علي رسول الربيعي
دراسات وأبحاث فكر مختارات مقالات

المعنى التاريخي للوضع الحاضر: تحول الهيرمينوطيقا

المعنى التاريخي للوضع الحاضر

تحول الهيرمينوطيقا

(2-2 )

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

تحول الهيرمينوطيقا

أنه من المناسب أن نسأل من وجهة نظر تاريخية، ما إذا كان للعولمة أي علاقة على الإطلاق بالهيرمينوطيقا، لأنه تقليديًا، لم تكن الهيرمينوطيقا متوافقة بأيً شكل من الأشكال مع المجالات التي ترتبط فيها العولمة. ومع ذلك ، كشفت التحولات الأخيرة في التقليد الهيرمينوطيقي عن فرصً جديدة لربط بين إشكاليًة العولمة والهيرمينوطيقا.

كان صدى الهيرمينوطيقا الألمانية للفهم (والفهم المسبق لاحقًا) حاضرًا باستمرار في كل حوار حول التفسير منذ القرن الماضي . إنه من الصعب عدم تقدير حقيقة: أن الهيرمينوطيقا قد أسست منذ دخولها في الخطاب  الإبستيمولوجي (المعرفي)  انقسامًا جذريًا بين “الفهم” في العلوم الإنسانية و”التفسير” في العلوم الطبيعية (  كما قام بذلك ديلثي). وكذلك، من غير الممكن أيضًا تجاهل التحول نحو تصور فينومينولوجي (ظاهراتي) للزمن والآفاق المحدودة للفهم عند مارتن هايدجر وهانس جورج جادامير، اللذين وضعوا طموحات عالمية وراء الدفاع عن مجال أنطولوجي مماثل.

لكي نكون قادرين على التعامل مع العولمة، وبالتالي ربط عملية العولمة بالتجربة الهيرمينوطيقية، نحتاج إلى إيجاد  طريقة للخروج من هذا الممر المسدود للتقليد الألماني السائد. ومن هنا تأتي راهنية فهم الهيرمينوطيقا عند بول ريكور  بوصفها  ليست مجرد زيادة في التأويلات الألمانية على الرغم من دمج ريكور في كثير من الأحيان بشكل مربك في هذا السرد “المقنن” للهيرمينوطيقا الألمانية. لقد أحدث ريكور من خلال الإشارة إلى “الوظيفة الهيرمينوطيقية للتباعد في كل التواصلات” تحول عميق في الهيرمينوطيقا، مما وسع مفهوم التفسير ليشمل الفهم. وفقًا لهذا المنظور الهيرمينوطيقي، مطلوب تطوير الأنطولوجيا بمساعدة الإبستيمولوجيا كبديل لأنطولوجيا مارتن هايدجر الأساسية ويجب الوصول إلى الحقيقة من خلال المنهج  بدلاً من “الحقيقة و المنهج” لجادامير.[1]

 العولمة وعصر الهيرمينوطيقا

لقد أشار بعض الفلاسفة مثل جياني فاتيمو وآخرين  إلى كيف مهد التطور الداخلي في العلوم والتكنولوجيا  الطريق للهيرمينوطيقا بدلاً من محاولة إعادة جميع العلوم والخبرات إلى مجال أنطولوجيا- الدازاين (كينونة وجودية ) أبتداءً، أو قصر تجربة الهيرمينوطيقا بشكل حصري على إبستيمولوجيا الفهم أو المجال الجمالي. لا توجد في هذا الوضع حقائق مستقرة ولكن تفسيرات متغيرة فقط. فتُدرج الهيرمينوطيقا من هذا المنظور بطريقة مدهشة كجزء لا يتجزأ من خطاب العولمة. تتآكل التسلسلات الهرمية المستقرة القديمة للمعنى والهوية والحقيقة، وتذوب شرائع الفن والقيم والمعارف التقليدية من خلال نظام المعلومات الرقمي العالمي. عندما يتم ترتيب جميع المعلومات بشكل متزايد أفقياً وعندما تتغير شبكات العلاقات على الإنترنت باستمرار، وعندما تتم إعادة صياغة كل شيء بشكل مستمر وإعادة تفسيره كلما أضيفت روابط جديدة، فأنه  يعطي معرفتنا الطابع غير المحوري والطارى تاريخيًا، ويتسبب في إطلاق العديد من التأويلات المتضاربة. لقد مهد فقدان مركز مستقر وتسلسل هرمي في العالم بسبب استخدام تقنيات الكمبيوتر واستقبال العديد من الأصوات في وسائل الإعلام الطريق لثقافة المعرفة بعيدة كل البعد عن الجوهرية الأفلاطونية. يجمع فاتيمو هذا كله مع  نتائج للتحولات الجيوسياسية في اعقاب ازالة الاستعمار، وتأملات نيتشه الفلسفية حول “تآكل مبدأ الواقع ذاته” ونقد هايدجر الموجه ضد الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الى نتيجة نهائية لتاريخ من العدمية كأضعاف للأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا. لقد أدى هذا، أيً  حل مفهوم الواقع الواحد والمستقر إلى جملة من التفسيرات التي لا يوجد بينها، في النهاية ، التفسير الوحيد الصحيح.[2]

قد نقول، من هذه الخلفية، أن العولمة قد ساهمت أيضًا في حالة يمكن تعريفها على أنها عصر الهيرمينوطيقا.[3] إن الظروف الحالية التي تسمح بالتاويل  كتجربة معممة للاختلافات وتعدد لا نهاية له من وجهات النظر، جنبًا إلى جنب مع ارتفاع عدد  التأويلات المتعارضة، لابد أن تكون مدفوعة بشكل أساسي من خلال التحول الاقتصادي والتكنولوجي الرئيسي للعالم في عمليًة العولمة.

إعادة التفكير في الفلسفه باعتباره صراع هيرمينوطيقي

نشأ اقتصاد معرفي وتحولات جيوسياسية عميقة في”عالم مسطح”[4] اليوم، كنتيجة مشتركة لعملية العولمة. يميل الواقع إلى التشتت في العديد من التفسيرات. ومع ذلك، من الواضح أن العديد من الرؤى المختلفة للعالم اليوم لا تتعايش بشكل سلمي تلقائيًا، بل على العكس تميل إلى توليد العنف وفي أسوأ السيناريوهات  التي هي حرب الجميع ضد الجميع.[5] قد نقول إننا نواجه تحديًا من قبل الجوانب الثقافية لـ “العولمة المسلحة” من نواحٍ عديدة  حيث يؤدي فرض الناس وجهات نظرهم على الآخرين الى “معارك في الواقع”. يتمثل أحد التحديات الرئيسية المباشرة في هذا الوضع هي في تحويل مفهوم صراع الحضارات المهدد إلى صراع تأويلات، أي تكوين نموذج سلمي لحل النزاع حيث تنعكس جميع المعتقدات بشكل نقدي على جميع وجهات النظر حيث يتم إضفاء الشرعية عليها و “تأسيسها” من خلال كونها محدودة.[6] إن البديل الهيرمينوطيقي لكل من “حرب التأويلات” المخيفة والاستقالة الفلسفية لعدم التواصل هو تعارض في التأويلات، لكن هذا يفترض وعيًا بالطابع التفسري لوجهة نظر المرء. والسبب هو أن الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الغربية تهدد  تواصلنا ومشاوراتنا وتبادل ارءنا ومحادثاتنا لعدم اعترافها بانها  تأويلات ليس الأً، لقد  رأى فاتيمو أن الهيرمينوطيقا “ضعيفة على الرغم من أنها” منهج نقدي  يكشف المعرفة بموضوع او موقف معين  من خلال  القصد في ربط تأويلات الأفراد بعناية بتأويلات أخرى.

تعمل العولمة اليوم على إنشاء قالب للتأويلات التي تم تكوينها على أنها تجربة غير مسبوقة ومعممة من الاختلافات وتعدد لا حصر له من المنظورات المتاحة. ومع ذلك، قد تقدم الهيرمينوطيقا أيضًا موارد لتطوير استراتيجية أكثر استباقية وانعكاسًا نقديًا للتعامل مع هذه التجربة من وجهات النظر متعددة  عن طريق تصور الصراعات  بوصفها تأويلات متعارضة. في الوقت نفسه، تعد هذه القدرة على التعبير عن النزاعات من حيث هي تأويلات متعارضة بمثابة حماية ضد خطر تحويل الهيرمينوطيقا إلى تفكير تعسفي. يعتبر النص والتأويل  في الهيرمينوطيقا مفاهيم محددة بشكل متبادل، وهي علاقة يتم فيها تحديد كل من إمكانية وقيود جميع التأويلات. لذلك لا يمكن اعتبار التأويل  خيالًا حرًا  ولكن خيالًا منظمًا يرتبط بمحددات خارجية.

وإذ ندرك تمامًا الحاجة إلى الجمع بين فعل اتخاذ موقف والحاجة إلى احترام شرعية التأويلات الأخرى، فربما تكون الهيرمينوطيقا، على هذا النحو،المصدرالفكري الأنسب لمجتمع مؤطر بالتعددية والديمقراطية. علاوة على ذلك ، قد تُذَكر الهيرمينوطيقا الديمقراطية، بإمكانية وضرورة وجود العديد من وجهات النظر، بينما قد تُذَكر الديمقراطية الهيرمينوطيقا بأن جميع التأويلات هي حتما محل جدل ومدرجة في علاقات السلطة.[7] تحثنا الهيرمينوطيقا والديمقراطية على العيش بدون معرفة مطلقة، والتعامل مع الحلول غير الكاملة، وتحمل الهشاشة – وفي الوقت نفسه يعتزم كلاهما مقاومة الاختزال إلى النسبية التعسفية. ومع ذلك، من أجل أن تكون قادر على النجاح في العيش مع الآخرين، ومع وجود اختلافات محفوظة (حنة أرندت)، نسعى باستمرار من أجل تفسيرات أفضل (بول ريكور) ومن خلال عمليات مؤطرة بالتوتر المحفوظ بين المثالية ومجتمع التواصل الحقيقي (كارل أوتو أبيل)، نحتاج أحيانًا إلى أن نتذكير بأنه في الواقع لا يعترف المجتمع الديمقراطي إلا بأنه غير ديمقراطي بما فيه الكفاية (جاك دريدا، زيجمونت بومان).

الزمن التاريخي والمكان المأهول

في مواجهة مهمة الدفاع عن مزاعم الحقيقة المتعلقة بالتأويل- وفي الوقت نفسه التخلي عن غطرسة الفكر التمامي- يُطلب منا أن نأخذ في الاعتبار موقف الهيرمينوطيقا حيث يجب الأعتراف بـ”حقيقة” أن أي شيء يجب تأويله على أنه تأويل في حد ذاته. نظرًا لأن يبدو مفهوم التأويل يتمتع بسعة التطبيق نفسها التي يتمتع بها  مفهوم الحقيقة، فقد طلب فاتيمو أن نضع تأملاتنا الفلسفية تاريخيًا، وبالتالي تعريف الهيرمينوطيقا على أنها التاريخ المكتمل للعدمية.

يحمل التاريخ وظيفة نموذجية للمعرفة والحقيقة في عصر الهيرمينوطيقا، ومع ذلك، لا يبدو أنه كافٍ لتحقيق الانتقال من “اللامكان” الغامض إلى تحديد ملموس لـ “الآن” و “هنا” من خلال تطبيق المفاهيم الفينومينولوجية (الظاهراتية) بشكل حصري  للزمان. ومن أجل تقديم بديل للمفهوم السائد عن لإنسان المرن، يتطلب أن تكون الأنثروبولوجيا الفلسفية الخاصة بنا موجودة في المكان والزمان بشكل صحيح، والتي تفترض فهم الإنسان كشخص قادر على الذاكرة والقناعة والمسؤولية.

ذكر ريكور في أحد أعماله اللاحقة، المشكلات المرتبطة بالمقاربة الفينومينولوجية من خلال طرح السؤال التالي: “إلى أي نقطة تستطيع فينومينولوجيا تعيين التاريخ وتحديد المكان أن تتشكل دون أن بالمعرفة الموضوعية للفضاء الهندسي- لنقول، الهندسة الإقليدية والديكارتية – وكذلك بالمعرفة الموضوعية للزمان التعاقبي المتمفصل هو نفسه على الحركة الفيزيائية”.[8] علاوة على ذلك، اقترح ريكور نفسه نموذجًا جدليًا بديلاً للهيرمنيوطيقا، حيث لا يتم تحديد الزمن فقط باعتباره وقتًا (تجريبيًا ظاهريًا) يتعارض مع الزمن الكوني، ولكن كزمن تاريخي “ثالث”، يتكون من الروابط الجدلية بين الزمن الحي المُعاش والكوني. إن تسمية الحاضر، الواقع والمضمون في سياقه في الزمن التاريخي ، لا يؤثر فقط على المنظورات المعرفية الأوسع ، بل يشمل أيضًا المضامين الوجودية، ويضع إشكالية توجهاتنا العالمية على الحافة الهيرمنيوطيقية  بين الاكتشاف والابتكار. يمكن فهم الطابع التأويلي لتدخلاتنا في العالم وفقًا لعملية محاكاة حيث تعيد ترتيباتنا تشكيل العالم الذي نحاول فهمه باستمرار.[9] وبالتالي ، بدلاً من طرح السؤال عما إذا كانت معرفتنا – وكذلك ظواهر مثل اللغة والعلم والتاريخ والإعلام – اكتشافات أو اختراعات، تدعونا الهيرمينوطيقا لاستكشاف المشهد الذي يفتح على الأختلاف أو التباين نفسه كحقيقة ناشئة. هذا هو بالضبط المكان الذي يوجد فيه التأويل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

[1]2005. ريكور، بول، صراع التاويلات ، تر، منذر عياشي، الكتاب الجديد بيروت المتحدة،

[2] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994/1997);

Nihilism and Emancipation: Eth­ics, Politics and Law (New York: Columbia University Press, 2003/2004);

Dialogue with Nietzsche (New York: Columbia University Press, 2000/2006).

[3] Gianni Vattimo Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stan­ ford University Press, 1994/1997

[4] توماس فريدمان ، العالم مسطح: موجز لتاريخ العالم المعولم في القرن الحادي والعشرين (نيويورك: بينجوين ، 2005).

[5] Michael Hardt and Antonio Negri, Multitude: War and Democracy in the Age of Empire (NewYork: Penguin Books, 2005/2006), pp. 231- 237.

[6]  Samuel Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (Clearwater, FL: Touchstone Books, 1998).

[7] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994.

[8] ريكور، بول،، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة، >.جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت،2009، ص82.

[9] Paul Ricoeur, Citizen of the World: Cosmopolitan Ideals for the Twenty-First Century (Amherst, NY: Humanity Books, 2011).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0