دراسات وأبحاث سياسة فكر مختارات مقالات

نهاية الحقبة الويلسونية: لماذا فشلت النزعة الدولية الليبرالية

نهاية الحقبة الويلسونية: لماذا فشلت النزعة الدولية الليبرالية
والتر راسل مِيد، مجلة الشؤون الخارجية، عدد يناير/فبراير 2021
إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)
يُناقش الكاتب هنا جملة الأسباب التّي تجعله مُقتنعاً بفشل النزعة الدولية الليبرالية وانتهاء الحقبة الويلسونية كما يُسميها والتّي هيمنت على السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما يرى بأنّ المرحلة التالية من تاريخ العالم لن تتطوّر تماشياً مع الخطّ الويلسوني.
قبل أن يُفصّل في هذه الأسباب، يضعنا الكاتب أمام شخصية الرئيس وودرو ويلسون، المُلهم الأوّل لهذه النزعة الدولية الليبرالية، وكذا الظروف المحليّة والدولية التّي عرفتها حقبته. فبالرغم من كونه أكثر الشخصيات تأثيراً في الولايات المتحدّة منذ 1945، وفي الأسس التّي بُني عليها نظام ما بعد الحرب (حقوق الإنسان، المؤسّسات الدولية، القيم الانسانية العالمية..)، إلاّ أنّه كان شخصيةً عنصريةً بشكلٍ فضيع، كما لم يكن مفكّراً أصيلاً بل مجرّد جامعٍ لأفكارٍ كانت سائدةً في عصره، فضلاً أنّ النظام الدولي الذّي دعا إليه وأفكاره التّي سافرت إلى أوروبا لبناء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى لم يكونا شيئاً غير مألوفٍ آنذاك، فقد عرفت أوروبا منذ الامبراطورية الرومانية نُظماً عالميةً عديدةً قامت على قواعد مُماثلة، ولو بشكلٍ محدودِ النطاق. لقد كان سعيه مُنصبّاً لإصلاح عيوب نظامٍ دوليٍ قائمٍ برزت مع انفجار الحرب العالمية الأولى، حتّى أنّ أفكاره داخل الولايات المتحدة نفسها لم تحظ بدعمٍ واسع النطاق، هكذا تُوّفيّ الرجل مصاباً باحباطٍ مرير.
بعد عقودٍ قليلةٍ صارت تلك الأفكار مصدر إلهامٍ للقادة والدبلوماسيين، النشطاء والمثقّفين عبر أنحاء العالم، وعرفت نجاحاً كبيراً في أوروبا خصوصا، بل وظهر تيّارٌ داخل الولايات المتحدّة وخارجها يحمل اسمه، “النزعة الويلسونية”، ظلّ سائداً بقوّةٍ قرابة قرنٍ كامل.
أمّا عن الأسباب التّي تقف وراء انتهاء الحقبة الويلسونية المعاصرة فهي متعدّدة، أبرزها:
1. نظرة الويلسونية التبسيطية والتفاؤلية للعملية التاريخية، خاصّةً حينما يتعلّق الأمر بتأثير التقدّم التكنولوجي على النظام الاجتماعي البشري. كان ويلسون تقدّميّاً من دعاة الحتمية الليبرالية الأنجلوساكسونية القريبة من الهيجلية، فالتاريخ البشري سردٌ للتقدّم والتحسّن الخطّي، الذّي عبّر عنه فوكوياما “بنهاية التاريخ”، أين ستصل البشرية إلى تقاربٍ كبيرٍ في نموذجها الحياتي القائم على الديمقراطية الليبرالية طبعا، وهو تصوّرٌ جاء مُتأثّراً بالتعاليم الكالفينية الدّينية المُؤمنة بألفيةِ السلام والازدهار قبل نهاية البشرية، غير أنّ تصوّر الويلسونيين جاء بغطاءٍ علماني. لقد أُصيب هذا التصوّر عبر التاريخ في كلّ مرّةٍ بخيبة أمل. ففي عهد ويلسون، صعدت النازية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كما “لم ينته التاريخ” بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي كما اعتقد هؤلاء، يتضّحُ ذلك اليوم على نحوٍ جليٍّ مع صعود الصين وروسيا وغيرها من الأمم غير الليبرالية.
2. عودة الجيوبولتيك التّي تُغذّيها الإيديولوجيا، حيث تنظر الصين وروسيا وعددٌ من القوى الأصغر (كإيران) اليوم بشكلٍ صريحٍ إلى المُثل الويلسونية باعتبارها تهديداً مُميتاً لترتيباتها الداخلية، كما ترى في الويلسونية مجرّد غطاءٍ للطموحات الأمريكية (والأوروبية إلى حدٍّ ما)، الأمر الذّي جعلها أكثر جرأةً على معارضة وعرقلةِ المبادرات الويلسونية (على غرار التدخّل الانساني) داخل مؤسّساتٍ دوليةٍ كالأمم المتحدّة، أو على أرض الميدان، كما حدث في سوريا ويحدث في بحر الصين الجنوبي الآن.
3. يخلق الابتكار التكنولوجي وثورة المعلومات عقبةً أمام الأهداف الويلسونية خلافاً لما كان يعتقده الويلسونيون من أنّ التقدّم التكنولوجي سيجعل العالم أكثر قابلية للحكم، والسياسة أكثرَ عقلانية. لقد تسبّب انتشار الانترنت والتقنيات الجديدة في تقويض الأنظمة الديمقراطية ومساعدة الأنظمة المُستبدّة، فضلاً عن زيادة حدّة الاستقطابات السياسية وتنامي الشعبويات عبر العالم.
4. جعلت الثورة التكنولوجية العسكرية، لاسيما النووية منها، من النظام الويلسوني حُلماً بعيد المنال، فقد عظمّت من سيادة الدولة، فلا يُمكن لأحد أن يقوم بتدخّلٍ انسانيٍ بسهولة ضدّ قوّةٍ نووية. سيكون من الصعوبة أيضاً التحكّم في تطوّر الأسلحة السيبرانية والبيولوجية وحَظْرِ الكثير من التقنيات الرئيسية تماماً لما لها من استخداماتٍ مدنيةٍ مُفيدة. علاوةً على ذلك، فإنّ الفوائد الاقتصادية الضخمة التّي تأتي من وراء هذه التكنولوجيات تُحفّزُ على اتّساع مداها واستمراريتها. لهذا يلوح في الأفق سباقُ تسلّحٍ متعدّد الأقطاب لا يمكن السيطرة عليه عبر مجموعةٍ من التقنيات المتطوّرة، سيُقوّص ذلك الآمال في إحياء النظام الويلسوني من جديد.
5. يُعدُّ تشابه البلدان في نظمها السياسية (الديمقراطية الليبرالية) والاقتصادية (النموذج الرأسمالي الليبرالي) عاملاً لنجاح النظام الويلسوني العالمي. لقد اعتقد الويلسونيون بأنّ التطوّر البشري سيجعل دول العالم أكثر ليبراليةً وتشابها. غير أنّ ما يحدث اليوم يشيرُ إلى العكس تماماً على المدى المتوسّط على الأقل، فدولٌ كالصين، روسيا، الهند، تركيا والمجر أقلّ احتمالاً للتلاقي مع الديمقراطية الليبرالية. أمّا اقتصادياً وتكنولوجياً فقد تطوّرت هذه الدول لا لكي تُصبح أكثر شبهاً بالغرب، بل لأجل تحقيق استقلالٍ أعمق عنه والسعي لتحقيق أهدافٍ حضاريةٍ وسياسيةٍ خاصّةٍ بها. أمّا الدول غير الغربية ودول ما بعد الكولونيالية فقد انضمت إلى المؤسّسات الدولية لا لتتنازل عن سيادتها لصالح مؤسّساتٍ فوق قوميةٍ كما يؤمن الويلسونيون، بل لكي تستعيد سيادتها وتُعزّزها وتحمي نفسها قانونياً من الدول الغربية القويّة.
6. صعود الشعبويات، حيث أوصلت شخصاً كترامب للحكم سنة 2016 وقد تعيد فعل ذلك مستقبلاً في الولايات المتحدّة ذاتها أو بقيّة “العالم الحرّ”. جاء هذا الصعود متزامناً مع زيادة نسبة المتعلّمين، اتسّاع مستخدمي الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذّي تسبّب في تراجع احترام الناس للخبراء والتكنوقراط بمؤسّسات الدولة بل والشعور بعدم الحاجة إلى ارشاداتهم وعدم الثقّة بهم، خاصّةً بعدما رأى الناس كيف تعامل هؤلاء الخبراء على نحوٍ غير كُفئٍ مع جائحة كورونا (2020) أو تسبّبهم في غزو العراق (2003) والأزمة المالية العالمية (2008) وما تبعها من آثار سلبيةٍ محليّةٍ وعالمية. تُواجِه المؤسّسات المحليّة والدولية حالياً أزمة ثقةٍ عميقةٍ من المستبعد تجازوها في وقتٍ قريب.
بناءً على كلّ هذه الأسباب، يُرجّح الكاتب بأنّ العالم سيسير بعيداً عن النظام الويسلوني وبل في بعض الأحيان على نحوٍ مناهضٍ له.
يُخصّص راسل ميد القسم الأخير من المقال للحديث عن التحدّيات التّي سيُواجهها بايدن وإدارته (الليبرالية الويلسونية) التّي تُقدّم آمالاً مُشرقةً بإحياء النزعة الويلسونية بعد انحدارها الشديد في حقبة ترامب، مؤكّداً بأنّ التركيز على الأمجاد الويلسونية للماضي لن يساعد على تطوير الأفكار والسياسات اللازمة في وقت يتزايد فيه الخطر.
يشرح الكاتب على نحوٍ مُختصرٍ مدارساً أربعاً أساسيةً عرفتها السياسة الخارجية الأمريكية عبر التاريخ (الهاميلتونية، الويلسونية، الجاكسونية والجيفرسونية)، ليُوصي بعدها بايدن بأنّ يتخلّى عن الويلسونية المُفرطة ويُوازن في سياسته الخارجية بين الطروحات التّي تُقدّمها هذه المدارس للمُحافظة على استمرار الإرث الويلسوني الإيجابي ما أمكن، محاججاً في النهاية بأنّه وعلى الرغم من هذا الركود الويلسوني الراهن إلاّ أنّ الرؤية الويلسونية سيظلّ لها وجودٌ وأثرٌ، ما دامت مغروسةً بعمقٍ في الثقافة السياسية الأمريكية، وما دامت القيْم التّي تتحدّث عنها تتمتّع بقدرٍ كبير من الجاذبية العالمية.
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الثاني، العدد السابع والخمسون، 01 يناير 2021، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
English PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0