عروض كتب فكر مختارات مقالات

البراغماتيون الثلاثة في النادي الميتافيزيقي

البراغماتيون الثلاثة في النادي الميتافيزيقي

بقلم/ علي حسين

من بين الكتب التي كنت حريصا على اقتناءها من معرض العراق الدولي كتاب ” النادي الميتافيزيقي ” تاليف لويس مياند ، وكتاب ” البراغماتيون الامريكيون” تاليف شيريا ميساك ، وكنت كالعادة متشوق لمعرفة قصة الافكار التي صنعت امريكا وايضا كان الدافع الاخر عشقي للفلسفة وغرامي بعدد من رجالاتها على راسهم جون ديوي الذي لا يزال كتابه ” الفن خبرة ” من اجمل واهم الكتب التي قرأتها .. كتاب النادي الميتافيزيقي يقدم لنا صورة حميمية عن مجموعة من الفلاسفة اشتركوا في نفس النظرة العامة نحو الحقيقة ، ويتتبع مؤلف الكتاب حياة أربعة أشخاص وهم أوليفر ويندل هولمز، ويليام جيمس، تشارلز بيرس وجون ديوي ، حيث كان هؤلاء الاربعة قد شكلوا مجموعة مهمتها نقل الفكر الأمريكي إلى العالم الحديث. فهم لم يمتلكوا تأثيرا على الفكر والادب والثقافة فحسب، بل امتلكوا تأثيرا كبيرا على الحياة الأمريكية. فأفكارهم غيرت الطريقة التي يفكر بها الأمريكيون عن التعليم والديمقراطية والحرية والعدالة ، وايضا ، غيروا الطريقة التي يعيش بها الأمريكيون ، كيف يتعلمون وكيف يعبرون عن آرائهم ويفهمون بعضهم ويعاملون بها المختلفين عنهم ؟. ثلاثة من هؤلاء الفلاسفة حالفني حظي ان اقرأ نتاجهم وقد كتبت من قبل عن حكايتي مع كتاب وليام جيمس الشهير ” البراغماتية ” ، اما الاسم الرابع أوليفر ويندل هولمز فقد قرأت عنه اشياء قليلة ،لم اعثر له على كتاب مترجم من كتبه ، لكنني تعرفت عليه قبل سنوات من خلال كتاب تاريخ الفلسفة الامريكية – ترجمه الى العربية محمد فتحي الشنيطي – وكتاب بيتر كاز الشهير الفلسفة الامريكية في 200عام – ترجمه الى العربية حسني نصار ، وقد ارتبط ويندل هولمز بصداقة مع المفكر الامريكي الشهير رالف إمرسون الذي يعد الاب الحقيقي للفكر الامريكي المعاصر ، وقد قال عنه امرسون ” لقد أوقد في الحماسة ” ، وكانت اراء ويندل هولمز صادمة في ذلك الوقت حيث كتب عن العبودية :” هل يملك البشر ، بشرا اخرين بقانون الرب ؟ ” ، بعدها اثار حفيظة رجال الدين عندما كتب :” لا يقف الإلتزام بالواجب لو ان الانجيل لم يكتب مطلقا ” .
فيما ياخذنا كتاب الاستاذة الجامعية شيريل ميساك ” البراغماتيون الامريكيون ” في رحلة نتعرف من خلالها على أهم الفلاسفة البراغماتيين منذ سبعينيات القرن السابع عشر وإنشاء النادي الميتافيزيقي حتى أوائل القرن العشرين. في هذا الكتاب تحليل لابزر أطروحات هؤلاء الفلاسفة واقتفاء مسار تاريخ الفكر البراغماتي حيث تحدد المؤلفة للقراء خطين سائدين ضمن هذه الفلسفة ، يبدأ الأول مع تشالرز ساندرز بيرس وتشاونسي رايت، ويستمر مع كلارنس إرفينغ لويس وويلارد ، وويلفريد سيلرز. في حين ينطلق الخط الثاني مع وليام جيمس، ويتواصل حتى جون ديوي وريتشارد رورتي.
ظلت البراغماتية ولا تزال تعبيرا صادقا عن الفلسفة الاميركية ، بل ان البعض يربط بينها وبين السياسة الاميركية ، حتى يقال ان البراغمانية كانت ولا تزال تعبر عن نظرة طبقة محددة الى العالم ، وهي الطبقة السياسية الاميركية ، حيث صاغها ممثلوها لتكون اداة للسيطرة الفكرية على العالم .. ، ويذهب البعض مثل سلامة موسى الى اعتبار البراغماتية محاولة لمواجهة الفلسفة الاشتراكية التي تؤمن بالتغيير والحقيقة الموضوعية ، ويذهب سلامة موسى الى ان البراغماتية ضد التطور العلمي لانها تؤمن بان الوجود اعتقاد والنجاح معيار الحكم على الحق والباطل .
نبعت الفلسفة البراغماتية من الداخل الامريكي ، فقد نشأت في جامعة كامبردج في اواخر ستينيات القرن التاسع عشر في ” النادي الميتافيزيقي ” وهو اشبه بنادي للقراءة ضم مجموعة من المفكرين ابرزهم اوليفر ويندل ، جون فيسك ، وليام جيمس ، تشارلز ساند بيرس ، جون فيسك وتشاونسي رايت – النادي الميتافيزيقي .. قصة الأفكار في امريكا ترجمة فاطمة الشعلان ” – وقد وجد اعضاء هذا النادي انفسهم عند منعطف فكري ، فكانوا اول جيل من الفلاسفة يضع مسافة بين الفلسفة والدين ، وقد اصر البراغماتيون ان يربطوا الاعتقادات بالخبرة ، وطالبوا بان تكون النظريات الفلسفية نابعة من ممارساتنا العملية . صاغ تشارلز ساندرس بيرس المبدا الاول للبراغماتية بقوله يجب ان ننظر في ثمار مفاهيمنا لكي نفهمها ، ويحدد وليام جيمس ان العلم التجريبي ونظرية التطور قد جعلا من البراغماتية ممكنة، يرتبط العلم بالبراغماتية ، العلم لا بوصفه نتيجة ، ولا تقنية بل بوصفه منهجا ، ولهذا السبب رفض وليام جيمس نفوذ العلماء حيث يصفهم بان :” حقل فعلهم محدود جدا .. انهم لا يشكلون سلطة عامة إلا في ما يخص المنهج ، وهناك المنهج البراغماتي يكملهم ويطورهم ” .يمكن ان يشكل القياس موقفا علميا ، اما اذا كان القياس تقنية تمارس لذاتها ، فلا يعود ، كما يقول جون ديوي ” سوى علامة احترام لشعائرية الممارسة العلمية على حساب جوهره ” وجوهره هو روح المختبر ” الذي تحدث عنه تشارلز بيرس – الفلسفة الامريكية تاليف جيرار ديلودال ترجمة جورج كتورة – .
يلخص الفرنسي ألكسي دي توكفيل المولود عام عام 1805 المبادئ الاساسية التي يتميز بها ما يمكن ان نسميه بالمنهج الفلسفي الاميركي بما يلي : الافلات من روح النظام ، ومن نير العادات ، واحكام العائلة ، وآراء الطبقية ، والى حد ما من احكام الامة المسبقة ، وعدم الاخذ بالتقليد إلا بوصفه تعليما ، وبالاحداث الراهنة إلا لانها نافعة لفعل عمل آخر اكثر صلاحا ، والبحث عن سبب الاشياء من قبل الافراد انفسهم وفي دواخلهم ايضا .
ارتبطت الفلسفة الاميركية بالسياسة حتى أن ابرز الرؤساء الاميركان في عهد الاستقلال كانت هوايتهم الفلسفة ، حيث نجد توماس جيفرسون كاتب إعلان استقلال أمريكا مغرما بفلسفة افلاطون ، وفي واحدة من رسائلة يحلم بجمهورية مثالية تُدرب مواطنيها على تولي وظائف الخدمة العامة ،ومن اجل ذلك اعد جيفرسون مشروعا للتعليم العام ، متخذا من نصيحة افلاطون منهجا له ، وهي النصيحة التي تتناول موضوعة الفيلسوف الملك الذي لا ينحصر اهتمامه الأساسي قبل اي شيء آخر في اعداد الفلاسفة الملوك بقدر ما يهتم بأن يتجلى الملوك والامراء في هذا العالم بروح الفلسفة وهيمنتها ، وكان بنجامين فرانكلين احد الاباء المؤسسين لاميركا يهتم بكتب ارسطو وقد لاحظ إن الفيلسوف الإغريقي طوّر خطة لمحاولة شرح الأسباب من خلال تقسيمها إلى أربعة أنواع. وقد سميت هذه القضايا بالأسباب المادية والشكلية والفعالة والنهائية .
هكذا ولدت الفلسفة الاميركية والتي كانت البراغماتية تعبيرا صادقا عنها ، ونسأل ما هي البراغماتية ؟
تخبرنا موسوعات الفلسفة وقواميسها ان الاصل اللغوي للبراغماتية يعني ” ما هو عملي ” وهذه الكلمة كانت من وضع الفيلسوف الاميركي ” تشارلز ساندرس بيرس ” وهو صاحب العبارة الشهيرة ” ما هو عملي هو تجريبي بالضرورة ” ، ويعد بيرس اول فيلسوف امريكي يقدم للعالم فلسفة جديدة تتبلور فيها الحياة العقلية في امريكا ،وهذه الفلسفة التي سميت ” البراغماتية ” والتي طورها من بعدة الفيلسوفان الكبيران اللذان سارا على نهجه وهما وليم جيمس وجون ديوي .. عاش تشارلز بيرس حياة قاسية ، ولد في العاشر من ايلول عام 1839 في كامبريدج وكان الابن الثاني لأستاذ الرياضيات والفلك في هارفارد ، تلقى منذ صغره تعليما فلسفيا من والده الذي حبب اليه علم المنطق ، فحفظ وهو صبي عن ظهر قلب كتاب ايمانويل كانط ” نقد العقل المحض ” ، تخرج من هارفرد عام 1859 ، ليعمل في مؤسسة لعلم مساحة الارض ، وسيشارك في تاسيس النادي الميتافيزيقي الذي كان احد مؤسسيه ايضا وليم جيمس ، بعدها سيعمل استاذا محاضرا في هارفارد حيث القى محاضرات عن فلسفة العلوم ، وكتب عدد من المقالات في المجلة الفلسفية ، عام 1887 يقرر بيرس الابتعاد عن الجو الاكاديمي بعد ان حصل على ارث صغير بعد وفاة والده ، ليسافر الى بنسلفانيا حيث قرر التفرغ لكتابة ” كتاب في المنطق ” الذي قال في احدى رسائله لوليم جيمس انه سيكون بـ 12 مجلدا ، وبسبب عدم معرفته ادارة اموالة ، وجد نفسه يغرق في الديون .. كتب عددا من الابحاث التي تحولت الى كتب ، ومن اجل الحصول على المال القى بعض المحاضرات في بوسطن ، لكن المكافاة لم تكن مجدية ، عام 1875 ستهجره زوجته الاولى بعد زواج استمر ثلاثة عشر عاما ، واجبر عام 1880 على بيع مكتبته التي كانت تحوي كتب نادرة في المنطق بمبلغ 550 دولارا ، عام 1883 سيتزوج من الفرنسية جوليت انيت ، التي كانت مغرمة بافكاره ، لكنها قاست معه الحرمان وشظف العيش ، ورغم كل هذه الظروف اصر على الانتهاء من كتابه الكبير في المنطق .. اصيب بالسرطان الذي لم يمهله طويلا حيث توفي في 19 نيسان عام 1914 ، وكانت آخر كلماته لزوجته انه سيودع هذه الدنيا وقد انجز حلم حياته ” فلسفته البراغماتية ” .
في كتابه ” كيف نجعل أفكارنا واضحة ” يختصر لنا بيرس موقفه الفلسفي :” ان فلسفتي يمكن وصفها بانها محاولة فيزيائي ان يصور بنية الكون تصويرا لا يتعدى ما تسمح به مناهج البحث العلمي ، مستعينا في ذلك بكل ما سبقتي اليه الفلاسفة السابقون ، لكني لن اصطنع في هذا طرائق الميتافيزيقيين في الاستنباط الذي يقيمونه على فروض من عندهم ” .
في كتابه ” البراغماتيه ” يحدد وليم جيمس المعنى الحقيقي للكلمة :” الاصطلاح مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني ( الفعل او العمل او الوقوع ) ” ويخبرنا جيمس ان بيرس هو الذي ادخل هذه الكلمة الى الفلسفة للمرة الاولى عام 1878 .
كان السؤال الرئيسي الذي يشغل بيرس في فلسفته ” البراغمانية ” هو : ما هي الفكرة ؟ ” فمن المعروف ان جميع الناس يقولون ان لديهم افكارا سياسية واجتماعية واقتصادية واحيانا ثقافية وغيرها ويتساءل بيرس : متى تكون هذه الفكرة جديرة بهذا الاسم ؟ يؤكد بيرس ان الذي يحدد الفكرة ليس ” مقوماتها ” بل ما تستطيع ان تفعله في دنيا الاشياء ، فالفكرة اداة تُطلب او تستخدم للغرض الذي تؤديه .. وليست هي كالصورة الفنية ننظر اليها بذاتها ، وبيرس يصف الفكرة مثل مفتاح الباب، ليس المهم ان يكون مصنوعا من النحاس او الحديد او الخشب ، بل المهم هو انه يفتح الباب المغلق ، فاذا لم ينفتح الباب ، لا تكون هناك اهمية للمفتاح ، مهما اتخذ لنفسه من صور المفاتيح .. ولهذا عند بيرس الفكرة هي خطة للعمل ، وقيمتها في نجاح تلك الخطة . هي مثل الخريطة التي يحملها المسافر ، ليست اهميتها بنوع الورق وجمال الالوان ، بل بكونها صالحة للاساخدام العملي ، يعرف من خلالها المسافر اين يقع المكان الذي سيذهب اليه .. فالفكرة تكون صادقة وعملية طالما ان اعتقادي فيها يكون مفيدا ومريحا ..وطبقا لتعريف وليم جيمس فاننا لانستطيع ان نرفض اي فرض له نتائج مفيدة في حياتنا ، فاذا كانت الافكار مفيدة ونافعة لي فهي حق وواجب علي ، ان اعتقد فيها والتزم بها مثل ما هو واجب علي ان اعتني بصحتي واحصل على المال . فالفكرة النافعة حق والعكس صحيح ، وكذلك فان الفكرة غير النافعة او الضارة هي فكرة زائفة .. ويحدد بيرس ان لا فكرة صحيحة ما لم تكون هناك تجربة تدعمها .. ولهذا فالبراغماتية كما يتصورها بيرس ليست ” رؤية عن العالم ، بل هي منهج للتفكير من اهدافها ان تجعل الافكار واضحة ” .
كان بيرس يكره النظريات التجريدية التي لا تحدث فرقا في الواقع، كان يعتبرها كلام فارغ ، فالحقيقة بالنسبة له هي ما ننتهي بالحصول عليه .
لم تقرأ اعمال بيرس على نحو واسع ،لكن اعمال زميله وليم جيمس استطاعت ان تحقق النجاح للفلسفة ” البراغماتية ” بسبب اسلوبه القريب من الادب .
نشر وليام جيمس كتابه ” البراغماتية ” – ترجمه الى العربية محمد علي العريان – بعنوان فرعي ” اسم جديد لبعض الاساليب القديمة في التفكير ” في عام 1907 ، اي قبل وفاة زميله بيرس بسبعة اعوام ، في ذلك الوقت كان جون ديوي يلقي محاضرات عن البراغماتية سيجمعها فيما بعد في كتاب بعنوان ” تجديد في الفلسفة ” – ترجم الى العربية بعنوان اعادة البناء في الفلسفة – ، وقبل صدور الكتاب كان وليم جيمس قد امضى ساعات من النقاش حول مفهوم البراغماتية .. حيث لخص وليم جيمس مفهومه للحقيقة بانها التي تنفع .. والغريب ان كتاب ” البراغماتية ” الذي كتبه وليام جيمس اثار حفيظة بيرس الذي قال انه شوه نظريته ، ولهذا اصر بيرس ان يطلق على فلسفته اسم ” البراغماتية الدقيقة ” . في واحدة من رسائله يكتب بيرس :” على الرغم من ان جيمس يسمى نفسه براغماتيا – ولا شك انه استقى افكاره عن الموضوع عني – فانه يوجد فرق جوهري جدا بين براغماتيته وبراغماتيتي “.. وظلت العلاقة متذبذبة بين بيرس وجيمس ، لكن الاخير كان يحمل الكثير من التقدير لبيرس وعندما خطط بيرس لكتابة كتابه الضخم عن “المنطق ” ارسل وليم جيمس رساله اليه يقول فيها :” لقد غمرني الفرح من صميم فؤادي إذ اعلم انك تستعد لنشر نتائج ابحاثك وتفكيرك الفلسفي في شكل كامل ومترابط ، لا يوجد مفكر اكثر ابتكارا منك في جيلنا برمته ، لقد اوحيت لي شخصيا بامور في غاية الاهمية اكثر من اي شخص اخر قدر لي ان اعرفه ” ، إلا ان الغريب ان وليم جيمس لم يهدي كتابه ” البراغماتيه ” الى صديقه بيرس صاحب الفضل في تاسيس هذه الفلسفة وانما اهداه الى :” ذكرى جون ستيوارت ميل الذي تعلمت منه لاول مرة الانفتاح البراغماتي للعقل والذي يحب خيالي ان يصوره كزعيمنا لو كان حيا بين ظهرانينا اليوم ” ، ، لكنه كان قبل هذا االتاريخ وبالتحديد عام 1896 اهدى كتابه ” ارادة الاعتقاد – ترجم الى العربية في اربعينيات القرن الماضي – وسيكتب في الاهداء:” الى صديقي القديم تشارلز ساندرز بيرس الذي ادين لرفقته الفلسفية في الايام الخوالي والى كتاباته في السنوات الحديثة بالبحث والعون ، اكثر مما في وسعي ان اعبر عنه أو ارد فضله ”
ولد وليم جيمس في كانون الثاني عام 1842 وكان اكبر اخوته الخمسة الذين كان من بينهم شقيقه الروائي الشهير هنري جيمس ، ولد لاسرة غنية ، كان الاب من عائلة اثرت من التجارة والاشتغال بالزراعة ، معجب بكتابات السويدي ايمانويل سويدنبورغ عن التصوف ، وقد انفق الاب معظم سنوات حياته في رحلات لا تنقطع بين اميركا وبلدان اوربا ،حيث كانت هذه الرحلات طريقه الى التثقيف ، ولهذا عاش وليم سنوات حياته الاولى متنقلا بين نيويورك وجنيف وباريس ، وقد اتاحت له هذه الرحلات اتقان عدد من اللغات منها الفرنسية والالمانية .. ومثل صديقه بيرس سيدخل جامعة هارفرد ، لكنه لم يختر الفلسفة وانما الكيمياء ، بعدها سينتقل الى الطب حيث يتخرج من الجامعة طبيبا مختصا ، ليسافر الى اوربا حيث اكمل دراسته العليا في اختصاص علم وظائف الاعضاء ، وقد اخذ يلقي محاضرات عن صلة علم الاعضاء بعلم النفس ، ونجده في هذه السنوات يؤسس اول معمل لعلم النفس التجريبي في امريكا ، وكانت اولى كتبه موسوعته الضخمة” اصول علم النفس ” التي ارسى فيها داعائم جديدة لعلم النفس ، فقبله كان علم النفس يقوم على مبادئ لاهوتية ،إالا ان وليم جيمس اصر على ان يقوم هذا العلم على التحليل الفيزيولوجي ، وسيكتب في احدى رسائله الى بيرس :” يبدو لي ان الوقت قد حان لكي يبدأ علم النفس ان يكون علما ” ..عام 1897 يصبح جيمس استاذا للفلسفة ، حيث راح يهتم بدراسة الاديان ، وتعريف الحقيقة والمنهج في الفلسفة ، وسينشر عام 1898 كتابه ” ارادة الاعتقاد ” – ترجمه الى العربية محمد حب الله، وكتاب العقل والدين عام 1902 ” – ترجمه الى محمد حب الله – تبعه كتابه الشهير ” البراغماتية “عام 1907 وكتاب عالم متعدد عام 1909 – ترجمه الى العربية احمد الانصاري – وكتاب ” معنى الحقيقة – ترجمه الى العربية احمد الانصاري ، وكتاب مشكلات الفلسفة الذي صدر بعد موته – ترجمه الى العربية محمد فتحي الشنيطي – كان وليم جيمس يعاني من مرض القلب منذ صباه ، وخلال السنوات الاخيرة اخذت حالته الصحية تسوء ، سافر الى باريس للعلاج عام 1910 ، لكن العلاج فشل ليعود الى منزله حيث توفي في 26 اب عام 1910 وقد شخص الاطباء اسباب الوفاة ، فشل في وظائف القلب ، حيث تم دفنه في مقابر الاسرة في كامبريدج .
والان نعود للسؤال مرة اخرى ما البراغماتية ؟
يرى وليم جيمس ان البراغماتية هي الفلسفة الوحيدة التي تضع نفسها في خدمة الانسان ، فهو في كتابه يقترح علينا ان نتبنى فلسفة تلائم حاجاتنا وتطلعاتنا ، وحسب رأي جيمس ان البراغماتية تدلنا على طريقة حياة لا تستبعد اي فرضية إن كانت نتائجها ستكون مفيدة لحياتنا يكتب جيمس :” من هنا فانه في مسرى نمط تفكيرنا ، من المؤكد ان الحقيقي ، مثل الصائب الذي لا يمكن على أية حال أن يكون ثمة غبار عليه من الناحية المنطقية والمبدئية ، ليس سوى ذاك الذي يبدو ملائما لنمط تحركنا وفعلنا وسلوكنا ” .. ويؤكد جيمس ان مهمة الفلسفة هي ” رصد ما هو حقيقي ” ، والبراغماتيه في مفهوم جيمس هي فلسفة العمل ، والفكرة التي تقوم عليها البراغماتية هي في ان نخضع سلوكنا باكمله لاختبار مادي واحد وهو ان نسأل : هل لهذا المسلك ثمن مجز ؟ وما هي القيمة الفورية لاي عمل نرغب في تاديته ، ويوضح جيمس هذه الفكرة قائلاُ :” ولكن لا تسيئوا فهم هذه الفكرة . فاذا ما ذكرت القيمة الفورية فانني لا اعني رد الثمن بالدولارات والسنتات ، وانما اقصد بها الجزاء في صورة صحة أسلم ، وعقل أقوى وروح اجرأ .. كان وليم جيمس قد قرر ان يطبق فلسفته البراغماتية على حياته ، :” لقد منحتني هذه الفلسفة حافزا أقوى على الحياة ، وتسامحا احكم نحو الاخرين ، ونظرة اصفى الى الكون ، وافاقا اوسع ، ورضى اعمق ، وسلاما اعظم ” ..ويقول وليم جيمس انه ليس هناك ما نخشاه ما دام العالم هو بيتا المشترك وسكانه جميعا هم افراد اسرتنا الواحدة ، ويؤمن جيمس ان الدين الحقيقي هو ذلك الذي يوحد الجنس البشري باكمله ويجعل منه اسرة واحدة .
وطبقا للبراغماتية فاننا كبشر لا نستطيع ان نرفض اي فرض له نتائج مفيدة في حياتنا ، فاذا كانت الفكرة مفيدة ونافعة لي في هذا الموقف الآن فهي حق واجب علي الاعتقاد فيها ، ومن حقنا ان نؤمن باي فكرة أياً كانت هذه الفكرة طالما انها تقودنا نحو الهدف ..يكتب وليام جيمس في كتابه البراغماتية :” اولى بالمفكر البراغماتي ان يدير ظهره في اصرار وعناد لكل القضايا القبلية والمجردات والمبادئ الثابتة والمبادئ المغلقة والمطلقات ، وعليه فقط بالنتائج الملموسة والعمل والقوة ” .
وستتطور البراغماتية لتتحول الى فلسفة متكاملة على يد ثالث فلاسفتها الكبار ” جون ديوي ” المولود في العشرين من تشرين الاول عام 1859 في ولاية فيرمونت الامريكية ، وهي نفس السنة التي أصدر فيها تشارلز داروين كتابه ” أصل الأنواع “، والذي سيتعلق به ديوي اثناء مراهقته ، وايضا نفس السنة التي ولد فيها الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون والفيلسوف الالماني ادموند هوسرل ، كان ديوي الابن الثالث لعائلة من الطبقة الوسطى ، الاب يعمل بقالا ، لكنه كان شغوفا بقراءة شكسبير وملتون، يسمى جون على اسم شقيقه الذي توفي قبل ولادته بنحو اربعين اسبوعا ، كان الاب يتمنى أن يدخل ابناءه سلك التجارة ، لكن الام ظلت تصر على ان الابناء يجب ان يكملوا تعليمهم الجامعي ، دخل ديوي الجامعة في سن السابعة عشر حيث اختار دراسة الفلسفة ، وبعد التخرج التحق بجامعة ” جونز هوبكنز ” لاكمال دراسته العليا ، وهناك يتعرف على تشارلز بيرس الذي كان استاذا .بعد التخرج التحق مدرسا في جامعة شيكاغو ، وقد تزامنت فترة الدراسات العليا لجون ديوي مع الفترة القصيرة التي قضاها وليام جيمس في جامعة هوبكنز ، في تلك الفترة اعاد بيرس احياء النادي الميتافيزيقي ، حيث يصبح ديوي عضوا فيه وفي هذا النادي سيتعرف عن قرب الى الفلسفة البراغماتية ، ويصبح احد اعلام مدرسة النظرية التربوية ..عام 1904 يقدم استقالته من جامعة شيكاغو ، ينتقل الى جامعة كولومبيا التي يتقاعد منها عام 1930 ليتفرغ لانجاز عمله الفلسفي الكبير ” المنطق .. نظرية البحث ” – ترجمه الى العربية زكي نجيب محمود . وفي هذا الكتاب حاول ديوي ان يعرض منطقا يساير ويلائم تطور العلم الحديث ، ويعبر من خلاله عن راي الفلسفة البراغماتية في موضوعة المنطق ، يكتب ديوي في مقدمة الكتاب ان كتابه هذا ” براغماتي من اوله الى آخره ، إذا نظرنا الى البراغماتية تؤولها تأويلا سليما ، واعني به ان تستخدم النتائج على انها اختبارات لا بد منها للدلالة على صدق القضايا ، على شرط ان تتناول هذه النتائج من حيث هي عمليات يمكن إجراؤها ، ومن حيث هي وسائل تؤدي إلى حل المشكلة التي قد استدعت تلك الاجراءات ” .
يؤكد زكي نجيب محمود في المقدمة المهمة التي كتبها للترجمة العربية لكتاب ” المنطق ، ان هدف جون ديوي من كتابه هو :” تحليل عملية الفكر نفسها، فالأفكار ما طبيعتها وما أصلها؟ وكيف تطورت في عقل الإنسان من أصولها البيولوجية والاجتماعية الأولية البسيطة حتى أصبحَتْ ما أصبحَتْ؟ وبعبارة أخرى كان المنط هو أهم ما خلفه لنا هذا الفيلسوف، فكما أن أرسطو قد خلَّف من بعده منطقًا أقامه على أساس المنهج الاستنباطي الرياضي الذي يصوّر طريقة اليونان الأقدمين — وطريقة أهل العصور الوسطى المتديّنة — فقد كان ديوي في عصرنا الحاضر من بين من أقاموا منطقًا جديدا يصور طرائق البحث في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو المنطق الذي أطلق عليه اسما فنيا هو نظرية البحث، قاصدا بكلمة البحث هنا أن ينخرط الإنسان في مسلك عملي يعالج به موقفا مشكلا حتى يَنفض إشكاله ” .
اشتهر جون ديوي بتاكيد مبدأ الخبرة ، مقابل مبدأ التجربة . فالخبرة هي مجموع ما يحصله الانسان ثمرة تفاعله بالبيئة التي يعيش فيها ، وتظل هذه الخبرة تتزايد طبقا للمبدأ الذي يؤكده جون ديوي وهو ” خبرة التواصل ” ، وقد قدم ديوي معنى الخبرة وصلتها بالانسان والطبيعة في عدة كتب اهمها ” الخبرة والطبيعة ” وكتاب الخبرة والتربية – ترجمه الى العربية محمد رفعت رمضان – وكتاب ” الفن خبرة – ترجمة زكريا ابراهيم – وفي هذا الكتاب يكشف عن طبيعة الفن ومسائل علم الجمال .
في فلسفته البرغماتية يرفض جون ديوي الرجوع الى سلطة اعلى من سلطة الانسان نفسه ، ومن خبرته التي يكسبها من خلال العمل والتفكير والبحث ، وهو الأمر الذي اثار عليه رجال الدين ، لانه ينكر السلطة العليا ، والقول بوجود سلطة في عالم السماء .
يقول ديوي في معرض الرد على رجال الدين واصحاب النظريات اللاهوتية أن البحث فيما وراء الطبيعة ، لا فائدة منه ، وان حصر مهمة الفلسفة في ذلك حسب رأيه احد العوامل الرئيسة التي اوصلت الفلسفة الى حالتها الراهنة من التاخر والعبث والبعد عن مستلزمات الحياة والمجتمع ، ويرى ديوي ان وظيفة الفلسفة كما يروج له العديد من الفلاسفة الطبيعيين امر لاضرورة له ، ان النظرة العميقة الشاملة للكون والحياة ينبغي ان يعهد بها الى فلاسفة العلم ، لا الى الفلسفة بشكل مطلق ، يعتقد ديوي ان وظيفة الفلسفة هي ان تعالج مشكلات المجتمع معالجة وسيلتها العلم الحديث ، وان مشكلات المجتمع في الوقت الحاضر تختلف عما كانت عليه في الزمن الماضي ، ولهذا يجب ان تنطلق فلسفة حديثة تستمد قوتها وديمومتها من روح العصر الذي نعيش فيه ، وتأخذ مادتها من طبيعة مشكلاته الفكرية والمادية .
يتميز جون ديوي عن كل من تشارلز بيرس ووليام جيمس في انه يستعيض عن الدين في مرحلة شبابه بالإيمان بالديمقراطية والتربية المنفتحه ، ونراه يتوجس من الدين العقائدي ، لانه مشبع بالافكار فوق الطبيعية التي تتعارض مع مفهمم الفلسفة التي يتبناها ن، ولانه يعتقد ان الدين العقائدي والمنظم خطير من الناحية الاخلاقية :” لم اكن يوما قادرا على إضفاء اهمية كبرى على الدين بوصفه مشكلة فلسفية ” – البراغماتيون الامريكيون ترجمة جمال شرف –
لعل من المساهمات البارزة لفلسفة جون ديوي هي فكرة الديمقراطية التي يرى انها تسير جنبا الى جنب مع التحقيق ، ويؤكد ديوي ان الديمقراطية هي استخدام المنهج التجريبي من اجل حل المشكلات العملية، انها تطبيق لـ” الذكاء التعاوني ” وهي ” الفضاء الذي نستطيع فيه ان نقتنع ونُقنع بالعقل ” . يهتم ديوي بقدرة الانسان فيما يخص المبادرة والمداولة والمشاورة والتجريب ، ويشير الى أن الديمقراطية هي شرط مسبق لهذه الممارسات العملية في كل مجال من مجالات التحقيق ، من الفيزياء الى السياسة . يتطلب التحقيق او ” المنهج العلمي ” تدفق معلومات من دون عوائق وحرية في فرض الفرضيات وانتقادها ، وهذا يعني انه يتطلب دعامة ديمقراطية .
في السنوات من عام 1930 العام الذي تقاعد فيه من الجامعة وحتى لحظة رحيله في الاول من حزيران عام 1952 عن عمر ” 92 ” عاما ، كان جون ديوي قد أصبح الشخصية الأبرز في الفلسفة الأمريكية. وحتى بعد أن توقف عن التدريس، لم يتوقف عن أنشطته في الفلسفة والشؤون العامة. ومن الجدير بالذكر أنه كان رئيس لجنة التقصي التي حكمت لصالح ليون تروتسكي ضد ستالين.. وخلال هذه السنوات اصبح ديوي نجم الفلسفة البراغماتية رغم ان هذه الفلسفة شهدت في سنوات ديوي الاخيرة تراجعا ، ولم تعد تستقطب الكثير من الفلاسفة .

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0