ثقافة دين مختارات مقالات

تعدد الزوجات بين الدين والثقافات

“في هذا المجتمع كثيرًا ما كانت الزوجات ما يجتمعن على اختيار الزوجة الجديدة لبعلهن، لا لشيء إلا أن هذه الزوجة سوف تكون شريكة لهن في وحدتهن الاقتصادية لذلك لا يريدوها كسول أو لا تعرف كيف تقوم بالواجبات المنزلية”.
بقلم/ د. وسام محمد

نشر أحد الأصدقاء خبرًا عن سيدة تدعى (رانيا هاشم) تدعو إلى تعدد الزوجات، وتعليق عليها من أخرى تدعى (ياسمين الخطيب) تسخر من الأولى وتصفها بأنها مازوكية، مريضة بتعذيب الذات. لم أهتم بالحملة ولا بمناهضة الحملة، ولكن ما أهمني أن أجد شخصا مسلما يعلق ضمن التعليقات بأن هذا أمر (غير سوي)، وكنت قد اردت أن أناقشه بصورة شخصية، ولكن رأيت أن يكون الأمر عام، إذ أصبحت مثل هذه البلوى عامة، وذلك لتوضيح مسائل اعتاد البعض على تجاهلها أو اعتبارها مسلمات.
بداية مسألة (سوي) و(غير سوي) تتعلق بثقافة المجتمع.
لقد عشت زمنًا في مجتمع بدوي، حيث ينظر للزواج والطلاق كموضوع بسيط وعادي، لا تقوم الدنيا وتجلس من أجله، ولا يصبح حديث الناس، فإذا أرادت الزوجة أن تطلق من زوجها لجأت لأبيها أو لأخيها أو لكبيرها، والذي سوف يسعى في إجراءات الطلاق، والزوج لا يتردد في تطليقها لأنه لا تسمح له كرامته باستمرار زواجه ممن رفضته. ومع ذلك تستمر الحياة، ولا أحد ينظر للمطلقة على أنها آثمة أو فاجرة، وكذلك الزوج، ولا يوجد المشاكل الظريفة التي نسمع عنها في المجتمعات المتقدمة في مدننا العامرة، مثل اجتماع اقارب الزوجة على ضرب الزوج، أو سحل الزوج للزوجة، أو أن الأب قد حرر محضر ضد الزوج بسرقة النيش. مسألة اجتماعية عادية وبسيطة مثل تناول الفطور اليومي. نعم قد تكون هناك حالات لا يحق عليها الوصف السابق، ولكنها الشذوذ الذي يؤكد القاعدة.
من ناحية أخرى، وعلى عكس مجتمعات المدينة الرائعة، المطلقة في هذا المجتمع البدوي من العادي جدًا أن تحظى بزوج ثان، بل وفي كثير من الأحيان ما تكون أول حظه، بينما توصم المطلقة في مصر بوصم (خرج بيت) وكأنها ثلاجة قديمة أو موقد مطبخ تالف لمجرد أنها مطلقة أو أرملة، ثم تفقد فرصتها في حياة طبيعية في أسرة هي سيدتها، لها زوج محب، وأبناء بررة، وتحل عليها لعنة المطلقة أو الأرملة.
وفي هذا المجتمع البدوي البسيط، قلما سمعت عن كلمة (عانس)، بل أشهد أني لم أسمعها قط طول إقامتي بين ظهراني هؤلاء القوم البسطاء، وهي مشكلة راحت تأخذ بعد كارثي في المجتمع المصري الحضري، ولكنها لا وجود لها في مجتمع البادية، علمًا بأن المجتمعات البدوية والحضرية وغيرها تتمتع بنفس الصفة السكانية حيث تزيد غالبًا نسبة الإناث عن 50% نسبة طفيفة، وهو ما يعني أنه لابد من وجود ظاهرة العنوسة، ومع ذلك فإن الزواج الثاني في هذه المجتمعات البدوية لا يكاد يجعل لهذه الظاهرة وجود.
في المجتمعات الريفية في مصر في القديم، كان الرجال يتزوجون أكثر من مرة، ليس لإرضاء شهواتهم كما يظن أصحاب العقول السطحية، ولكن لأن الاسرة كانت الوحدة الاقتصادية المنتجة في هذا المجتمع، وبالتالي زيادة الأيدي العاملة تصب في مصلحة العائلة، ولذلك كان يكثر الأطفال في الأسرة، فتجد للرجل الواحد بضع عشر ابن وبنتًا أو يزيد، كما تتقاسم سيدات البيت أعمال البيت فيما بينهن، وفي هذا المجتمع كثيرًا ما كانت الزوجات ما يجتمعن على اختيار الزوجة الجديدة لبعلهن، لا لشيء إلا أن هذه الزوجة سوف تكون شريكة لهن في وحدتهن الاقتصادية لذلك لا يريدوها كسول أو لا تعرف كيف تقوم بالواجبات المنزلية.
هل يعتبر المجتمع البدوي أو المجتمع الريفي المصري القديم مجتمع (سوي) لأنه بسط الزواج والطلاق وقبل بتعدد الزوجات؟، أم يعتبر المجتمع الحضري الذي يستنكف تعدد الزوجات هو (السوي) وربما يجرمه كما في الحالة التونسية مثلًا؟
أحسب، أننا الآن متفقين أن مسألة (سوي) و(غير سوي) مسألة ترجع للثقافة، وهي مسألة سوف نتعرض لها كثيرًا عند التعامل مع المسائل الاجتماعية، ولذلك فإن الإنسان دائمًا يبحث عن مرجع مطلق وموضوعي لما هو صحيح وخاطئ، وما هو حق وباطل، وقد حاولت المجتمعات الإنسانية وضع مثل هذه المراجع المطلقة والموضوعية في صورة الدساتير والقوانين والأعراف، ولكن ثبت بالممارسة أن هذه الحلول كلها لم تكن إلا إعادة تكريس لاعتبارات الثقافة، وبالتالي فهي ليست موضوعية وليست مطلقة.
ومن ثم لابد من الرجوع إلى القرآن بالنسبة للمسلمين، إذ أن أساس ايمانهم أنه نص منزل من لدن الله، عز وجل، محفوظ إلى يوم الدين، وعليه فإن ما يأمر به القرآن أو يبيحه فهو السوي، وإن عارضته كل الثقافات والأيدولوجيات، وما ينهي عنه ويحرمه فهو غير سوي. استقيموا يرحمنا واياكم الله.
والله وراء القصد.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0