أدب و تراث قادة وأعلام مختارات مقالات

الدنيا حظوظ..حظوظ الدنيا…

الدنيا حظوظ..حظوظ الدنيا…

بقلم/ د. يسري عبد الغني
في كل ليلة يسمع آلاف الناس صوتًا رقيقًا من إذاعة القاهرة (البرنامج العام) ، هو صوت السيدة الإعلامية / صفية المهندس (رخمها الله) تقدم برنامج (لغتنا الجميلة) ، الذي كان يعده ويقدمه الشاعر والإعلامي الأستاذ / فاروق شوشه (رحمه الله) ، وذلك ببيت من الشعر يقول :
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
وقد لا يعرف كثيرون من السامعين صاحب هذا الشعر ، إنه شاعر النيل / محمد حافظ إبراهيم ، وهذه القصيدة الرائعة وضع لها عنوانًا هو (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها) ، ونشرت سنة 1903 ، وهي من قافية التاء ، وتبلغ 23 بيتًا . ( راجع : ديوان حافظ إبراهيم ، ص ص 253 – 255)
حافظ إبراهيم هذا الشاعر المصري الكبير الذي كتب عليه البؤس في حياته وبعد موته ، وكأنه يطارده ، مع أنه من أعظم شعراء العصر الحديث ، وقد اقترن اسمه دائمًا باسم أمير الشعراء / أحمد شوقي ، لا يكاد ينفصل عنه ، حتى بعد وفاتهما بخمسين سنة .
وأذكر أنه عندما أرادت وزارة الثقافة المصرية الاحتفال بهذه الذكرى الأدبية جمعت الشاعرين الكبيرين معًا لأنهما رحلا رحلة الأبد في سنة واحدة ، فقد توفى حافظ في 21 يوليو 1932 ، وتوفى شوقي في 14 أكتوبر 1932 ، وتقرر الاحتفال في أكتوبر 1982 ، وكان على حافظ أن ينتظر شوقي حتى في ذكراه !!!
***
كان حافظ إبراهيم يقول :
– الناس يقولون أكثر من عشرين سنة شوقي وحافظ ، كما يقولون (بيض وسميط) !!
وعندما أراد عميد الأدب العربي الدكتور / طه حسين الحديث عن الشعر المصري الحديث جمع ما كتبه عن حافظ وشوقي في كتاب واحد .
بل إن جريدة الأهرام المصرية المعروفة هي التي لقبت شوقي في سنة 1899 ، بلقب (أمير الشعراء) ، ووصفت قصائده بالشوقيات ، وهي التي لقبت حافظ إبراهيم بلقب (شاعر النيل) ، وفقًا لما رواه رئيس تحريرها الأستاذ / داود بركات .
وهذا الاقتران بين اسمي شوقي وحافظ يذكرني دائمًا بالاقتران الذي كان بين اسمي شاعري الألمان : (يوهاث ولفجان فون جوته ) ، و (فردريش شيللر) المتعاصرين ، والمتعانقين في تمثال واحد منصوب في الميدان العام أمام مسرح مدينة فايمار ، والتي يطلق عليها الألمان (أثينا ألمانيا) ، بل أنهما يرقدان معًا في مقبرة واحدة عظيمة البنيان في هذه المدينة .
كان جوته وزيرًا ثريًا أرستقراطيًا مثل شوقي ، وكان شيللر صعلوكًا بائسًا فقيرًا مثل حافظ ، حتى قيل : إن جوته هو الذي بنا له بيتًا إلى جواره في مدينة (فايمار) حتى لا يفارقه ، برغم مشاكسات شيللر ومناكفاته ، مما كان يحتمله جوته في حب شديد ، فيتغافل حتى عن سقطات العبقري الشاعر شيللر .
وقرأنا أن شيللر ترك ذات مرة مدينة (فايمار) وذهب إلى قرية صغيرة مجاورة ليشتغل مدرسًا في إحدى مدارس المرحلة الابتدائية ، فما كان من الوزير الصديق جوته إلا أن سارع واستعاده مرة أخرى مطالبًا إياه بأن يتفرغ لإبداعه الأدبي .
ولكن لقاء حافظ وشوقي كان مختلفًا ، وكان التنافس بينهما قد وصل إلى أبعد الحدود ، كما أن شهرة شوقي قد بلغت مبلغًا عظيمًا ، غير أن اقتران اسميهما ظل قائمًا حتى يومنا هذا ، ويبدو أنه سيظل قائمًا مثل اسمي : جوته و شيللر .
ووجه الاختلاف في هذه المقارنة أن (شوقي) ظل على نعمته وثرائه وأرستقراطيته ، وأن حافظًا ظل على بأسائه وفقره وقلة حظه ، حتى بعد وفاته ، فلم تجمع آلهة الشعر والعبقرية بينهما في تمثال واحد أو مسرح واحد في أي مكان عبر أنحاء مصر المحروسة ، مثل (جوته وشيللر) ..!!
عند وفاة حافظ إبراهيم تكونت لجنة من أصدقائه الأفاضل ، وعقد اجتماعها الأول في دار (السيد/ عبد الحميد البنان) ، صديق حافظ المقرب ، وأحد أثرياء التجار في القاهرة ، وقررت اللجنة جمع آثاره ، ونشرها في طبعات تليق به ، وإقامة حفل لتأبينه ، ولم يتم شيء في ذلك ، بكل أسف وألم ..!!!
وأذكر أنني قرأت ما كتبه الدكاترة / زكي مبارك بتاريخ 9 ديسمبر 1932 ، حيث قال : ” أقيمت لشوقي حفلتان في مصر ، وإن شئت فقل ثلاث حفلات ، ولم تقم لحافظ حفلة واحدة ، وسبب ذلك أن أصدقاء حافظ اجتمعوا يوم وفاته وقرروا طبع ديوانه ووضع كتاب عن شعره ونثره ، ثم اجتمعوا مرة ثانية فأجلوا الاحتفال بذكراه إلى نضج العنب ، فلما نضج العنب اجتمعوا وقرروا الاحتفال بذكراه إلى نضج التين ، وصدق من قال : سعيد الدنيا سعيد الآخرة ، وكذلك كان حظ حافظ بجانب حظ شوقي في دنياه وأخراه ” !!
وفي خريف سنة 1932 ، وبعد وفاة الشاعرين الكبيرين بدا لأحدى شركات السجائر أن تخرج علبة سجائر باسم شوقي ، وعلبه أخرى باسم حافظ ، فجعلت ثمن العلبة الأولى خمسة قروش ، وثمن العلبة الثانية أربعة قروش …!!! ..حقًا إن سعيد الدنيا سعيد الآخرة كما يقول المصريون .. !!
ومن المفارقات العجيبة الغريبة أن يكون حافظ إبراهيم هو أول شاعر مصري تقيم له الدولة مقبرة ، ثم تظل هذه المقبرة مجهولة حتى يومنا هذا ، فقد لاحظ أحد محافظي القاهرة أن شاعر النيل الكبير مدفون في مقبرة مفردة في عرض الطريق ، وكان هذا المحافظ وهو المرحوم / محمد صدقي باشا رئيسًا للجنة الجبانات ، فأقام لحافظ مقبرة فاخرة في جبانة السيدة / نفيسة (رضي الله عنها ) ، وقد عرفتها مصادفة منذ سنوات ، لأنها تقترب من نفس المنطقة التي فيها مقابر أسرتي ، ولكن المؤكد أن السيد / حارس المقابر في هذه المنطقة أو ورثته قد باعوا هذه المقبرة ، أو تصرفوا فيها ، كما هي عادة هؤلاء الحراس مع أية مقبرة لا يسأل عنها أهلها .. !!
أمر عجيب حقًا هذا الشاعر في حياته وفي موته ، كان يقول في حياته :
مرضنا فما عادنا عائد
ولا قيل : أين الفتى الألمعي ؟
ولا حن طرس إلى كاتب
ولا خف لفظ على مسمع
سكتنا فعز علينا السكوت
ةهان الكلام على المدعي
فيا دولة آذنت بالزوال
رجعنا لعهد الهوى فارجعي
ولا تحسبينا سلونا النسيب
وبين الضلوع فؤاد يعي
وكان يقول وكأنه يتحدث عن نفسه :
أمشي يرنحني الأسى
والبؤس ترنيح الشراب
كان يضحك ويتحدث أعذب الأحاديث وأشجاها ، ويروي أجمل النكات ، في حين كان فؤاده يتمزق ، وحياته كلها يسيطر عليها البؤس والشقاء .
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0