أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

الروائي خلوصي عويضة يكتب عن القلم والرقابة

بقلم/ خلوصي عويضة

مع القلم؛ مقال نقدي ضد حضيض الواقع، ثمة إرث استبداد دموي متسلسل، أتساءل هنا؛ أي متى يصبح ماضيا؟ ….. شائع بين البشر ترديد مقولة ” شىء لا يصدق”، مفهومٌ فحواها المعبر عن وقوع المخالف للمألوف من قيم أو عادات وتقاليد، وأحسب أن الإنسان كلما عمّر أطول؛ عاش وسمع وشاهد، أدرك وإن متأخرا أن الحياة مليئة بما لا يصدق، تماما مثلما قد يدرك متأخرا أيضا؛ أن ليس كلّ ما يلمع ذهبا ولا لؤلؤا. أتراه أعمى أم مبصرا؛ من يرى الحاضر نقطة متضخمة؟؛ مثل ذرة غبار، ذرتان، ذرات تتكاثر، تبدو كومة كبيرة، تلا، جبلا؛ أكثر، أكرر أكثر وأكثر!.
مملوءا زمن الفراغ، زمن الانتظار الذي أحال الحياة إلى زمن مؤجل أو مجمد، بغبار يمنع العين أن ترى غير صورة وطن مطرزة بالقنابل والرصاص والأحلام المميتة. خلسة؛ من كوة أمل، أملٌ يستعصي على الوعي فهم عدم موته رُغم طول احتضاره، يغالبني الشعور؛ فأباغت بضربة ضوء، تتبعثر ملايين ذرات الغبار وتختلط الرؤية، يتراءى لي،حزمة أو خصلة شعر مذهب على غرّة سمراء أو سوداء، فاللعنة على الأمل ما أجمله وأقبحه، ما أرحمه وأقساه، هكذا؛ في غفلة؛ بين امتدادين غاب عنهما عزوف الرغبة الأكيد للكتابة مجددا في الفكر السياسي، وجدتني رغما عني؛ مشدودا الى ماضٍ وغد، إلا أن غول اليوم ظلّ شبحه شاخصا أمامي، ممسكا بتلابيب روحي، كأنما يسأل ساخرا أين المفر؟.
ما فتئت محاكم.التفتيش الفكري التابعة لأنظمة الحكم التسلطي، التعسفي، الاستبدادي، والأحزاب أيضا؛ والحركات، وجماعات الضغط التي تدور في فلكها، أو تعارضها إن في المضمون والجوهر؛ أو محض الشكل، ما برحت تُحرّم وتجرّم كلّ رأي مغاير لما تضخه أجهزة إعلامها؛ المرئي، المسموع، المقروء، والمنقول المنطوق على ألسنة المطبلين، لا يحيد هؤلاء ولا هؤلاء عن قناعاتهم المتحجرة أن أيما مواطن غير مؤطر ومؤدلج أو مدبلج ببغائيا برؤاهم السياسية؛ داعم لبرامجهم،؛ مؤيد ومستهلك جيد، أي دون تذمرٍ وامتعاض لما يتمّ طرحه من بضاعة في سوق الأوطان؛ هو أو هي؛ منفي، منبوذ، مطرود من جحيم جنتهم، إذ هو بحساب ميزان أساطيرهم السياسية الفكرية المزعومة؛ ملعون .
بعيدا عن التنظير لغير ما تعكسه مرآة الواقع من حقائق تنطق بها حوادث الأيام ومجرياتها؛ نرى بنور البصيرة أن نكران الآخر؛ هو جوهر ديدن هؤلاء وأولئك، وإن سمحت أو سنحت فرصة مواتية لسحقه وكنسه وشطبه من المشهد؛ واستئصال شأفته إن أمكن، فلسان حالهم ينطق” هلمّ لمحوه بلا هوادة”، إنها عقيدة قلوبهم وهوى قلوبهم؛ ثمرة مرارة الميراث الدموي للاستبداد بالرأي والحلّ والعقد، وما دعوى الحوار للتوافق والنظر بإيجابية لفحوى الاختلاف؛ غير ذر للرماد في عيون العامة حفاظا على العمى عن إدراك عمق أزمة الهوية الفكرية؛ وبالتالي النفسية التي نحيا، إن أخطر بلاء ووباء نعانيه الآن إنما يكمن في استشراء ضراوة ماكينة الكذب التي تعمل على مدار اللحظة؛ حتى استطاعت أن تحوّل سطحيتها وسذاجتها التي كانت مكشوفة سابقا؛ إلى مزاج عام مقبول وقابل بل أقرب للتصديق، كما في قلب الأخ عدوّا والعدو صديقا، التي شاهدنا فصول مسرحيتها على فضائيات عواصم عربية بشأن قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني، وذهبت أبعد إذ روّجت” بالترغيب والترهيب” أن أي نكوص عن اللحاق بركبها يعتبر تخريبا لمسيرة ومستقبل هذا القطر أو ذاك !!.
ما من علم إلا وهو أسير أدواته، حتى المعرفة أم العلوم أسيرة أدواتها، والسياسة وأهلها أسرى أدواتهم، إن الرهان الأكبر والأقوى لمنظومة القهر الفكري، والتسلّط المعرفي، وأدوات إعلامهم، وأعوانهم من الطبقة المثقفة، والبرجوازية الوطنية أباطرة المال، هؤلاء يدا بل جبهة واحدة في سعيهم الدؤوب لتذويب أيما معارضة حقيقية يمكن أن تقدم أطروحات فكرية مختلفة كبديل عن استمرار الدوران في ذات الساقية السياسية التي” وإن تبدلت بعض الوجوه”، لا تفعل شيئا غير إنتاج معطيات مستنسخة مكررة، ترفض الآخر الوطني، تروضه أو تغتاله في مهده، وغايتها تأبيد الواقع الراهن الذي يخدم بامتياز منقطع النظير ديمومة بقائها وتكاثر منافعها على امتداد الزمن القريب والبعيد، فضمن رأس أولوياتهم توريث غنائم الخراب لأجيال وأجيال، إن لم يكن لأبناء وأحفاد من سلالة أسلاف الدم؛ فمن سلالة المنهج المدمر لأمنيات وتطلعات عموم بسطاء الناس أولا، ثمّ الآخر المختلف؛ الطامح لبدء حقبة حياة جديدة، حيث الإنسان قيمة أكبر وأثمن وأغلى مما سواه، حيث حضور العدل بديهة ومسلمة من ركائز المجتمع المدني،المدني لا القبلي أو العشائري، حيث تصبح الأنظمة الملكية دستورية، وحيث يغدو التداول السلمي للحكم أمرا اعتياديا طبيعيا، يتمّ بسهولة ويسر، دون تآمر ومؤامرات، دون انقلابات، دون انقسامات سوداء، دون دماء وبغضاء، نزول ولا تزول آثارها.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0