أدب و تراث مختارات مقالات

مصداقية الأدب

مصداقية الأدب
بقلم/ د. يسري عبد الغني
حتى يكون الأدب صادقا- ، لا بدّ وأن يتكلّم عن الواقع الذي يعيشه الأديب ، والظروف التي تحيط به ، وتؤثر على نفسيته وعلى يراعه ، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصدق ، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.
أمّا معنى الالتزام فعريق في الادب ، قديم مثل كلّ أدب أصيل ، وكلّ تفكير صميم ، ذلك أنّ الالتزام في الأدب لا يعدو في معناه الصحيح أن يكون الأدب ملتزما الجوهري من الشؤون ، منصرفا عن الزخرف اللفظي وعن الزينة الصورية التي هي لغو ووهم وخداع ، والالتزام هو أن يكون الأدب مرآة جماع قصّة الانسان وخلاصة مغامراته وتجربته للكيان ، وزبدة ما يستنبطه من عمق أعماقه وألطف أحشائه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته ، وهو أن يكون الأدب رسالة يستوحيها من الجانب الإلهي من فكره وروحه ، ومن هذا الوجدان أو الحدس الإلهي ، الذي هو الفكر وما فوق الفكر ، والعقل وما فوق العقل ، والخيال مع العلم والمعرفة ، مع الانطلاق مجربا في كليته وشموليته.
فالأدب الملتزم هو سابق على محاولات المحدثين ، وقد وجدنا قديما الأدب يتجسّد في مشاركة الأديب الناس ، همومهم الإجتماعيّة والسياسيّة ، ومواقفهم الوطنيّة ، والوقوف بحزم ، لمواجهة ما يتطلّبه ذلك ، إلى حدّ إنكار النّفس في سبيل ما يلتزم به الأديب شاعرا أم ناثرا . واطلاعنا على أدبنا القديم وشعرائه ، يعرّفنا أنهم كانوا في العهود والأعصر العربية ، في الجاهلية والإسلام كافة ، كانوا أصوات جماعاتهم . كذلك قبل كلّ واحد منهم أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها ، إلى حدّ أنّك إذا سمعت صوت أحدهم وهو يرتفع باسم جماعته أو قومه ، لا يمكنك إلا أن تحسّ هذا الالتزام ينساب عبر الكلمات ، يصوّر هذا الإيمان وتلك العقيدة دون أن يساوره أدنى شكّ أو حيرة أو تردّد في تحديده للمشكلات التي يواجهه، والتي تتعلّق بمصيره ومصير سواه من أبناء قومه في القبيلة أو الحزب أو الدين ، يدفعه إيمان راسخ بضرورة حلّ إشكالية القضايا التي كان يواجهها في حينه.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0