فكر مختارات مقالات

 إنبدوقليس واختراع العناصر الأربعة

 إنبدوقليس واختراع العناصر الأربعة

بقلم/ د. وسام الدين محمد

مثل الإيليون خطوة في اتجاه علم الوجود، ولكن السؤال عن بنية الكون ونشأته كانت لا يزال يشغل الفلاسفة اليونان، وحاول بعضهم أن يطرحوا إجابة عن هذا السؤال، وكان إنبدوقليس في طليعتهم.
ولد إنبدوقليس في مستعمرة يونانية على الساحل الصقلي تسمى آكراجاس وذلك نحو عام 494 ق.م، وتوفى نحو 434 ق.م في مكان ما ربما يكون بلاد اليونان الأصلية والتي ربما يكون قد زارها في أواخر أيامه؛ وقد انحدر من أسرة ثرية تشتغل بتربية خيول السباق، وعمل طبيبًا وصيدلي، واشتغل بالسياسة ودافع عن ديموقراطية مدينته في وجه من أرادوا تحويلها إلى ديكتاتورية، ويزعم رواة سيرته أن أهل مدينته أرادوا تتويجه ملكًا على مدينتهم بدافع الامتنان لدفاعه عن ديموقراطيتهم، ولكن فضل أن يظل طبيبًا عاديًا يعالج الناس، وينشر أفكاره الفلسفية بينهم.

فلسفة إنبدوقليس
يشير بعض من أرخ لحياة إنبدوقليس إلى أنه قد تأثر بالفلاسفة السابقين، خاصة فيثاغورث وباراميندس؛ ولعله قد بدأ حياته فيثاغورثيًا، فقد كان الفيثاغورثيين في ذلك الوقت ينتشرون في جنوب إيطاليا وصقلية واشتهر عنهم احترافهم الطب، المهنة التي احترفها إنبدوقليس نفسه؛ كذلك سوف نجده يحاكي باراميندس، ويقدم أفكاره الفلسفية في قصيدة ضمت نحو ألفي بيت، وصلنا منهم أقل من مائتي بيت، ويطلق عليها مؤرخو الفلسفة اسم (حول الطبيعة)، تمييزًا لها عن قصيدته الأخرى التي اسموها (التطهر)، والتي يطرح فيها أفكاره حول بنية العالم.
وبالفعل، عندما نستعرض أفكار إنبدوقليس الفلسفية سوف نجده يراوح ما بين مدرسة الميلطيون الذين بحثوا في طبيعة العالم، ومدرسة الفيثاغورثيين المغرقة في الصوفية؛ فقد اقترح إنبدوقليس أن العالم لم يصنع من مبدأ أو عنصر أولي واحد، ولكن من أربعة عناصر أولية متكافئة يسميها إنبدوقليس بالجذور، وهي الماء والهواء والنار والتراب، فهو بذلك أول من أعتبر التراب عنصر أولي في تركيب العالم، ثم ذهب إلى أبعد من اقترح عناصر أولية صنع منها العالم، بل اقترح ايضًا كيف يتكون العالم من هذه العناصر الأربعة، حيث زعم أن هناك قوتين متعارضتين، واسماهما الحب والشقاق، فهذه العناصر تختلط وتتجمع بمقادير مختلفة بفعل قوة الحب، فينشأ عنها الموجودات الكثيرة في العالم، ولكن إذا كانت قوة الحب هي القوة الوحيدة في هذا العالم، فإن مصير كل العناصر إلى الاتحاد في كيان واحد، هذا الكيان الكرة الأصلية، وهي نفسها الكرة التي يرى الميليطيون أنها أصل هذا العالم والتي عبروا عنها بالبيضة الكونية، والكرة الكونية واحدة ينتفي فيها تعدد الموجودات، وساكنة لا تتغير، ولكن قوى الشقاق تمزقها، لتظهر للعالم الموجودات المختلفة من جديد التي تجمع قوى الحب أشلاءها؛ ويظل الكون يراوح بين الكرة الكونية الواحدة والساكنة، وبين الموجودات بفعل تبادل قوى الحب والشقاق.
ثم راح إنبدوقليس مستندًا على نظريته حول الجذور الأربعة وقوتا الحب والشقاق، يحاول تخيل كيف خلقت الكائنات الحية، فزعم أن اللحم والعظم قد خلقًا من اجتماع الجذور الأربعة بنسب مختلفة، ثم اجتمع بعض اللحم إلى بعض العظم، فتكونت الرؤوس والأذرع والعيون، كلًا منفرد مستقل، ثم راحت تلك الأعضاء تتحد كيفما اتفق، فتكونت كائنات حية مختلفة، منها مسوخ مشوهة سرعان ما فنت.
وقد صاغ إنبدوقليس نظرية حاول بها أن يفسر كيف يمكن أن نشعر بالأشياء، حيث زعم أن الشعور بشيء ما هو نتاج تأثر أحد الجذور المكونة لأجسامنا، بالجذر المقابل في البيئة، فالشعور بالحرارة يحدث نتيجة تأثر الجذر الناري في اجسامنا، بجسم ناري في محيطنا، وقد زعم أنه لحدوث هذا التأثر فإن هناك شلال من بخار دقيق من الجسيمات الدقيقة، يغادر اجسامنا عبر مسام دقيقة جدًا، ومن ثم يلتقي بشلال من بخار دقيق يخرج مما يحيط بنا، فيحدث التأثر، وبالتالي نشعر بخاصية هذا الشيء؛ وقد ضرب إنبدوقليس مثلًا الرؤية، حيث زعم أن هناك مسام في العين يخرج منها هذا الشلال الدقيق من الجسيمات الدقيقة، والتي تلتقي بالجسيمات الخارجة من الأجسام المحيطة، وتتأثر بها ومن ثم تحدث الرؤية، وتتباين الألوان بسبب تباين حجم الجسيمات الخارجة من العين، وتباين حجم المسام نفسها، فلكل لون جسيم له حجم مميز عن بقية الجسيمات.
وقد آمن إنبدوقليس بأن النفس البشرية تسكن القلب، وأن الإنسان كائن سماوي استسلم لقوى الشقاق، وأن على نفسه أن تقضي دورة مدتها ثلاثين ألف سنة قبل أن تستطيع العودة إلى مكانها السماوي، وخلال هذه الفترة فإن هذه النفس تنتقل بين الأجساد الفانية بالتناسخ؛ وقد رسم لمريديه إنبدوقليس طريق الخلاص من دورة الثلاثين ألف سنة عبر مجموعة من طقوس التطهير التي ينبغي للمريد التزامها حتى يتخلص من التناسخ ويعود إلى مكانه السماوي.

إرث إنبدوقليس
للنظرة الأولى، يبدو إنبدوقليس من خلال استعراض أفكاره، وكأنه يحاول الملائمة بين أفكار الفلاسفة الطبيعيين الذين اهتموا بدارسة أصل العالم وبنيته من خلال اقتراحه نظرية الجذور الأربعة، وبين النزعة الصوفية الفيثاغورثيه التي تظهر في اعتقاده بالتناسخ ودعوته للتطهر لنيل الخلاص؛ كما أنه لم يميز إنبدوقليس بين الإحساس والمعرفة، وإن كان قد أدرك أن الإحساس لا يمكن أن ينقل صورة كاملة عن الشيء، وأن المعرفة التي تقوم على الإحساس معرفة منقوصة؛ وفيما بعد سوف يعاد قراءه إرثه أكثر من مرة كلما وجد أحدهم فيه ما يناسبه، ولسوف يرى التطوريين إرهاصات لنظرية التطور فيما اقترحه عن خلق الحياة من التقاء الجذور الأربعة بالصدفة، وتكون كائنات حية، تفني بعضها نتيجة فشلها في التكيف مع الحياة، بينما ينجح البعض الآخر في الاستمرار؛ ولسوف تظل نظرية عن الرؤية الناتجة عن شلال من الجسيمات يخرج من العين هي المهيمنة على نظريات الأطباء اليونان ومن أتى بعدهم حتى هدمها الأطباء المسلمون؛ أما جذوره الأربعة وقوى الحب والشقاق، فقد اعتبرت أهم ما أنجزه، وإن كان كثير من الناقدين قد أخذ عليه غموضه في تحديده ما هي قوة الحب وما هي قوة الشقاق؛ وفيما بعد سوف يعيد أرسطو إنتاج نظرية العناصر الأربعة لتمثل أساس تفسيراته للعالم المادي والغيبي، وهي التفسيرات التي مثلت أساس العلم في أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي؛ وفي المقابل أسهم أتباع الرجل في إضفاء صور القداسة عليه، ففسروا وصفه لنفسه بأنه رجل سماوي، وهو الوصف الذي استخدمه فيثاغورث لنفسه من قبل، فزعموا أنه كان إله تجسد بين البشر، ونسبوا له معجزات منها أنه أحيا امرأة بعد وفاتها بثلاثين يومًا، وفي المقابل أختلق خصومه قصة للسخرية منه موجزها أنه قد ألقى بنفسه في فوهة بركان ليثبت أنه إله خالد لا يموت.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0