سياسة مختارات مقالات

تنامي الأطماع الإقليمية للإشراف على الحرم القدسي

تنامي الأطماع الإقليمية للإشراف على الحرم القدسي

للدكتور/ عدنان أبو عامر

مقدمة

ينشغل الإسرائيليون في الآونة الأخيرة في مستقبل الإشراف على الحرم القدسي الشريف، وفيما تزاحم الإمارات والسعودية كلاً من الأردن والسلطة الفلسطينية هذه الإدارة الحصرية للأماكن المقدسة، وحقيقة الدعم الإسرائيلي والأمريكي لأطماع أبو ظبي والرياض على حساب عمان ورام الله…

تقدير الموقف الحالي يناقش أهداف وتطلعات الإمارات والسعودية من هذا الدور الديني، وكيف يمكن تفسير الموافقة الإسرائيلية على هذه التطلعات، وما مواقف الأردنيين والفلسطينيين من هذه الأطماع.

الوصاية التاريخية

بدا لافتاً أن تنامي العلاقات السعودية-الإسرائيلية، التي توجت بالقمة السرية الأخيرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أثار قلقا في العاصمة الأردنية عمان، لأنها خائفة أصلا من محاولات الرياض تأكيد حضورها الإقليمي، ويخشون الأردنيون أن يكون المسجد الأقصى ورقة مقايضة بين مختلف الأطراف.

لم يبق الأمر في طور التكهنات والتخمينات فقط، بل أصدرت وزارة الخارجية الأردنية بيانا تحدثت فيه عن “المحاولات لتغيير الوضع القائم للمسجد الأقصى، وأن المملكة تواصل جهودها لحمايته والعناية به، والحفاظ على حق كل المسلمين، بما يتوافق مع وصاية الهاشميين للأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس”.

تعتبر الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى وقبة الصخرة مصدرا لشرعية العائلة الهاشمية في الأردن، ولأكثر من قرن من الزمن، وقبل ولادة الأردن الحديث، وإسرائيل، وظلت قائمة خلال العقود المضطربة، وتوقيع معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل، التي مضى عليها ربع قرن، وبقيت مصدرا لاستقرار علاقاتهما.

في الوقت ذاته، يخشى الأردنيون والفلسطينيون على حد سواء، من محاولات الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب ونائبه مايك بنس ووزير خارجيته مايك بومبيو، بجانب نتنياهو، الساعية إلى تغيير الوضع القائم، من خلال منح حق إدارة الأماكن المقدسة في القدس للسعودية والإمارات كنقطة محورية باتفاق التطبيع.

مع العلم أن تحسين العلاقات الإسرائيلية – السعودية بقيت على قائمة أولويات الرئيس المنتهية ولايته، وقام بتقوية وضع السعودية على حساب إيران، التي تتنافس معها على قيادة العالم الإسلامي، وتنازع السعودية في حراستها للحرم الشريف في مكة والمسجد النبوي في المدينة، في حين أن حراسة الحرم الشريف في القدس يعتبر حجر الأساس للعائلة الهاشمية، وقد ذكرت هذه الترتيبات في معاهدة السلام الموقعة بين البلدين، مما يؤكد أن حراسة الأردن للأماكن المقدسة في القدس قوية.

من الناحية التاريخية، ظل البعد الديني عاملا في شرعية الحكام الهاشميين بعد مغادرتهم الحجاز، وهم يشتقون شرعيتهم من القدس، في حين أن إسرائيل تمارس الضغط والابتزاز على الأردن في موضوع الوصاية على تلك الأماكن المقدسة، وتهدد بمنح هذا الدور للسعودية، مع أن هذا ليس مستحيلا، ولعل الأردنيين يفهمون هذا جيدا، لأنهم ظلوا حكاما على الحجاز حتى 1924 بعد سيطرة آل سعود على مكة والمدينة، في وقت أصبح فيه المسجد الأقصى تحت الوصاية الأردنية.

عدد كبير من الأردنيين يراقبون تنامي العلاقات السعودية الإماراتية مع إسرائيل بحذر، وقد تجد الأخيرة أن هذا الوقت مناسبا لمنح الإشراف على الأماكن المقدسة في القدس للسعوديين، وليس الهاشميين، لأن هذا قد يعطي نتنياهو جائزة تاريخية إن تمكن من إقامة علاقة تطبيع علنية مع السعودية، مما يؤكد أن مصير الحرم القدسي الشريف وضع على الطاولة أثناء المفاوضات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2008.

لقد كان أولمرت واضحا في الموضوع، واقترح أن تكون المدينة القديمة في القدس تحت إدارة دولية من الأردن والسعودية والفلسطينيين وإسرائيل والولايات المتحدة، وتم طرح الفكرة، لكن لم ينتج عنها أي شيء جوهري، واليوم ربما رغب السعوديون بأن يكون لهم دور في هذه المسألة، وهناك فرصة لعمل شيء ثنائي مع ترامب المنصرف، وهذا أسهل من بايدن القادم، مع العلم أن تحركا كهذا سيترك تداعيات واسعة على أمن إسرائيل والأردن، وسيتسبب بتدهور خطير على مستقبل العائلة الهاشمية المالكة، وستكون مثل رمي قنبلة يدوية في غرفة مزدحمة بالناس.

موجة التطبيع

في الوقت ذاته، يتحدث الإسرائيليون عن مساعيهم من خلال التطبيع لتحسين مكانة المغرب والسعودية في المسجد الأقصى، من أجل تعزيز الموقف الإسرائيلي بمواجهة الأردن صاحب السيادة على المسجد الأقصى، في حين أن التطبيع والعلاقات مع إسرائيل بالنسبة للمغرب، ليست فقط إعادة عناق مع سليلي المغرب في إسرائيل، بل لتحسين مكانتها في المسجد الأقصى.

مع العلم أن المغرب يهتم منذ سنوات بما يجري في المسجد الأقصى، وعمل على تحويل الأموال لترميم المنازل في منطقة الحائط الغربي، وفي 2018، قام وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، بزيارة الحرم، وهو الجهة المركزية في وضع التفاهمات والاتفاقات مع إسرائيل، مما يعني أن التقارب الإسرائيلي من السعودية، والتطبيع مع المغرب حليف السعودية، ينشآن محورا إسلاميا جديدا في الحرم القدسي.

الأردن هو صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس، وهو واعٍ بما يجري، وقلق أكثر من أي وقت مضى، صحيح أن مكانة الوصاية في الحرم، وإن كان منصوصا عليها باتفاق السلام مع إسرائيل عام 1994، لكن منذ أن انطلقت صفقة القرن، ارتفعت المنافسة على الصدارة الإسلامية في الحرم درجة إضافية، مع أن الوصاية بالنسبة للأردنيين على المسجد الأقصى، ليست فقط إرثا وتقليدا دينيا وتاريخيا، بل أساساً مركزياً يعزز حكمهم، ويمنحهم الشرعية في مواجهة الداخلية في الأردن، في حين أن ضعف مكانة الأردن في الحرم القدسي، كما يخشى، سيضعف استقرار المملكة، لدرجة تعريض وجودها للخطر.

الجديد في مجال التنافس الإقليمي على مسألة السيادة على الحرم القدسي، أن المغرب سينضم في المستقبل القريب إلى لعبة القوى في الحرم، فلجنة القدس برئاسة الملك الحسن الثاني، قضت منذ سنوات طويلة بأن المكانة التي يتمتع بها الأردن في الحرم مؤقتة، ورداً على ذلك، ترك المندوب الأردني في حينه مداولات اللجنة، وعاد إلى عمان، وأيدت مصر والسعودية موقف المغرب في حينه.

أما إسرائيل فهي واعية بالحساسية الإسلامية العامة حيال مكانة الصدارة التي منحتها للأردن في الحرم، حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، نقل للملك الأردني في حينه الحسين، عرضا لإقامة مديرية دينية متعددة القوميات في شأن المسجد الأقصى، يكون فيها ممثلون من الأردن، السعودية، المغرب والفلسطينيون، وهذه المديرية تدير الحكم الذاتي الإداري الديني يتمتع به المسلمون في الحرم، حيث وافق الحسين على المبدأ، على أن تعطى للأردن أفضلية في إطار هذه المديرية.

لكن هذه الأثناء شهدت وصول لاعبين جدد إلى مسألة إدارة الحرم والأماكن المقدسة؛ وهي المغرب والسعودية والإمارات التي تنسق فيما بينها، وستحاول تصعيب الأمر على الأردن فيما يتعلق بحفظ مكانته في الحرم، ومع ذلك فإن فكرة المديرية متعددة الأديان ليست غريبة على نتنياهو وفريقه، وكفيلة بأن تشكل قاعدة للمحادثات التي ستدار في المستقبل في هذه المسألة.

السياحة الدينية

بالتزامن مع التنافس الإقليمي الحاصل للإشراف على الأماكن المقدسة في القدس، فقد بات المسجد الأقصى يشكل أحد مؤشرات التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وزاد التطبيع الإماراتي الإسرائيلي من هذا التوتر، لأن الإمارات وضعته ضمن اتفاقها مع إسرائيل، لتزيد أعداد المصلين الإماراتيين في الحرم القدسي للتغطية على تطبيعها مع إسرائيل، مما دفع الفلسطينيين للتحذير من الرد بقوة على أي حراك من هذا النوع، وهو ما تجلى في طرد الزوار الإماراتيين للمسجد الأقصى قبل أيام.

ورغم الضجيج الإعلامي عقب التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، بسبب دوره السلبي في الدفع قدماً بمسار التطبيع العربي مع دولة الاحتلال، ومنح الأخيرة بطاقة مرور لمختلف العواصم العربية والإسلامية، غير أن قليلين انتبهوا للخطورة التي يكتنفها الاتفاق على صعيد حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين بالمسجد الأقصى.

يكمن التوجه الإماراتي وفق ما تم نشره من معطيات شحيحة في الاتفاق مع إسرائيل والولايات المتحدة على إتاحة الحرم القدسي لـ”جميع أصحاب الديانات السماوية”، وليس للمسلمين حصراً، كما هو معمول به منذ فجر التاريخ، مما وجد طريقه في الرفض الفلسطيني عبر الملصقات الضخمة التي انتشرت في الحرم القدسي، وحملت شعار (محمد بن زايد خائن)، وحرقت صوره أمام قبة الصخرة، فيما أعلن الشيخ محمد حسين مفتي القدس أنه “لا يجوز للمسلمين الصلاة بالمسجد الأقصى تحت رعاية اتفاق “الخيانة” بين إسرائيل والإمارات”.

لقد وجد الفلسطينيون صعوبة باستيعاب التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وزادت صعوبته عند الحديث عن تبعاته الدينية، حيث تحدثت رؤية جاريد كوشنير المعلنة، صهر الرئيس ترامب ومبعوثه للشرق الأوسط، عن توافد جموع المسلمين القادمين من دول الخليج العربي للصلاة في المسجد الأقصى، زاعماً أن هذه الجماهير ستدرك بأعينها أن “الأقصى ليس في خطر”، كما يردد الفلسطينيون، وهذه رؤية كوشنير التي أقنعت حكام الإمارات.

يتحدث الإماراتيون والإسرائيليون والأمريكيون في مباحثات غير رسمية، أن لديهم هدفاَ مبدئياَ يتمثل بتوافد مليوني سائح مسلم لدولة الاحتلال سنوياً، معظمهم سيزور المسجد الأقصى، تحت اسم “السلام الديني”، مع أنه في 2018 زاره 98 ألف سائح مسلم، ويتحدث نتنياهو مع كوشنير وابن زايد، عن ترتيبات خاصة للمسلمين الذين سيأتون من الإمارات والخليج للصلاة في المسجد الأقصى.

يثير الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي قلق وخوف دائرة الأوقاف الأردنية والفلسطينيين، لأنه يهدف لمنح الإمارات دورا جديدا داخل الأقصى، وسيدفع الاحتلال لاتخاذ إجراءاته الأمنية لحماية سياحه المطبعين بشق طرق جديدة، وإغلاق الشوارع، وتحديد خط سير السياح الإماراتيين عبر المرشدين اليهود، ممن سيعممون عليهم روايتهم حول الأقصى والقدس.

مع أن السنوات الأخيرة شهدت استقبال إسرائيل لعدد من وزراء الخارجية العرب ممن زاروا المسجد الأقصى، ففي مارس 2018 زاره وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، وبعد ستة أشهر وصله وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، وفي 2019 زاره وفد كويتي.

ولم ينس المقدسيون ما حصل قبل عام واحد فقط، حين طردوا المدون السعودي محمد سعود من المسجد الأقصى، ورشق الكراسي باتجاهه، ولم يكن الأول الذي حظي بهذا الاستقبال، فقد سبقه وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد ماهر في 2003، حيث تم استقباله بالحجارة والعصي، ووصفه المقدسيون بـ”الخائن والمتعاون”.

كما طرد مقدسيون أعضاء وفد إماراتي دخل المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال، وعبّروا عن رفضهم أن تكون زيارة العرب والمسلمين للأقصى بحراسة الأمن الإسرائيلي، وبالتنسيق معه، وهكذا بات واضحا أن كل من سيزور المسجد الأقصى من المسؤولين العرب تحت رعاية الاحتلال، واتفاقه مع الإمارات، لن يرحب به، لأن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي أظهر أن زيارة المسجد الأقصى تضفي الشرعية على التطبيع مع إسرائيل، وتتصالح مع “احتلال” الأضرحة الإسلامية.

مخططات إقليمية

تسعى الخطة الإسرائيلية للتأكيد على التطبيع الكامل بين إسرائيل والإمارات، تحت مظلة الصلاة في المسجد الأقصى، فهو وفق الشرائع السماوية والوثائق الدولية، خاصة منظمة اليونسكو، حق خالص للمسلمين، ولا ارتباط لليهود به، رغم اتفاق الإمارات الذي منحهم ما لا يملكونه، والمقدسيون لن يسمحوا للإماراتيين وسواهم، بأن يعتدوا على قدسية الأقصى باستخدام الصلاة فيه لشرعنة اتفاقهم الباطل مع إسرائيل.

بالتزامن مع التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، كشف مركز “القدس الدنيوية”، وهو مركز إسرائيلي يتابع شئون المدينة، عن موافقة الإمارات لأول مرة على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، بما يسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي، ويختصر حق المسلمين في المسجد فقط، أحد الأبنية الموجودة داخل الحرم، وليس الحرم بأكمله.

لقد سبق التوجه الإماراتي نحو القدس والمسجد الأقصى وجود مخطط سعودي للتواصل مع شخصيات مقدسية لإيجاد موطئ قدم لها بالمدينة، لكن المقدسيين رفضوا الذهاب للمملكة، مع أن المصلين الإماراتيين في حال وصلوا للصلاة بالمسجد الأقصى، فسوف يصلون فقط في الأماكن المغلقة، خشية من رد الفعل الفلسطيني.

لقد احتوى الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على بند قد يكون الأكثر خطورة، وينطوي على تغيير مهم بوضعية المدينة المقدسة لمصلحة الإسرائيليين، وينسف أي أمل مستقبلاً لأن تصبح القدس عاصمة الفلسطينيين، وينص حرفياً على أن “كل المسلمين الذين يأتون بسلام لإسرائيل بإمكانهم أن يزوروا المسجد الأقصى، ويصلوا فيه، وفي غيره من الأماكن المقدسة في القدس، شرط أن يبقى مفتوحاً لجميع المصلين المسالمين من كافة الأديان”.

مع أن نقاشات شهدها عام 2015، بين وزير الخارجية كيري والملك الأردني عبد الله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلصت لموافقة الأخير على استمرار سياسة أن المسلمين “يصلون” في الحرم القدسي، أما غير المسلمين فـ”يزورونه”.

بجانب الخطة الإماراتية لجلب مليوني مسلم إلى المسجد الأقصى، أعلن وزير شؤون القدس الإسرائيلي الحاخام اليهودي رافي بيرتس عن خطة لجلب آلاف السائحين من الإمارات إلى القدس، يقيمون في فنادقها، ويصلون فيها، لتعزيز مكانتها “عاصمة لإسرائيل”.

ورغم الدعاية الإماراتية الخاصة بجلب المصلين للمسجد الأقصى بغرض تسويق تطبيعها مع إسرائيل، لكن التقديرات الفلسطينية تشير أن هذه الخطة ربما لا يكتب لها النجاح، فالإماراتيون قد لا يأتون بصورة كبيرة هنا، ولن تتجاوز أعدادهم المئات، وربما العشرات فقط، وسيذهب معظمهم إلى تل أبيب للسياحة والاستجمام.

كما أن التوجه الإسرائيلي الإماراتي المتعلقة بالمسجد الأقصى، يثير قلق وخوف دائرة الأوقاف الأردنية والفلسطينيين، فالاتفاق يهدف لمنح الإمارات دوراً جديداً داخل الأقصى، من خلال مزاحمة الدورين الأردني والفلسطيني، ولعل ما يثير خشية وقلق المقدسيين هو رصيد الإمارات السلبي بحق المدينة المقدسة، خاصة بعد تورطها في بيع الجمعيات الاستيطانية اليهودية البيوت والعقارات التي اشتروها من الفلسطينيين.

تزعم الماكينة الدعائية الإماراتية في إطار تسويقها لتطبيعها مع إسرائيل أن الاتفاق يزيد من حرية وصول المسلمين لزيارة المسجد الأقصى، وكأن هذه الزيارة تعني فتحاً مؤزراً للمدينة المحتلة، وتحريراً لها من نير الاحتلال الإسرائيلي، وقيوده.

لم يتوقف مخطط الإمارات بالقدس على إيجاد موطئ قدم بالمسجد الأقصى، بل وصل الأمر للاتفاق مع بلدية القدس المحتلة على إنشاء منطقة صناعية تكنولوجية بحي وادي الجوز شرقي المدينة، على مساحة 250 ألف م2، لربط إسرائيل بالإمارات وفلسطينيي شرقي القدس، بكلفة ملياري شيكل، أي 600 مليون دولار.

المصالح المتضاربة

لم يعد سراً أن هناك أيدٍ فلسطينية مقدسية متورطة في المشروع، يعتبرون أنفسهم مبعوثي الإمارات في الساحة الفلسطينية، قاموا بغسيل دماغ للمقدسيين، لترويضهم للقبول بهذه المشاريع، رغم أن الإمارات تهف من مشروعها هذا بجانب التطبيع مع إسرائيل، مزاحمة الدور التركي في المدينة، بعد تنامي دورهم لخدمة المقدسيين.

في الوقت ذاته، فإن إحدى أهم القضايا التي نوقشت في الطريق إلى اتفاقيات السلام التاريخية بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وربما السعودية قريبا، هي الحرم القدسي وإدارته، لأن مسؤولين كبارا في الإدارة الأمريكية أعلنوا عدة مرات في الأشهر الأخيرة أن الاتفاقيات ستسمح للمسلمين من البلدان المعنية، بجانب مسلمي أنحاء العالم، بالصلاة في المسجد الأقصى.

بالتزامن مع التطبيع الإسرائيلي الخليجي، فقد شهدت العلاقات مع الأردن تراجعا وفتورا واضحين، مما زاد من الدعوات الإسرائيلية بإخراج المملكة من القدس والحرم القدسي، حيث تشرف على المقدسات الإسلامية من خلال دائرة الأوقاف.

مع أن اتفاق السلام مع الأردن عام 1994 تحدث عن الحرم القدسي ومدينة القدس بعبارات ضبابية غير واضحة، دون أن تمنحه حق السيادة عليهما، لكن إسرائيل تحترم الدور الأردني الخاص بالمملكة الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس، ما يعني أن الاتفاق لم يمنح الأردن دورا رسميا مخطوطا من حيث السيطرة، أو التدخل في شؤون إسرائيل السيادية في الحرم القدسي.

يعتقد الإسرائيليون أن الوقت حان لتعيين مجلس دولي لإدارة الحرم القدسي، بحيث يتمكن ممثلو الدول الإسلامية التي تعترف رسمياً بإسرائيل، إضافة لممثلين منها، من السماح لأي شخص، بغض النظر عن دينه، بالصلاة في الحرم، وهذا المطلب الإسرائيلي يتزامن مع إعلان مفتي القدس بعدم وجود أي ارتباط يهودي بالحرم، وأصدر قراراً بعدم السماح لسكان الإمارات والبحرين بدخوله، مما يتطلب من الحكومة الإسرائيلية أن تفسح المجال لتشكيل إدارة جديدة للحرم القدسي.

تدّعي المحافل الإسرائيلية أنه بالنظر إلى أن الحرم القدسي له أهمية خاصة بالنسبة للمسلمين حول العالم، فربما حان الوقت لحذف صفحة من خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة لعام 1947، ووضع الحرم القدسي تحت السيطرة الدولية، بزعم أن الدعوات لهذا الترتيب تأتي من مسلمين آخرين بعد استياء مجموعة من الإماراتيين زاروا الحرم القدسي، وتعرضوا للمضايقات من المصلين الفلسطينيين، وأجبروا على مغادرته.

الغريب أن البعض في السعودية والإمارات استنتجوا الحاجة لتغيير الوضع القائم بالقدس، بتأسيس مجلس دولي يضم ممثلين من الدول الإسلامية التي تعترف رسمياً بإسرائيل باعتبارها السلطة العليا، وممثلين من إسرائيل، بما في ذلك المسلمون فيها، لإدارة الحرم القدسي، ويُطلب من كل دولة في المجلس الاعتراف بسيادة إسرائيل، ويشمل مراعاة القوانين والأنظمة ذات الصلة بإسرائيل، والاعتراف بمسؤوليتها عن الأمن.

النفوذ التركي

في الوقت ذاته، فقد انشغلت الأوساط الإسرائيلية بخطة وزارة الخارجية لوقف الدعم التركي للقدس، الذي يثير قلق إسرائيل في وقت تسعى لتهويد المدينة المقدسة، ولم تتورع في الحديث عن اتخاذ جميع الخطوات لاستئصال الأنشطة التركية في القدس، بزعم أن أيام الإمبراطورية العثمانية ولَّت، وأن لدى تركيا ما تبحث عنه في القدس، بدليل زيادة تصريحات إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان بأن القدس ملك لجميع المسلمين.

مما قد يثير الغضب الفلسطيني المعلومات التي تتحدث بأن الخطة الإسرائيلية تأتي بتأييد ودعم سعودي أردني، للحفاظ على تأثيرهما في القدس، مما قد يؤدي لنشوب توتر جديد بين إسرائيل وتركيا، رغم أن المشاريع التركية في القدس ذات طابع خيري اقتصادي، لأن إسرائيل تمنع أي نشاط سياسي في المدينة، فإن هذه الجهود التركية أزعجت الإسرائيليين والدول العربية المتطلعة لترسيخ نفوذها في القدس، على اعتبار أن أي تزايد في النفوذ التركي في القدس ينتقص من صلاحياتها، ويسحب من وصايتها الدينية على الأماكن المقدسة، مع أن القدس قضية إسلامية عامة، وليست عربية أو فلسطينية فقط.

تعود دوافع الخطة الإسرائيلية إلى أن التأثير التركي بين فلسطينيي القدس يثير قلق مسؤولي الأمن والسياسة في إسرائيل منذ سنوات، بحيث يمكن رؤية الأعلام التركية في العديد من المواقع المقدسية، والمطاعم التي تحمل أسماء إسطنبول، وصور أردوغان، وفي السنوات الأخيرة باتت تركيا الوجهة المفضلة لعشرات آلاف الفلسطينيين من سكان القدس.

وتزعم الخطة الإسرائيلية أن العديد من المدارس المقدسية تعلم اللغة التركية، كما توجد مراكز تركية متخصصة، وتتضمن الخطة إلغاء وظائف المعلمين الأتراك الذين يقومون بالتدريس في القدس، ومعاقبة مؤسسات تعليمية مقدسية تتلقى الدعم من الحكومة التركية، لاسيما أن هذه المؤسسات تعاني ضغوطاً إسرائيلية مستمرة لأسرلة التعليم في المدينة، وهو ما يرفضه الفلسطينيون.

الحملة الإسرائيلية ضد النفوذ التركي في القدس ليست جديدة، بل تعود لعشر سنوات، لكنها ازدادت في الآونة الأخيرة مع تنامي حالة الاستقطاب الإقليمية في المنطقة، بين تركيا والسعودية والأردن وإسرائيل، ومن الواضح أن الأخيرة منحازة لكل هذه الأطراف إلا تركيا، وقد لا يكون سراً أن الحملة الإسرائيلية مرتبطة بضغوط سعودية أردنية لوضع حد للنفوذ التركي المتزايد في المدينة المقدسة.

تشير المعلومات حول الخطة الإسرائيلية ضد النشاط التركي في القدس لوجود توافق بين دوائر صنع القرار حولها، ما يجعل من هذا النشاط تهديداً لأمنها القومي، وقد تغامر بصبّ مزيد من الزيت على نار التوتر القائم أصلاً بين أنقرة وتل أبيب في عدة ملفات، ليس آخرها عملية نبع السلام التي أعلنت إسرائيل رفضها لها.

الخاتمة

ساهمت صفقة القرن بصورة واضحة لا تخطئها العين بإثارة المطالبات المتضاربة بين دول المنطقة للسعي للإشراف على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، مما سيحدث هزات ارتدادية في العالم العربي.

وفيما ترى الأردن أنها صاحبة الحق التاريخي في القدس، سواء وفق اتفاقات السلام مع إسرائيل، أو كطرف ذي أفضلية لتولي المسؤولية على موضوع المساجد في القدس، فإن الفلسطينيين لا يعترفون بهذه الوضعية “المطلقة” للأردن، بل مشاركتهم في هذه الإدارة، وفجأة دخل ضيف جديد لهذا الموضوع الشائك، وتتوفر مخاوف لدى رجال الوقف الإسلامي في الحرم القدسي، بأن إسرائيل قد تفسح المجال للسعودية بأن يكون لها موطئ قدم فيه، من خلال إدخال العنصر الوهابي إلى القدس.

الإدارة الأمريكية وإسرائيل قد تعلنان عن إقامة إدارة إسلامية عامة بإشراف السعودية حول الأماكن المقدسة الإسلامية، وإبعاد الأردن والسلطة الفلسطينية جانبا، وهذا لن يكون مشكلة خاصة بالأردن فقط، لأنها لن تكون مسألة عادية للفلسطينيين الذين لن يسلموا بها، بل مستحيلة، فالأردن والسلطة الفلسطينية الذين لن يوافقوا على التوجه الإسرائيلي الأمريكي بإدخال السعودية للحرم القدسي، يضاف إليهم ضيف ثالث يتمثل بتركيا، الدولة التي ستتلقى ضربة قوية بسبب هذه الخطوة المتوقعة، لأنها تزيد من نفوذها في المدينة منذ سنوات، وتنفق الكثير من الأموال لتقوية تأثيرها ونفوذها في المدينة المقدسة.

يعتقد الفلسطينيون أن محاولة إقحام السعودية في الحرم القدسي مشكلة كبيرة لهم، لأن الترتيب الإقليمي الخاص بالقدس يسحب منهم مسألة أن تكون شرقي القدس عاصمة لهم، فهناك من يقترح ضم رام الله إلى الأحياء العربية خارج الجدار الفاصل شمال القدس، التي تنازلت إسرائيل عن إدارتها من الناحية المدنية.

تؤكد كل هذه التطورات المتلاحقة، أن حالة من عدم الهدوء ستبقى قائمة حول الحرم القدسي، والإشراف على مقدساته، ويؤكد أنها ستشتعل مع نشوب كل حدث من جديد، ولذلك يجب الحذر من أي تطور مستقبلي، لأن كل طرف سيحرص على أن يظهر المدافع والحامي عن الحرم القدسي، في حين تتراكم الأطماع الإقليمية والدولية، مما يتطلب من الفلسطينيين والأردنيين التمسك أكثر بهذا الحق، والحيلولة دون نجاح المخططات الإسرائيلية والأمريكية الساعية لإقحام قوى أخرى على هذا المسار الشائك والحساس.

 

المصدر المعهد المصري للدراسات

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0