سياسة مجتمع مختارات مقالات

أصبحت ناقماً على سايكس بيكو

بقلم/ أحمد ابو ارتيمة

أصبحت ناقماً على سايكس بيكو وعلى الإرث الثقيل للاستعمار والاستبداد الذي لا يزال يمزق أوصالنا منذ مائة عام.
حين وصلت بالطائرة من أسبانيا إلى ألمانيا كنت مهيئاً لإبراز جواز سفري لأمن المطار، لأني أفهم أن هذا ما يحدث عادةً حين الوصول إلى بلد جديد. اتبعت الأسهم الإرشادية في المطار فلم يوقفني أحد حتى وصلت إلى المكان المخصص للحقائب. تناولت حقيبتي، وأنا أشعر أن هناك خللاً ما، لأن أحداً لم يوقفني ويسألني عن جواز السفر. واصلت اتباع الأسهم حتى أوصلتني إلى بوابة الخروج فوجدت نفسي في الشارع.
غريب ” من باب الطائرة إلى الشارع” ! هل يعقل أن أدخل بلداً جديداً دون أن يوقفني أحد ويسألني لماذا أتيت ودون أن يطلب مني على الأقل رؤية جواز سفري؟
للحظة شعرت بالرغبة في إطالة عنقي أمام عناصر الأمن لعلهم يوقفوني ويرون جواز سفري فأسترد التوازن النفسي الذي اختل بفعل صدمة الانتقال المفاجئ من ضيق القيود والحدود إلى سعة البلاد المفتوحة.
فهمت أن هذا هو الوضع الطبيعي في السفر بين سبع وعشرين دولةً هي قوام الاتحاد الأوروبي.
لا أحد يطلب منك شيئاً سوى تذكرة الطائرة أو تذكرة القطار..
في غزة نعيش على بعد ساعتين فقط بالسيارة من مدينة القدس، لكن أجيالاً كاملةً لم تتمكن من زيارة القدس مرةً واحدةً طوال حياتها، مع أنه يفترض أننا في بلد واحد..
قبل أيام قليلة، اجتمع شمل أخت أعرفها بزوجها بعد ست سنوات من المحاولة، هو في الضفة وهي في غزة، والمسافة الفاصلة بينهما ساعة واحدة بالسيارة، ومع كل المبررات المنطقية والإنسانية استغرق الأمر ست سنوات حتى تمكنا أخيراً من اللقاء خارج حدود فلسطين..
المأساة ليست من نصيب فلسطين وحدها، يحدثني أصدقاء في سوريا بالحكاية ذاتها، التنقل بين مدينة ومدينة داخل البلد الواحد أقرب إلى المستحيل..
وما يحدث داخل بعض البلدان الواحدة، يحدث من باب أولى في التواصل بين بلد وبلد..
هل تتخيلون من أجل ماذا نقاتل؟
إننا نقاتل ونستنزف أعمار أجيال تعقبها أجيال من أجل حق بديهي، وهو حرية السفر وحرية الحركة..
كم يبدو هذا العالم الفسيح ضيقاً حين تحبس فيه أمم وشعوب في معازل مغلقة ويصادر منهم حقهم في حرية الحركة والتنقل، وهو حق يبدو من المخجل أن يظل أداة إخضاع بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعته من الحضارة والتمدن..
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0