ثقافة عروض كتب فكر مختارات مقالات

ملاحم الشعوب: الشاهنامة

كتاب كل يوم جمعة (66) ملاحم الشعوب (2/4) الشاهنامه

بقلم/ وسام محمد

ومثل اليونان، تغنى الفرس بأبطالهم وتاريخهم قديمًا، وتداول شعراءهم مآثر هؤلاء الأبطال وأيامهم ووقائعهم، وتناقلها عنهم الناس شفاهة، دون ضبط أو إحكام، ثم التمس بعض شعراء الفارسية تنظيم هذه الأشعار المنقولة شفاهة وتدوينها، فلما كان مطلع القرن الرابع الهجري توفرت من الظروف السياسية والثقافية، على نحو ما سوف نبين لاحقًا، ما أتاح لأبي القاسم الفردوسي أن يجمع شتات هذه الأشعار وينظمها ويدونها في عمل ملحمي واحد مما يزيد عن خسمين ألف بيت، اسماه (شاهنامه)؛ والاسم مكون من مقطعين، شاه بمعنى ملك، ونامه بمعنى رسالة أو كتاب، فكأن الفردوسي أسمى كتابه (كتاب الملوك).
يمكن أن نقسم الشاهنامه إلى أقسام ثلاثة على النحو التالي:
القسم الأول، وهو أقصر الأقسام الثلاثة، إذ لا يزيد عن ثلاثة ألف بيت شعري، ويمثل العصر الأسطوري من تاريخ الفرس؛ وفيه يقدم فيه الفردوسي لمسرح احداث ملحمته، برواية الفرس عن بداية العالم، وأول البشر، جيومارت، والذي أصبح أيضًا أول ملوك الفرس، وابنه سيامك الذي اكتشف النار، النار التي اتخذها أوشهنج بن سيامك قبلة وشعارًا للفرس، ثم انحلال سلطة أبناء أوشهنج، ودخول الملك العربي الأسطوري الضحاك الصورة، وتنصيبه نفسه ملكًا على عرش الفرس، ثم ميلاد أفريدون وما أحاط به من نبوءات واساطير، ونجاحه في تخليص الفرس من حكم الضحاك وجلوسه على عرش الفرس، وانجب أفريدون ثلاثة أبناء، سلم وتور وايرج، وسوف يقسم أفريدون العالم بين أبناءه الثلاثة، بلاد الروم والغرب لسلم، ولتور بلاد الترك والصين، ولايرج بلاد الفرس والهند والعراق، وسوف تصبح هذه القسمة أساسًا للصراع بين الفرس والشعوب الأخرى إلى باقي التاريخ، وينتهي هذا القسم بجلوس منوجهر بن ايرج على عرش الفرس، بعد حرب هائلة مع الأتراك وزعيمهم عمه تور ثأرًا لوالده الذي قتله العم.
القسم الثاني، ويمثل العصر البطولي، وهو يشغل نحو ثلثي الملحمة، ممتدًا من حكم منوجهر إلى غزو الإسكندر بلاد الفرس، وتقابل هذه الفترة معظم فترة حكم سلالة الكيانيين وظهور الزرادشتية وانتشارها بين الفرس، وهذا القسم مزدحم بالحروب بين الملوك، والذي يبدو من بينهم البطل المحارب رستم، وكأنه معادل فارسي لهرقل الإغريقي، حيث تفرض عليه الأقدار رحلة محفوفة بالمخاطر حيث عليه أن يقوم بعدد من المهام المستحيلة.
القسم الثالث، ويمثل العصر التاريخي، ويشغل بقية الملحمة، وتناول أعمال ملوك السلالة الساسانية، مركزًا على أعمال مشاهير هؤلاء الملوك، مثل أنوشروان وبهرام جوبين، إلى أن ينتهي بتحلل حكم الساسانية قبل أن تسقط دولتهم امام المسلمين.
إلى جانب أهميتها الأدبية، تعتبر الشاهنامه مهمة كمصدر لتاريخ الفرس القديم، على الرغم مما شاب هذا التاريخ من خرافي؛ ويزعم البعض أن الفردوسي قد كتب شاهنامته لتذكير الأجيال الأتية بأمجاد الفرس القديمة، بعدما تداولت حكم بلاده سلالات مختلفة من الأتراك والعرب والأفغان، وهو ما اعتبره يتنافى مع يستحقه الفرس لمجدهم القديم؛ وقد انطلق القوميون الفرس من هذه المزاعم، فتبنوا الشاهنامه واعتبروا كل ما جاء فيها حقائق تاريخية.
ولكن، وما يأتي رأي الشخصي، فإن الشاهنامه تعكس الظروف السياسية والثقافية التي كُتِبَت فيها، ففي البداية طُرحت فكرة تأليف الملحمة من قبل أحد أمراء الأسرة السامانية على الشاعر الفارسي أبي منصور دقيقي، والذي يشرع في كتابه الملحمة، ولكنه يلقى حتفه على يد عبد آبق قبل أن يتم ألف بيت، ويتوقف المشروع، ليتبناه بعد ذلك أبي القاسم الفردوسي بأمر من محمود الغزنوي، رأس الأسرة الغزنوية، والذي عرض على الفردوسي وفقًا لبعض الروايات دينارًا ذهبيًا لكل بيت شعر يكتبه؛ ولعل سبب حماس الحكام لكتابة مثل هذه القصيدة مرجعة أزمة الشرعية التي كانت تعاني منها السلطانات المستقلة مثل السامانية والغزنوية، فوجدوا في مثل هذه الملحمة سند لادعاءاتهم في الحكم، فإذا كان بني العباس في بغداد يستندون إلى قرابتهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حكمهم، فإن السلطانات المستقلة تستند إلى الميراث الإمبراطوري الفارسي كما تقدمه الشاهنامه؛ ولعل هذا الدافع لدى الأمراء، قد قابل دافع آخر عند الفردوسي والذي انحدر من اسرة من الدهاقنة، أي الأسر النبيلة التي احتكرت وظائف الدولة وملكية الأراضي في الحقبة الكسروية، وهي الأسر نفسها التي فقدت هذه الامتيازات عقب الفتح الإسلامي، فكانت الشاهنامه كما قدمها الفردوسي مرثية للأيام المجيدة لطبقة النبلاء الفرس التي ولت أمجادها، وتحريض لأبناء هذه الطبقة على تبني تاريخهم وربما معتقداتهم ونظرتهم للعالم؛ ومما يؤيد نظرتي هذه للشاهنامه وظروف تأليفها هجوم المفكر الإيراني علي شريعيتي عليها، واعتبارها عمل يمجد الاستعلاء العنصري الفارسي والحكم الكسروي المستبد وهو ما اعتبره شريعيتي مناهضًا لأسس الإسلام الإنسانية والأخلاقية.
ترجمت الشاهنامه من الفارسية للعربية على يد الفتح بن علي بن محمد البنداري الأصبهاني للملك المعظم عيسى بن أيوب صاحب دمشق، في الربع الأول من القرن السابع الهجري؛ وقد حقق هذه الترجمة د. عبد الوهاب عزام، جمعها من ثلاثة أصول كاملة، أصل مطبوع في برلين، وآخر مخطوط من مكتبة آل كوبريللي، وثالثة مخطوطة في مكتبة توبكابي؛ وأصلان ناقصان، واحدة من مقتنيات جامعة كامبريدج والثانية من مقتنيات مكتبة توبكابي؛ ونُشِرَت هذه الترجمة المحققة في القاهرة عام 1932، نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر؛ وقد أعيد طبع هذه النسخة بالتصوير أكثر من مرة، أهمها الطبعة التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1993 ضمن سلسلة الألف كتاب الثاني، وطبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية عام 2017، كما صدرت طبعة عن دار سعاد الصباح عام 2014، ولكني لم أطلع عليها بنفسي؛ ولا أظن نفسي مبالغًا إن زعمت أن مقدمة التحقيق التي وضعها عزام قطعة فنية، على حد التعبير الإنجليزي، في علم تحقيق المخطوطات، ولو كان الأمر بيدي، لأجبرت كل من يتصدى للتحقيق هذه الأيام، ممن يظنون أن التحقيق هو صححه فلان وضعفه فلان، على حفظ هذه المقدمة، والاختبار فيها قبل أن يقدمون على هذا العمل العظيم، تحقيق التراث؛ وكذلك فإن المدخل الذي قدم به عزام لموضوعات الشاهنامه، تكاد تكون بحث علمي متكامل عن هذا العمل الأدبي، ولا ينبغي من يقرأ الترجمة العربية للشاهنامه أن يفوت هذا المدخل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0