أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات نصوص أدبية

هذا ما يحب البشر مشاهدته بالتحديد و يتلذذون به

بقلم/ ورد آدم
من الصعب أن تتكهن بماهية الروح القابعة خلف الحدود و المسافات، خلف الأوراق و لوحات الكتابة الرقمية، الروح التي تكتب لك لتقرأ !
بعض الكتاب لفرط براعتهم يدفعونك لتخيلهم و كأنهم يعيشون في برج قصي قديم، أو في فقاعة شفافة يرون من خلالها كل شيء حولهم بعين راصدة ذكية، يتلصصون على الحياة و عليك، دون أن يضطروا لعيش الحياة التي تكابدها أنت و يكتبون عنها هم.
لكن ماذا لو عرفت هذه الروح عن كثب؟
كان وجهها لطيفا مريح وبشرتها بيضاء رقيقة جدا، تحاصر خطوط التقدم بالسن عينيها كأي إنسان عادي، دون أدنى محاولة منها لتعديل هذا الأمر و تجميله، تصر دائما على جمع شعرها في الخلف لتضمة بعقدة مطاطية بسيطة و كأنها طفلة صغيرة أو طالبة مطيعة في مدرسة صارمة القوانين، أحمر شفاه فاقع اللون برتقالي أو أحمر تطلي به شفتيها الرقيقتين غير مبالية بأسنانها السفلية الداكنة المتصبغة،
هكذا كانت الروائية اللطيفة البارعة الذكية .. إيميلي نوثومب، تحرقت شوقا لأعرف شكلها فقط و إذ بي أعثر بعد البحث على مقاطع مصورة لها و لقاءات و حفلات توقيع لكتبها وو …
من كان يتخيل أن المرأة التي تحكم سرد القصص و تخلق على الورق شخصيات غليظة الطبع، ارتكبت من قبل جرائم و أفعال شنيعة قد تكون بهذه الرقة و الهشاشة ؟
تقول في مقطع مصور أنها تعاني دائما من شعورها المؤلم بكرهها لنفسها، هي لا تحب نفسها بل تكرهها و تعلل ذلك بأن تلميحات أسرتها إذ كانت طفلة لم تتوقف للإشارة لها بأنها الطفلة الذكية .. لكن القبيحة!
و كانت إيميلي في روايتها بيوغرافيا الجوع والتي كانت بمثابة سيرة ذاتية لها قد كتبت بتفصيل و إسهاب عن جمال أختها الكبرى، وصفته مبهورة به دون أن تنسى التنكيل بنفسها على صفاتها الخَلقية المتواضعة قياسا بأختها ..
بدت في المقطع المصور تشرح ذلك بملامح مضطربة و بشرة متعرقة، تحكي فيما ترف بجفنيها بطريقة مضحكة لطيفة لم ألاحظها قبلا الا في الأطفال، إذ تغلق جفنا قبل الآخر !
تحكي عن ضعفها الداخلي و عن فشل الشهرة و النجاح بإعطائها الحب و الثقة الذين افتقدتهما إذ كانت طفلة ..
و لذلك فقد لجأت إلى نوع من” العلاج الروحاني” إن صح التعبير للوصول إلى السلام الداخلي !
وهنا تحضرني فكرة قرأتها في مكان ما قد يكون لها جذر حقيقي في علم النفس فحواها :
يبقى الإنسان طوال حياته عالقا في المرحلة التي لم يشبعها من حياته!
يبقى عالقا فيها يدور حولها .. تتمحور أفكاره و احتياجاته اللاحقة و طريقة تصرفاته حولها في محاولة لإشباعها، سواء كانت حبا .. اهتماما .. او ما إلى هنالك ..
المدهش، ربما المريح في الأمر مراقبة هشاشة الآخرين عن كثب: حتى أميلي نوثومب قلقة و غير سعيدة !
نعم نحن نحب مشاهدة انهيار الآخرين نحب مراقبتهم عند تعريهم من شجاعتهم، ثقتهم، حنكتهم .. نحب و نستمتع بمشاهدة الخراب .
نحب التلصص على حياة الآخرين، على فجائعها خاصة ربما لنشعر أننا بخير، أننا أفضل منهم،
و ربما لأننا نملك دمعتين فائضتين عن الحاجة نحتاج للتخلص منهما بطريقة حضارية تدعو للفخر،
ربما لنخفف من شعورنا بالعار تجاه نقصنا أو ذنوبنا مثلا .
تحضرني هنا، قصة كتبتها منذ شهور عن امرأة وزنها ١٤٤ كيلو .. حيث عرضت المرأة معاناتها كاملة بأسلوب ساخر
كانت المرأة إذ تشرح معاناتها تقشر روحها طبقة .. طبقة
تعري نفسها التي اجتهدت بإخفائها خلف السخرية و الصمت،
كانت تنهار ببطء .. كان عرضا حيا لهشاشتها ..
لا أنسى عدد الإعجابات الذي لم يحصده قبلا أي نص آخر كتبته .. هل تعتقدون أن النص هو البطل ؟
هل كان نصا استثنائيا!
لا .. لم يكن كذلك، ليس النص يا أصدقائي .. بل الفاجعة الموجودة في النص ..
الفضيحة الموجودة فيه، الاعتراف الذي لا يجرؤ كثيرون على اقترافه !
الاعتراف بالغرابة و البشاعة و تحقير الذات،
هذا ما يحب البشر مشاهدته بالتحديد و يتلذذون به.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0