أدب و تراث تاريخ فكر مختارات مقالات

ارمِنيدِس والإيليون … مولد علم الوجود

خرابيش فلسفة (9):
بارمِنيدِس والإيليون… مولد علم الوجود
بقلم/ د. وسام الدين محمد
وفي مدينة إيليا، تلك المستعمرة اليونانية على ساحل إيطاليا الجنوبي الغربي، ظهر مجموعة من الفلاسفة الذين تبنوا أفكار زينوفانس، وتوسعوا في تفسيرها، وراحوا يدافعون عن هذه الأفكار ضد نقادها، وقد عرف هؤلاء باسم المدرسة الإيليه نسبة إلى المدينة التي استوطنوها.
بارمِنيدِس رائد الوجود المحض
هناك من مؤرخي الفلسفة من ينسب تأسيس المدرسة الإيلية إلى زينوفانس، ولكن هذا الفرض موضوع نظر وبحث، ولكن من المؤكد أن بارمِنيدِس هو المؤسس الفعلي لهذه المدرسة، وأول من تفلسف فيها؛ وربما قد ولد نحو 515 ق.م في إيليا لأسرة ثرية وشريفة، وقد اهله عقله ونسبه أن يصبح مشرعًا لأهل مدينته؛ وربما يكون قد تأثر في نشأته بالفيثاغورثيين المنتشرين في جنوب إيطاليا، ويزعم ارسطو انه قد تتلمذ على زينوفانس، كما يزعم افلاطون انه زار أثينا في زمن شباب سقراط، ويري بعض دارسي الفلسفة أن أفكار بارمِنيدِس كانت بمثابة نقد لأفكار معاصره هيراقليطُس أو العكس.
وصلتنا أفكار بارمِنيدِس في صورة قصيدة شعرية نسبت إليه، وهي وإن كانت مجهولة العنوان إلا أنه جرت العادة على إطلاق اسم (عن الطبيعة) عليها، وهو اسم غالبًا ما يطلق على اعمال الفلاسفة مجهولة العنوان في هذه الفترة؛ والقصيدة مكونة من مقدمة وقطعتين؛ وقد التمس بارمِنيدِس في مقدمة قصيدته تقاليد القصائد اليونانية القديمة، مستلهمًا أعمال هوميروس وهيزيود، زاعمًا أن قصيدته تلك وما حوته من أفكار إنما أوحي بها له من آلهة الأوليمب؛ فتراه في المقدمة يزعم أنه في صحبة بنات إله الشمس في عربة، يغادرون قاعات الليل، بحثًا عن النور؛ إلى أن يبلغوا بوابة يتفرع عنها طريقين، حيث تكون في استقباله واحدة من آلهة الأوليمب والتي تخبره أنه عليه أن يسلك هذين الطريقين؛ ثم ينطلق في كل طريق معالجًا أفكاره حول الوجود وحول الكون.
في القطعة الأول التي أسماها (طريق العقل)، يزعم بارمِنيدِس أن الوجود كل واحد، وأنكر أن يكون هناك عدم انبثق منه هذا الوجود، وقال أن هذا الوجود قديم منذ الأزل، سرمدي لا ينقطع في الزمان، وإن كان محدود وساكن، وقد اعتبر إن الطريق الوحيد لإدراك الوجود هو الفكر العقلي، إذا أن العقل والوجود شيء واحد، وقد فسر تعدد الكائنات في الوجود بأنه الوجود واحد في العقل، بينما يخلق الإدراك المعتمد على الحواس وهمًا بأن ما نحسه متعدد الأشكال، كما تخلق الحواس الشعور الوهمي بالحركة وبالتغير، فالحركة والتغير نقص، بينما الوجود كامل لا يتغير ولا يتحرك، بل أن حتى هذه التحولات بين حالات المادة مثل تبخر الماء أو تجمده التي اعتمد عليها بعض من سبقوه في تفسير بنية العالم، اعتبرها بارمِنيدِس مجرد أوهام اختلقتها الحواس؛ وقد حاول بارمِنيدِس أن يقدم حجج مختلفة لإثبات أفكاره، وسوف تعتبر فيما بعد معالجة بارمِنيدِس لموضوع الوجود أساس أحد أهم فروع الفلسفة، مبحث الوجود أو الأنطولوجيا Ontology، وسوف يعتبر بارمِنيدِس رائد هذا الفرع ومؤسسه.
القطعة الثانية من القصيدة، يسميها بارمِنيدِس (طريق الاستدلال)، وفيه يعود بارمِنيدِس إلى تقاليد الفلسفة الأيونية طارحًا تصوره عن بنية الكون، وهو في هذا الطرح لا يجاوز أفكار من سبقوه كثيرًا فالكون عنده أشبه بكرة متعددة الطبقات، وظواهر الكون تحدث نتيجة لوجود ثنائيات متصارعة من القوى، وإن أضاف إلى الثنائيات التقليدية التي عالجها من قبله، ثنائية النور والظلمة؛ وعلى الرغم أن بارمِنيدِس قد عالج مشكلة الكون بناء على الاستدلالات بالأدلة المادية المحيطة على أفكاره كما فعل سابقوه، إلا أن هذا الكون الذي تخيله وطريقة الاستدلال عليه تصادم فلسفته الأساسية التي عرضها في القطعة الأولى من القصيدة، طريق العقل، ومن ثم تجده يصم طريق الاستدلال بأنه طريق الوهم، فهو بذلك يعتبر أن المعرفة المتحصلة عن طريق الإدراك العقلي – والإدراك العقلي عملية تفكير صرفة داخل العقل بمعزل عن مؤثرات الحس، وهو غير العقل المحض أو اللوجوس ذلك الذي أقام هيراقليطس فلسفته عليه – هي الطريق الوحيد المؤدي إلى الحقيقة المطلقة، في حين أن غيرها من الطرق التي تقوم على الاستدلال المادي لابد أن تقود للوهم.
ميلسوس الساموسي
اعقب بارمِنيدِس في مدرسته عدد من التلاميذ، كان منهم ميلسوس الساموسي والذي ولد نحو عام 470 ق.م، في بلدة ساموس في اليونان، وتوفي نحو عام 430 ق.م، وقد كان قد اشتغل بالسياسة والحرب في مطلع شبابه، وقاد اسطول مدينته ساموس في حربها مع أثينا، منتصرًا على اسطول هؤلاء، وكان قد بدء حياته تلميذًا لهيراقليطس، ثم تحول إلى بارمِنيدِس وتبنى أفكاره ودافع عنها ضد تلاميذ المدارس الفلسفية الأيونية القائلين بحقيقة تعدد الأشكال وضرورة التغير، وهي الأفكار التي تناقض أفكار بارمِنيدِس عن وجود واحد ساكن لا يتغير؛ وقد شرح ميلسوس قصيدة بارمِنيدِس نثرًا؛ ويتلخص دفاع ميلسوس عن أفكار بارمِنيدِس في حجتين؛ في الحجة الأولى ينكر تغير الأشياء، مجادلًا بأنه إذا كنا نشعر بشيء ما بارد، ثم نشعر به في مرة لاحقة دافئ، فكيف نحكم أن ما شعرنا به في المرة الأولى أو في المرة الثانية حقيقة، وليس ثمة مفر أن نقر بأن ما نشعر به بناء على الحواس هو مجرد وهم، بينما الأشياء لا تتغير؛ وفي حجته الثانية جادل عن أن طبيعة الوجود زاعمًا بأن أي أمر حادث لابد أنه له من ابتداء ينطلق منه، والوجود لا يمكن أن يكون حادثًا، لأن هذا يستلزم أن يكون قد بدأ من اللا وجود أو من عدم، وهو مستحيل العقل، وبالتالي فالوجود ليس له ابتداء، وما ليس له ابتداء، ليس له انتهاء أيضًا، فالوجود إذا سرمدي لا ابتداء له ولا انتهاء، والسرمدي لا يمكن أن يسعه مكان، فهو أيضًا لا يحده المكان، ولذلك هو بالضرورة ساكن، فكيف يتغير موضعه وهو يشغل كل المكان، ولا مكان غير ما يشغله، وعلى ذلك فإن الوجود عند ميلسوس يمكن أن نصفه بأنه واحد، أزلي لا زمن لبدايته، أبدي لا زمن لنهايته، غير محدود بالمكان، لا يتغير؛ وهو في ذلك أضاف إلى وجود بارمِنيدِس الذي اعتقد أن الوجود محدود بالمكان.
زينون الإيلي
أما تلميذ بارمِنيدِس الأشهر، فهو زينون الإيلي، والذي ولد في إيليا نحو عام 495 ق.م، وتوفي في سيراكوز في جزيرة صقلية نحو 430 ق.م؛ ولا نكاد نعرف عن حياته شيئًا، اللهم إلا أنه أوقف نفسه على الدفاع عن أفكار معلمه بارمِنيدِس ضد الفيثاغورثيين الذي عارضوا أفكار بارمِنيدِس وسخروا منها وشهروا بها بين العامة، فخرج عليهم زينون، وراح ينشأ لهم الحجة تلو الحجة، منتصرًا لأفكار معلمه، هادمًا حججهم التي استخدموها ضد مذهب بارمِنيدِس.
أنكر الفيثاغورثيون مذهب بارمِنيدِس في أن الوجود واحد، واحتجوا بأن كثرة الأشياء وتنوعها حولنا شاهدًا على أن فكرة بارمِنيدِس باطلة؛ ولكن زينون احتج عليهم بأنه إذا كان هناك خط مستقيم، وهو واحد ومحدود، فإنه مكون، وفقًا لأفكار الفيثاغورثيين، من عدد لا نهائي من النقط، وبين كل نقطتين متتاليتين، هناك عدد لا نهائي من النقط، ومجموع العدد اللا نهائي من النقط، لابد أن يكون لا نهائيًا وغير محدود، وهو ما يتناقض مع كون المستقيم واحد ومحدود، وهذا التناقض مستحيل عقلًا، ولا خروج من هذا التناقض إلا بالإقرار أن الحواس قد خدعتنا، وأن هذه الكثرة المزعومة من النقاط إن هذا إلا وهم محض.
وعارض الفيثاغورثيون إنكار بارمِنيدِس للعدم الذي يحيط الوجود، وهي فكرة ميلسوس وإن كان قدمها في سياق شرحه لقصيدة بارمِنيدِس، فحاج زينون عن هذه الفكرة بأن المكان ينشأ عن وجود يحتوي أشياء، فكيف يمكن للعدم أن يحتوي الوجود، فإنه إذا أقررنا أنه قد احتوى الوجود فإننا نقر بأنه وجود وليس عدم، وهذا ما لا يقبله عقل، فلابد من الإقرار بأنه ليس ثمة عدم، وليس إلا الوجود المحض.
أما أشهر حجج زينون، فكانت تلك الحجة التي أنشأها دفاعًا عن إنكار بارمِنيدِس لحقيقة حدوث الحركة، وهي حجة تمثيلية ابطالها أخيل أسرع عدائي اليونان وسلحفاة، حيث زعم زينون أن أخيل وسلحفاة تسابقا، ولأن أخيل يتمتع بالروح الرياضية، فقد سمح للسلحفاة أن تبدأ السباق وتسبقه، فهم يمكن لأخيل أن يسبق السلحفاة؟ وفقًا لحجة زينون، فإن أخيل عندما يصل إلى نصف المسافة الفاصلة بينه وبين السلحفاة، سوف تكون السلحفاة قد غادرت موضعها لموضع آخر متقدم، بذلك تكون المسافة الفاصلة بين أخيل والسلحفاة هي نصف المسافة المتبقية مضافًا إليها المسافة الجديدة التي قطعتها السلحفاة، وعندما يقطع أخيل نصف المسافة الفاصلة بينه وبين السلحفاة، سوف تكون السلحفاة قد تقدم من جديد، وتتحول عملية حساب المسافة الفاصلة إلى عملية جمع لا نهائية للأقسام التي ينبغي أن يقطعها أخيل، أي أن أخيل عليه أن يقطع مسافة لا نهائية حتى يبلغ السلحفاة قبل أن يتجاوزها ويسبقها وهو أمر مستحيل، وبذلك فلابد أن تكون الحركة مجرد وهمًا.
* * *
يعتبر الأيليون رواد الفلسفة الانطولوجية أي التفكير الفلسفي في الوجود، كما أنهم قد ميزوا بين تلك المعرفة المتولدة عن التفكير العقلي وبين تلك المعرفة المتولدة من التجربة، إلا أن تمسك بأن التفكير العقلي هو السبيل الوحيد إلى الحقيقة، أدى بهم إلى التأويل المتطرف للظواهر طبيعية المحيطة بالإنسان على نحو ما فعل زينون مثلًا عندما أنكر وجود الحركة في مثاله المذكور، وهذا التطرف والاعتداد بالرأي والمساواة بين الحق والرأي تمثل كلها أسباب مختلفة لتردي الفكر الإنساني، ولكن وكما نرى فإن هذه المثالب قد جبل الإنسان عليها وقلمن يستطيع أن قمعها في نفسه، حتى من بين الفلاسفة والمفكرين الذين ينبغي أن يتجردوا للحق، وننظر لهم نظرة الإكبار.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0