخصيات أدبية وثقافية.
تناول الكاتب ناهض زقوت الرواية من العنوان الذي يعبر على سياق السرد، حيث أكد أنه لا يقدم دراسة نقدية للرواية وإنما قراءة للمضمون السردي. استخدم الكاتب ضمير الأنا المتكلم في بناء السرد الروائي، فهذا الضمير يبرز شخصية المتحدث العليم بكل شيء. أما بالنسبة للفضاء الزماني يتحدد بزمن الانتفاضة وقدوم السلطة الفلسطينية، ويغوص أحيانا في الماضي حيث القرية الفلسطينية المهجرة، وأما الفضاء المكاني فقد حصره في المخيم دون أن يسميه، فهذا المخيم يمتد على مساحة قطاع غزة.
تمثل شخصية غسان دور البطولة في السرد، في زمن الانتفاضة والسلطة كان يقوم بإصلاح قطع السلاح ويتاجر بالسلاح والطلقات النارية، كل ما كان يشغله هو البحث عن الربح، ولكنه في لحظة من الزمن يتحول من مصلح للخردة إلى كاتب، وذلك بعد أن ذهب مع صديقه “آسر” إلى بيت قصفه جيش الاحتلال للبحث عن أسلاك نحاسية وفوارغ الطلقات النارية، وهناك يجد قدم خشبية، فيحملها ضمن الأشياء التي جمعها من المكان، ويلقيها في ورشته. وبعد الخلافات التي وقعت بين المسلحين جاءه تهديد من أحد المسلحين، فترك مهنته، وجلس في الورشة يستمع إلى الأغاني. وكان دائما يتعثر بالقدم الخشبية فحاول أن يهديها إلى جارته التي قطعت قدمها إلا أنها رفضتها، وكانت القدم الخشبية تشغله دائما لذلك بدأت تأتيه في الأحلام شخصية عروة بن الزبير الصحابي الجليل الذي كان أعرجا، وحين سأل شيخ الجامع عن تفسير الحلم كان جوابه “أن احوالك سوف تتغير من مصلح طلقات إلى مصلح دبابات” كنوع من السخرية، لكن غسان ربط الحلم بالقدم الخشبية، وأثناء محاولته التخلص منها وقعت منه وتناثرت من داخلها أوراق صفراء قديمة وصور، فحملها إلى الورشة ووضعها أمامه يقلب فيها، فوجد عليها كتابات عبرية وأختام بنجمة داوود وكتابات أخرى بلغات مختلفة.
أثارت الأوراق خياله، وقرر أن يبحث عن سر هذه الأوراق، وبلغ اهتمام غسان بالأوراق أنه سعى لتحويلها إلى قصة، وطلب من صديقه آسر أن يبحث له عن كاتب يساعده في كتابة القصة، فدله على كاتب يبيع القهوة على الرصيف اسمه نسيم الكرتاوي.
تتغير حياة غسان إذ فقد متعته في كل شيء كان يمارسه سابقا، والسبب القدم الخشبية، أي أنها غيرت حياته إلى الأسوأ، ورغم حديث آسر معه عن قسوة الحياة وأن العمل هو الذي سيجلب لهم الطعام، إلا أن غسان لم يعد يهتم بالعمل وكل همه مقابلة الكاتب نسيم الكرتاوي. وحين تحدث المقابلة بينهما يعلمه نسيم كيفية كتابة القصة التي تجمع ما بين الواقع والخيال، والأدوات التي يستخدمها لصياغة القصة لكي يقنع الآخرين بأنها حقيقية وواقعية.
يعود غسان إلى الأوراق ليقلبها ويصف ما بها من صور ورسومات وأختام، ويبني حول القدم الخشبية رواية اليهودي الأعرج. هذا اليهودي الذي عاش في فرنسا مضطهدا زمن الاحتلال النازي، يدفعه سيد المعبد اليهودي إلى الذهاب إلى أرض الميعاد حاملا التوراة الحقيقية التي لا يعرفها إلا الاخصاء من اليهود، وهي غير التوراة المنتشرة التي تعبر عن توافق اليهود مع المكان الذي يقيمون فيه. يخرج عزرا مع صديقه للاحتفال بالتكليف في احدى الحانات وهناك يقع في مشكلة بسبب فتاة أعجبته، فيطلق حراس الحانة النار على قدمه، فيأخذه صديقه إلى المعبد لعلاجه. يكشف رجال المعبد لصديق عزرا الذي حمله أن عزرا أخطأ في الذهاب إلى الحانة، وأن الفتاة التي أعجب بها هي راحيل وتعمل لصالحهم بهدف ابتزاز صاحب الحانة. كان علاج القدم صعبا نتيجة تهشمها من الرصاصة، فقام دكتور المعبد ببتر القدم، وأمر بصناعة قدم خشبية له، وأكد أن حالة العرج ستبقى ملازمة له. خلال فترة العلاج طلب منه أن يقرأ كل الكتب والمخطوطات الموجودة في عيادة الدكتور، وبعد انقضاء الثلاثة شهور فترة العلاج أصبح طبيبا في علم الأعشاب، وتعود أن يمشي بالقدم الخشبية. وأشار عليه رجال المعبد أنهم سوف يرسلونه طبيبا يعالج المرضى بالأعشاب.
رتب له رجال المعبد طريقة السفر إلى مصر، ومن ثم إلى حارة اليهود في غزة، ومنها إلى المعسكر اليهودي في الشمال، وأوصوه أن يعالج الناس مجانا حتى يحصل على المعلومات مجانا. عاش عزرا في الحارة سنوات حتى أصبح الناس يعرفونه ويأتون إليه للعلاج. بعد سنوات من العمل في الحارة جاء من يخبره أن عليه التوجه إلى الشمال حيث المعسكر اليهودي. بعد وصوله أخذ في الذهاب إلى القرى العربية لعلاجهم حيث يعتمد الفلاحون على الأعشاب في علاجهم، وبدأت شهرته تنتشر بين الناس، بأن الطبيب الأعرج قادر على علاج كل الأمراض المنتشرة آنذاك.
يتوقف غسان عن سرد روايته، لكي يبني تفاصيل جديدة. في هذه الفترة يعرض عليه صديقه آسر العمل مع وكالة الغوث عامل نظافة بشكل مؤقت، وخلال عمله يتعرف على شخصيات من العمال يعرف منهم أن ثمة شخصيات يهودية عاشت في قطاع غزة. فيثيره الموضوع ويسعى للتعرف على تلك الشخصيات لعله يجد بينهم اليهودي الأعرج، الذي عاد إلى قطاع غزة مع المهاجرين إثر نكبة عام 1948، وسكن القطاع حسب الأوراق التي بحوزته.
ينطلق غسان مع صديقه آسر لزيارة عمال النظافة الذي كانوا معه ليتعرف على قصص اليهود الذين عاشوا بالقطاع، فيصل إلى “يوسف صالح” الذي يروي حكاية اليهودي الذي يحرس البئر رقم 12 وهو من الآبار الأمنية. وإلى “سيد محسن” الذي يروي حكاية الهاليون الذي كان ينظف حفر المجاري ويدخل كل بيوت المخيم، وإلى “هشام حمدي” الذي يروي حكاية اليهودية “سمحى ليفي” التي كانت تتجول في شوارع المخيم وتنقل العمال إلى المستوطنة، وتحاول ابتزازهم واسقاطهم في وحل العمالة. وإلى “راجي بنور” الذي يروي حكاية سارة اليهودية التي تزوجها عربي من المخيم وعاشت فيه سنوات، ولكن تغيرات فكر المجتمع حيث كفرها أخو زوجها وطلب من أخيه أن يطلقها، فهرب إلى المستوطنة. وإلى “جبر النادي” الذي يروي حكاية الشحات اليهودي “دانيال كوهين” الذي كان يجلس على باب الجامع الكبير يتسول، والنساء تتبارك منه، فكان في النهار متسولا، وفي الليل ضابط مخابرات.
كان سؤال غسان الدائم لهم هل كان أعرجا؟ فأكدوا جميعهم أن هذه الشخصيات لم تكن عرجاء، مما أدخله في متاهة البحث عن هذه الشخصية الغامضة التي لم يتعرف عليها أحد. يبقى في حيرته إلى أن يلتقي “سعد أبو حجر” هاوي الدراجات الذي يتعرف على صورة أحد اليهود بأنه كان صاحب ورشة لإصلاح الدراجات وكان اسمه “أبو طنطا” ويتحدث اللهجة المصرية، ولم يعرف أنه يهودي إلا بعد اختفائه، ويذكر أنه شاهد الأعرج مرة عنده، ولكن لا يعرف عنه شيئا.
وعندما يعجز غسان عن الوصول إلى شخصية الأعرج يذهب إلى نسيم الكرتاوي ليطلعه على ما كتب، وبعد أن قرأ نسيم، يدله على أن شخصية الأعرج تجدها في المكان الذي وجدت فيه القدم الخشبية. فعلا يذهب غسان هناك حيث البيت المدمر إلا أنه يجده متغيرا بفعل عمليات التعرية التي يقوم بها الفتيان، لكنه وجد بعض الأشياء التي تدل على شخصية الرجل الأعرج، وجلس في المكان متأملا حركة الفتيان في نقل الردم والحديد.
أثناء جلوس غسان في المكان يأتي عامل النظافة معالي حسن، ومنه يعرف أنه كان يتردد على صاحب البيت وأنه رجل كريم، ويأخذ منه أكياس الزبالة، وحين وصفه معالي حسن عرف غسان أنه الشخص المقصود، وذكر أنه شاهد كل الشخصيات التي ذكرها عمال النظافة كانت تأتي إلى هذا المكان، مما يدل على أنه المركز الرئيس لعمليات التجسس داخل قطاع غزة. وعندما اكتشف المسلحون حقيقة المكان والشخص الذي بداخله، قام الطيران الاسرائيلي بقصف البيت لكي يخفي آثاره.
ويؤكد السارد أن اليهودي يظل ذكرى إلى أن يأتي أحد وينبش الماضي، وأن كل ما يحدث للفلسطينيين من مأسي سببه هذا اليهودي. فدلالات اليهودي الأعرج، هي دلالات جسدية وفكرية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0