علي رسول الربيعي
فكر مختارات مقالات

ربط الفلسفة بالواقع من خلال الأنثروبولوجيا

ربط الفلسفة بالواقع من خلال الأنثروبولوجيا
(كانط وهيجل مثالًا)

بقلم/ د. علي رسول الربيعي

يسمح لنا ربطنا الفلسفة بالواقع من خلال الأنثروبولوجيا، التي فسرها كانط وهيغل في سياق ملاحظاتهما للظروف السياسية والاجتماعية في زمانهما، بإمساك أحد الآثار السياسية لنظرية المعرفة المتعالية عند كانط وهي مشكلة الذاتية، التي يصبح فيها أولئك الذين يحرزون الذاتية أفرادًا أحرارًا يقررون لأنفسهم، إذ أن الحرية الفردية محور أساسية في فلسفة كانط السياسية. وكذلك الذاتية علامة فريدة لا نظير لها للكرامة الإنسانية في فلسفته الأخلاقية. عند قراءة كانط، من الصعب تصديق أنه عاش حياته كلها في المدينة نفسها ولم يغامر مطلقًا بأكثر من بضعة أميال خارجها. فقد كان ودون مساعدة من أيّ من وسائل الاتصال الحديثة التي نعرفها اليوم يعرف الكثير عن العالم خارج مدينته وبلده وأوروبا. لقد صرخ ضد العبودية وضد الحروب والوسائل القمعية المستخدمة لفتح الأسواق في الأراضي البعيدة. ويشمل اتحاد الدول الذي تصوره تلك الأراضي التي اعتبرها الأوربيون مأهولة بالمتوحشين. ورأى كانط، أن ممارسات الأوروبيين كانت أكثر وحشية من ممارسات “المتوحشين”. يحدد كانط المادة 3 من شروط السلام الدائم، والتي كانت تشير إلى حقوق الناس كمواطنين في نظام عالمي، بما يسميه “أوضاع الضيافة العالمية”. كان يعتقد أن جميع الدول تطمح إلى التجارة ولكن فقط في ظل ظروف وشروط عملية متفق عليها للضيافة العالمية، ولا يحق الدول الأنجلو-أوروبية من التعامل مع الأراضي الأجنبية كما لو أنها غير مملوكة لأيّ بشر ومتاحة لغزوها ونهب ثرواتها. إن كانط نفسه الذي أصر على حسن الضيافة بين الأمم، فهم جيدًا الطبيعة التنافسية والصراعية للبشر. وقد اشتهر كانط باكتشاف لـ”اللااجتماعي في المجتمع” كصفة للطبيعة البشرية. لقد وصل البشر، كأفراد، إلى بناء النظام الاجتماعي بعد إدراكهم الحاجة إلى العيش في مجتمع، وأنه ضروري للبقاء على قيد الحياة. وتوصلت الأمم إلى فكرة الحفاظ على السلام الدائم للسبب نفسه. عندما تحدث كانط عن الانتهاكات التي ارتكبها التجار الأوروبيون لدول أضعف وأقل تطوراً من دولهم ، ربما كان يتنبأ بمشاكل اليوم. اعتقد كانط أنه سيكون هناك دستور عالمي، لكن ما ندعو إليه الآن بدلاً من ذلك هو نداءات من المجتمع المدني، من مختلف المنظمات غير الحكومية من أجل حكم ونظام عالمي يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على البيئية من خلال دستور وقوانين عالمية وتدابير سياسية، لأن التحديث، كما يُمارس اليوم، خلق عدم مساواة لا مثيل لها بين المواطنين داخل الأمة الواحدة وفضلاً عن تلك التي بين الأمم. تحدث كانط عن تدمير الطبيعة بالحرب والاستعمار وأساليب التسويق القسرية، لكنه لم يصل به التخيًل الى أن الحداثة قد تعرّض موارد العالم للخطر. لقد اعتقد أن البشر سوف يوفّقون بين طبيعتهم التنافسية وميلهم للصراع من أجل الحفاظ على مجتمع يسوده السلام. يُخيًل إليّ أن رسالته ستكون هي نفسها فيما يتعلق بإعادة رؤية الحداثة بحيث لا يمكن إدامتها فحسب، بل تستحق أن تكون مستمرة في تطورها. ولن يجد صعوبة في ربط إعادة النظر هذه بالعدالة الاجتماعية والبيئية. أما بالنسبة إلى هيجل، فتتحقق الذاتية في العمل لأن في العمل نتعامل مع الطبيعة والبشر. وفي العمل يصنف فرد ما الآخرين من خلال بيذاتية أو موضوع ما ، ويحقق البشر ذاتيتهم عندما يدركون قيمة عملهم. يربط العمل، من الناحية المثالية، المواضيع معًا من خلال اجتماعيته وموضوعيته. فالعمل هو الإمكانات البشرية المتحققة في الفعل الاجتماعي. يحرص هيجل على الإشارة إلى أن العمل، الذي في جوهره ليس فرديًا أبدًا، يسمح للبشر باكتساب الاعتراف من الآخرين بأنهم يتوقون ويحتاجون له بطبيعتهم. يتم تلبية الحاجة إلى الاعتراف في تقسيم العمل داخل المجتمع، بوصف العمل عنصر ملزم للفرد في المجتمع. يكتسب الأفراد من خلال نتاج العمل، الاعتراف المتبادل على قدم المساواة. إن الأفراد، بوصفهم عمالًا، هم أشخاص مستقلون يتحملون مسؤولية الآخرين، وبالتالي فهم جماعيون أيضًا. كان كل من كانط وهيجل مدركين تمامًا لعواقب اقتصاد السوق، وتصويرهما للذاتية على أنها وعي بقدرة الفرد على التفكير والتصرف بشكل مستقل، وكان التأكيد على التعاون هو استجابة للمشاكل الناجمة عن تحديث المجتمع الألماني في فجر الثورة الصناعية الكبرى. وطالب الأخير على وجه الخصوص، بتجاوز الدولة التي تم فيها معاملة الأفراد كتروس في آليًات السوق. لقد تصور مجتمعًا يشجع الخصوصيات الذاتية والاعتراف العالمي بالفرد الحر. ثم تطور هذا التفكير وعلى أساس قوي مع النظرية النقدية للرأسمالية المتأخرة. فهناك، المزيد من الأدلة التي تشير إلى أن الذاتية موجودة في جميع مجالات الحياة، وأن سمتها المميزة، الإرادة الحرة، وليست حاضرة حتى في أكثر الدول استبدادية وقمعًا. فقد تتجاوز الدول أو لا تتجاوز أدوارها القمعية وقد يتم خنق الشخصية، لكنها تبقى موجودة ولا تتوقف أبدًا عن العثور للتعبير عن نفسها على مستوى ما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0