ثقافة مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

عندما تخطب الفئران عن النظافة!

عندما تخطب الفئران عن النظافة!
   بقلم: أ.د. كمال أحمد غنيم
قال صديقي خربوش مبتسماً: “ماذا يحدث عندما تخطب الفئران عن النظافة؟!”.
قلت ضاحكا: “يصفق من حولها الذباب! ألم تسمع ما قاله الشاعر العراقي المعاصر أحمد مطر؟”.
قال خربوش متعجباً: “أليست تلك مبالغة؟! هل يعجز الناس عن منع تلك القاذورات؟!”.
قلت: “يمكنهم ذلك لو كانت الفئران حقيقية، أما إذا كانت نظماً دولية وقوانين غاب، تحلّل ما تشاء، وتحرّم ما تشاء، وتكيل بأكثر من مكيال، فذلك واقع يحتاج إلى ثلاثين عاماً، أو أربعين عاماً، أو ثمانين! واسأل مجرباً، ولا تسأل طبيباً!!”.
قال وقد اتسعت ابتسامته: “هل أنت مجرب؟!”.
قلت: “يا سلام، ومن لم يجرب جدول الضرب؟ كان معضلة طفولتنا، ثم صار من البدهيات. وطفولتنا لا تختلف كثيرا عن طفولة الشعوب!”.
قال: “دائماً تشدك السياسة إلى ثقبها الأسود، الذي يبتلع المجرات والنجوم”.
قلت: “السياسة لا تختلف كثيرا من دولة الفرد عن دولة المجموع. تتشابه القيم في المواقف الصغيرة والكبيرة. فالفئران المنهمكة في خطاب النظافة يمكن أن تكون من عامة الشعب! فكل متحدث عن قيمة خلقية ما -دون أن يطبّقها بشكل إيجابي- هو مشروعُ فأرٍ، يخطب عن النظافة! فالنظافة المدعّاة قد تكون سياسة أو اقتصاداً أو خلقاً أو ديناً… “كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”!
قال: “ياه! كأنني أسمع هذه الآية لأول مرة! فالمقت في ظني أكثر تنفيراً من القاذورات”.
قلت بألم: “القذارة أنواع: منها أن يحب المرء أكل لحم أخيه ميتاً، وقد تناثرت اللحوم في الشوارع، وأن يمشي الإنسان في الأرض مرحاً، وأن يرفع صوته، وأن لا يقتصد في مشيه… وحدّث عن بروز تلك الأنواع ولا حرج! والمقت أنواع، ويبدو أننا في زمن المقت الأعظم، الذي تنقلب فيه المعايير، يخوّن فيه الأمين، ويؤّمن الخائن، و…”.
قال: “لا تذهب بنا في اتجاه الوعظ الديني يا رجل!”.
قلت: “هل رأيت؟! السياسة لا تبتعد قيمها عن الدين، والدين لا يبتعد كثيرا عن مفردات حياتنا اليومية بكل تفاصيلها، وتأمل كبرى القضايا تجدها منبثقة بشكل عجيب من صغار القضايا. لذلك عرفنا الضعف والوهن لمّا فصلنا بين العلم والدين، والتجارة والخلق، والملك والعدل…”.
قال خربوش مقاطعاً وممازحاً: “قف! قف! (دوشتنا يا زلمة!)، يا رجل أين الحل؟ ما هو الصابون السحري الذي ينقذنا من تلك الخطابات والذبابات والفئرانيات؟!”.
قلت مبتسماً: “عارٌ عليك إذا فعلت عظيم!”.
قال بتأفف: “الأخلاق للمرة المليون!!”.
قلت واثقاً: “الأخلاق التي تمشي على الأرض سلوكا لا قولا فقط! إذا سارت الأخلاق مفعمة بالحياة بيننا، هربت الفئران، وذاب الذبّان!”.
قال مدهوشاً: “الأمر سهل يا أخا العرب!”.
قلت واثقاً: “هو السهل المتعب يا أخا الإسلام! لا نظافة للشوارع  دون آليات تنظيف، ولا نظافة للنفوس دون آليات مجاهدة، تهتم بجوهر الأشياء لا بقشورها! كان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحفظون القرآن، ولا ينتقلون إلى سورة أخرى قبل أن يطبقوا ما حفظوه، حيث آمنوا جيدا بالقول المأثور: “ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه!!!”.
قال: “والقرآن يلعنه؟!”.
قلت: “يا صديقي، الإسلام دين عمل، والعمل لا بد أن يلتزم بروح الدين، وروح الدين إخلاص النية، وللحديث إن عشنا بقية!”.
قال: “يا سيدي، قل ما لديك الآن، ودع للغد أذانه، أليس لكل وقت أذان؟”.
قلت: “لا تلتفت للكلمات المنمقة، وخذ ما يفيدك منها، أريدك أن تتمثل معنى اللعنة لدى الأخسرين أعمالاً، من يظنون أنهم يحسنون عملهم، يقرأون القرآن والقرآن يلعنهم! يا الله، شيئاً من الإخلاص! يا الله شيئا من إيمان من لو قيل إنه نجا الناس جميعاً، ودخلوا الجنّة إلا رجلاً واحداً؛ لخاف أن يكون هو!”.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0