قصص قصيرة مختارات مقالات نصوص أدبية

نص قصصي: هذيان

بقلم/ ورد آدم

تكتظ المقاهي والمطاعم والحدائق بحلقات من الاصدقاء يجلسون “بأُنس” مع بعضهم البعض، يبتسمون ويضحكون ويثرثرون دون توقف..
ويقفز إلى رأسي السؤال نفسه في كل مرة:
هل هم أصدقاء حقا، أم أن الهروب من الوحشة هو ما دفعهم لرفقة آنية قد لا تكون مناسبة أو مُرضية؟
أغبطهم أحيانا،
وأحيانا ابكي وأضحك على حالهم.
فقدت أول صديقة لي لأني نجحت بتفوق في الشهادة الإعدادية!
صديقتي وأختي وشريكتي في مقعد الدراسة لست سنوات خلت تركتني وتجاهلتني ببرود قاتل كعقاب لي على التفوق، والمضحك أن الفرق بيننا بالدرجات كان ضئيلا جدا لا يذكر..
يومها لم أفهم ما حدث وراحت أمي رحمها الله تقول لي : إنها الغيرة وما تفعله، إنه الحسد..
وما إلى هنالك من صفات لم أعرف عنها قبلا إلا رسمها.
حاولت استرداداها لكنها كانت جامدة كالأموات.
قضيت الثانوية منغمسة بالدراسة وقراءة ما تقع عليه يدي من كتب، مع عدد هائل من صديقات : “صباح الخير ويلا باي”
دون أن أحظى بصديقة حقيقية أشبك ذراعي بذراعها في وقت الاستراحة بين الحصص وأشاركها اسراري المضحكة..
في الجامعة صادقت فتاة لطيفة هاربة من الأحلام الوردية وبياض النوايا، لكنها تزوجتْ برجل يعمل في السلك العسكري، عندما زرتُها في منزلها لأول مرة وآخر مرة دُهشت لفخامة بيتها ومقتنياتها الثمينة ولما سألتها مستفسرة: ألم تقولي لي أن زوجك متوسط الحال؟
قالت نعم لكن كل ما ترينه في المنزل من فرش وأثاث كله هدايا، حتى خزانات المطبخ هدية!
_ هدايا ممن؟
_من الجنود الذين يخدمون”العلَم” تحت إمرته.
طعام الزقوم كانت كل لقمة تناولتها في بيتها ذلك اليوم، وتذكرت على الفور أخي الأصغر وهو يطلب بخجلٍ من أبي رحمه الله خمسمئة ليرة وعلبة “مبرومة” حتى يذهب بها للضابط الذي سمح له بزيارتنا لمدة 24 ساعة..
إذن فقد تركتها إلى الأبد.
ثم تعرفت إلى اخرى لطيفة ومثقفة وكنا نجد مواضيعا كثيرة نثرثر فيها..
ذات يوم سافرت صديقتي إلى أمريكا لقضاء شهر العسل والسياحة وهناك اكتشفت انها مصابة بسرطان شرس سريع الانتشار، فعادت الى الوطن لتقضي فيه ما تبقى من أيام لها..
سمحتْ لي بزيارتها مرة واحدة فقط، واشترطت علي أن لا نقول كلمة واحدة عن مرضها..
حاولت ألا أقول وهي حاولت ذلك فتكسرت حنجرتي من قبضة البكاء المكتوم، وعدت أحمل في داخلي نهرا من الدمع.
ولأنها كانت تشبهني رفضت كل أنواع المساندة المعنوية والمادية وانفصلت تماما عن العالم، انكمشت على نفسها وصمتت.
أذكر اني في يوم ذهبت الى بيتها باكية أتوسل امها لرؤيتها لكنها اعتذرت بارتباك بكت معي وعانقتني وقالت لي :لا أريد أن أغضبها في آخر ايامها لقد حلّفتني الا أسمح لبشر برؤيتها على هذه الحال..
رحلتْ صديقتي الى خالقها الرحيم ولم تسمح لي بالاقتراب منها.
في مصر، ساق الله لي صديقة في أحلك أيام حياتي، وقفت معي وكأنها أخت بل أم وأب.. كانت والله قبيلة من الطيبين.. تجلت فيها روح”مصر” كاملة.. بعد أن غادرت مصر بشهرين فقط توفاها الله الرحيم. دون ان أتمكن من مد يد العون لها أو الوقوف بجانبها..
هنا تعرفت خلال سبع سنوات على كثير من النساء لم أجد معهن أنسا ولا ألفة، ولأني طاعنة في التجارب وفرت على نفسي الخوض في كثيرٍ منها وبقيت وحدي..
ثم تقربت مني ثلاث صديقات جمعتهن مقاعد الدراسة وما زالت صداقتهن صامدة، لكل منهن نكهة ولون، لكني لا أستطيع حتى اللحظة أن أقول ما يجول بخاطري أمامهن، وإذا فعلت يفغرن أفواههن فأشعر بالخجل والغرابة..
مؤخرا أعني في آخر لقاءين لنا منذ شهور تكررت ملاحظتهن لي بطرق شتى: فيكي شي؟!
يبدو أني أشرد تماما وأنا برفقتهن أو يخيم حزن ما على وجهي بعد نوبة ضحك ومزاح.. يخجلني أيضا هذا الامر..
لكني الآن في كثير من الأحيان أفضل تلك الرفقة الآنية اللطيفة على الوحشة، وإن كان موضوع اجتماعنا حديث عن الطعام وتسريحات الشعر والتسوق..
المهم في الأمر أن يهرب الإنسان من نفسه قليلا، ويتشاغل عنها بالآخرين حتى يصير مثلهم.. وربما حتى يصير في قادم الأيام:
أحدَهم.
هذيان
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0