عروض كتب فكر مختارات مقالات

كتاب قصة الفلسفة: من أفلاطون إلى جون ديوي

كتاب قصة الفلسفة: من أفلاطون إلى جون ديوي (حياة وآراء أعاظم رجال الفلسفة في العالم)
بقلم/ نجوى الجزائري
تأليف: ويليام جيمس ديورانت
إذا كان الكثير من الشيء يضر فإن القليل من الفلسفة يضر، وكثرتها مطلوبة على رأي ابن خلدون إذ يقول (من يقرأ القليل في الفلسفة سيتجه بأغلب الأحوال إلى الإلحاد ومن يقرأ الكثير منها يتجه للإيمان بكل حال من الأحوال) ربما هو ذا جواب لماذا علينا أن نقرأ في الفلسفة ؟
ويليام جيمس ديورانت William James Durant فيلسوف، مؤرخ وكاتب أمريكي من أشهر مؤلفاته كتاب أو موسوعة (قصة الحضارة) والذي شاركته زوجته أريل ديورانت في تأليفه، وُلد ديورانت عام 1885م وتلقى تعليماً كاثوليكياً، لكنه تعرض لحالة تحول جذري فاتجه إلى الفلسفة ونال فيها الدكتوراه عام 1917 فأصبح أستاذاً في جامعة كولومبيا، غير أنه أيضاً لم يتحمَّل رتابة العمل، فهو يميل إلى الانطلاق والمغامرة، فانطلق حُراً يلقي سلسلة من المحاضرات عن القادة والأبطال الذين تركوا تأثيرهم على حياة البشر، ثم نشر كتابه (قصة الفلسفة) فلقي رواجاً كبيراً مكَّنته عوائده المالية من التحرر من رباط الوظيفة، ولهذا الكتاب بالعربية ترجمتان إحداهما لأحمد الشيباني، والثانية لفتح الله المشعشع، مات ديورانت عام 1981م وهو في السادسة والتسعين من العمر.
 عن الكتاب:
يتألف الكتاب من أحد عشر فصلاً، يركز كل فصل من الفصول التسعة الأولى على فيلسوف واحد، بينما يقدم الكاتب لمحة مختصرة عن ثلاثة فلاسفة من بدايات القرن العشرين في كل من الفصلين الأخيرين.
الفلاسفة المذكورون في الكتاب بالترتيب هم : أفلاطون، أرسطو، فرانسيس بيكون، باروخ سبينوزا مع قسم يتحدث عن ديكارت)، فولتير (مع قسم يتحدث عن روسو)، إيمانويل كانت (مع قسم يتحدث عن هيفل)، آرثر شوبنهاور، هربرت سبنسر، فريدرك نيتشه.
أما الفصلان الأخيران( العاشر و الحادي عشر ) فقد عنيا بالفلاسفة كما سماهم ديورانت بالمعاصرون في كل من أوروبا وأمريكا مثل: هنري برجسون ، بينيدتو كروتشه، بيرتراند راسل في الفصل العاشر، وجورج سانتايانا، وويليام جيمس،وجون ديوي في الحادي عشر.
عنوان الكتاب كما هو واضح :قصة الفلسفة ، لكن القارئ لمحتوى الكتاب يكتشف بوضوح أن الكتاب قدم قصة وحياة وفلسفة وأفكار أعاظم الفلاسفة الغربيين، بصفة أدق حياتهم الشخصية( العائلية ) ومحيطهم السياسي والاجتماعي، ربما لهذا نجد تأثير وتأثر هؤلاء الفلاسفة بهذه البيئة المضطربة التي سادت هذه العصور من حروب و مشاحنات بين السياسة، الدين والفن ، لكن برأيي ديورانت أصاب وأجاد في بلوغ الفائدة والهدف من الكتاب وهو ما يجعل القارئ المتخصص وغير المتخصص يستفيد وأكيد يستمتع بقراءة هذا الكتاب الرائع والمفيد معا.
طاف بنا ويل ديورانت في هذا الكتاب بين أروقة الفلسفة اليونانية وصولا إلى الفلسفة الأوروبية و الأمريكية إن صح التعبير ، بأسلوب مبسط جدا في متناول جميع طبقات القراء (الأكاديميون و العامون) وهو ما جعله مميزا في رأيي، إذ الغالب على كتب الفلسفة ذاك التركيز، الغموض والتعقيد مع كثرة الآراء والمعلومات طبعا لغير المختص في الفلسفة، أما في كتاب ديورانت هذا فإنك ستستمتع حقا بالقراءة في الفلسفة بأسلوب روائي أحيانا ساخر و ممتع يأخذنا الكاتب لنعيش بالقرب من أعاظم هؤلاء الفلاسفة مولدهم، نشأتهم، دياناتهم و خلجات نفوسهم حتى، فيصور لنا الفيلسوف كإنسان يبحث عن الحقيقة بعقله وقلبه، ويحب الحقيقة بعقله وعاطفته ووجدانه، وإن جعل العقل هو الموجه للعاطفة والمرشد للوجدان.
إذن فالجميل في عمل ديورانت أنه يعرض أفكار وآراء هؤلاء الفلاسفة بانسيابية وبساطة مطلقة مع أسلوب روائي شيق ملفت ومحبب حتى بالنسبة للقارئ غير المتخصص في الفلسفة، إذ أنه ينقل أفكار الفيلسوف ويقدم حججه مرتبة ومنظمة، مع أدلته وأهم كتبه وما جاء فيها، ثم في ختام ذلك يُعنوِن تعليقه على الفيلسوف وأفكاره بعنوان: نقد، فيقوم بالرد على ما جاء به الفيسلوف بتسلسل أيضا و وضوح مع ملابسات ذلك فيعرض الرأي والرأي الآخر وينتقد الفيلسوف بوضوح في مواقع الانتقاد و يؤيده في مواضع التأييد.
سوف تشعر وأنت تقرأ عن هؤلاء العباقرة ذاك التسلسل المتدفق للأفكار والمعلومات من أفلاطون، سقراط أرسطو مرورا ببيكون و سبينوزا إلى سبنسر و نيتشه، كأن الفكرة هي شعلة متوقدة تُأخذ من يد إلى يد، لا تخبو و لا يمسسها أفول، تعود بنا الفكرة إلى منبعها الأول فتجد فكرة أفلاطون يقول بها سبينوزا و أراء أرسطو تعود فتظهر على يد نيتشه و هكذا…
كما نستطيع أن نرى بوضوح اختلافاً في وجهات نظر فلاسفتنا في مواضيع عديدة كموضوع الحكم والسياسة، هل يؤيد الفيسلوف الحكم الديموقراطي أو الأرستقراطي ؟ مثلا نجد أفلاطون في دولته المثالية يعد مدرسة تُعنى باختيار القادة والحكام عبر اختبارات يشارك فيها الجميع دون استثناء حتى نصل إلى إنتاج عباقرة يحكمون الدول والبقاء للأصلح، وطبعا سيأتي الفلاسفة في هذه المرتبة والمنصب، بينما سبينسر يقول أن أهم حقوق الفرد هي الحقوق الاقتصادية، بينما الحقوق السياسية لا أهمية لها، وإن تغير شكل الحكومة لا يعني شيئا عندما لا تكون الحياة الإقتصادية حرة، وإن الحقوق السياسية مجرد أوهام! فسبينسر يمجد النظام الصناعي للدول ثم نجد نيتشه يشمئز من الصناعة ويعظم النظام العسكري والحياة الحربية!
مثال آخر عن اختلاف وجهات النظر لدى هؤلاء الفلاسفة مثلا نجد حين ينادي أفلاطون بأن تقسيم العمل يجب أن يكون قائما على المقدرة الأهلية والكفاءة لا على الجنس، وإذا أثبتت المرأة مقدرتها على الإدارة السياسية دعها تحكم وإذا أثبت الرجل نفسه قادرا على غسل الصحون دعه يقوم بالعمل الذي أعدته له العناية الإلهية، نجد الفيلسوف المتشائم شوبنهور لا يقر بالمساواة بين الرجل والمرأة ويعتبرها أقل قيمة وعقلا من الرجل، ويكيل لها أبشع الشتائم، في أول الأمر يقول أنها المتهمة الوحيدة وعليها تقع مسؤولية جريمة التناسل (هنا يعتبر تناسل البشر جريمة) ثم يقول أنهن عاجزات عن تذوق كل فن، وإذا استعرضنا تاريخ النساء المثقفات لما وجدنا منهن واحدة قد أبدعت في تاريخ الفنون لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة شعرية واحدة ذات أصالة وإبداع أو قدمت للعالم أية قيمة خالدة في أي موضوع، ويضيف أن من الحماقة أيضا أن نبيح للنساء الإرث لأنهن خلقن للتبذير و الإسراف، الدارس لحياة شوبنهور يرى تأثره الشديد بعلاقته السيئة مع أمه ربما يعود السبب في تشاؤمه وكرهه للنساء لهذه العلاقة المرضية.
في حياة فلاسفتنا نجد العامل المشترك بينهم وهو الاضطهاد من طرف رجال الدين والقساوسة بالدرجة الأولى، وهذا أمر معروف و مفهوم أيضا لأن الفلاسفة أو المشككون بكل شيء كما يحلوا للبعض مناداتهم، يشكلون إزعاجا متواصلا لرجال الدين الذين يستحوذون على عقول الشعوب عبر العصور، وأيضا كانوا مصدر قلق متواصل للحكام (ملوك ،أمراء و حتى رؤساء دول) تقريبا لم يسلم أي فيلسوف من المطاردة والازعاج والنقد وربما السجن والتعذيب على غرار فولتير، لكن الملفت نجد البعض منهم كان بالقرب دائمآ من الأمراء كما نجد أرسطو كان المعلم الأول للإسكندر فكانت لهذا الأخير محبة خاصة لدى الملك وقبول على الدوام بالإضافة للمساعدة والدعم المالي ، فتلقى أرسطو مساعدات وتسهيلات كبيرة من الملك لإجراء بحوثه العلمية وإنشاء مدرسته التعليمية.
الملاحظ أن هؤلاء الفلاسفة اشتركوا جميعا في اقتحاهم شتى العلوم، فلهم آراء و نظريات في كل مجالاته تقريبا الفلسفة، الدين ، السياسة الحكم ، الفن والطبيعة، فهم موسوعة بحق أحاطوا من كل ضروب العلم والمعرفة وكانت لهم آراء أثبتوا فيها عبقريتهم ونبوغهم ولو اختص الواحد منهم في ميدان معين وبرز فيه إلا أنهم كانوا عالميين في طرحهم وتفكيرهم، تساؤلاتهم وحتى تحديهم لبيئاتهم المجتمعية الدينية والسياسية.
 يعاب على ول ديورانت في كتابه هذا عدم تعرضه وذكره للفلاسفة العرب والمسلمين, ولا حتى بإشارة بسيطة لما قدموه في ميدان الفلسفة وحتى في ترجمة أمهات الكتب الفلسفية اليونانية، حيث يشهد لهم التاريخ بذلك، و هنا لا يجب إنكار دور هؤلاء الفلاسفة، و من أهم الفلاسفة المسلمين نجد: الفارابي ، ابن رشد، ابن باجة، أبو الحسن العامري، ابن سينا، ابن طفيل، ابن الهيثم، أبو حامد الغزالي و آخرون كثر لا يسع المجال لذكرهم ، بينما نجد ديورانت يمجد دور اليهود فيقول (..لقد لعب اليهود في القرنين الثاني والثالث عشر دورا هاما في نقل الحضارات الشرقية القديمة إلى أوروبا الغربية، و هذا في قرطبة قام موسى القرطبي أعظم طبيب في عصره بكتابة تعليقاته على التوراة ….لقد ازدهر اليهود في إسبانيا و جمعوا ثروة إلى أن قام فرديناند بإخراج المسلمين منها) في نظري هي سقطة كبيرة من مؤرخ كبير كديورانت كيف يغفل عن الدور الذي لعبه المسلمون في تقدم الفلسفة وغزوها مجالات جديدة وآفاق واسعة كانت أوروبا في غفلة عنها.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0