أدب و تراث سياسة مختارات مقالات نصوص أدبية

سأخون وطني …

سأخون وطني …
بقلم/ ماجد الصالح خليفات
.
لم يكن ينقصني وأنا أنتظر إحماء السيارة في الصباح، سوى أن أستفتح يومي باقتراح من خدمة أخبار جوجل موبايل لخبر يحكي عن إحباط امرأة أمريكية بعد أن أُصيبت بسرطان اللسان، حيث تقول المريضة: شعرت بخيانة جسدي لي، لقد عشت حياتا صحية تماما، بلا تدخين وبلا مشروبات كحولية، وبنظام غذائي متوازن وصحي، أداوم على التمارين الرياضية كل يوم، إلا أن هذا كله لم يمنع خلايا لساني الحُرشفية من التورّم. لا أعرف ما كان عليّ فعله أكثر لأتجنب مثل هذه الأمراض.
.
ذكّرتني قصة هذه المريضة التي نتمنى لها الشفاء بعد عمليتها التي استأصلت فيها جزء من لسانها ففقدت على إثرها بعض صوتها؛ ذكرتني بفرخ حمام برّيّ وجدته في صباي ملقا بين الأحجار نهبا لأي قط قد يراه. فأخذته إلى البيت واعتنيت به يوميا إطعاما ورعاية. كنت أقضي يومي في المدرسة مشغول الفِكر، ثم أرجع مسرعا لأطمئن عليه وأحضّر له ما ينقصه، إلى أن كبر وتبدّل منقاره اللبني، ونبتت ريشات رمادية داكنة محل زغبه الأبيض. كنت أنظر في عينيه الصغيرتين فأرى وجهي ضغيرا متطاولا كأنما حُشر في زجاجة كولا. لم تمر أيام كثيرة حتى بدأنا نتدرب على الطيران، أرفعه حتى حوضي وألقيه برفق فيفرد جناحيه تلقائيا خوف السقوط، وهكذا إلى أن طار.. طار بلا عودة تاركا خلفه علامة تعجب مشنوقة فوق رأسي كسرطان في لسان سيدة اعتنت بجسدها عقودا..
.
الأمر لا يتعلق بتاتا بنكران المعروف. لأن الاختلاف بين القصتين واضح في أن الجسد في الأولى قد قاسى ما قاسته روح المريضة، إنما هذا يُفضي إلى ذاك. أما في الثانية فالطائر برّي، لم يعرف الأٌنس في فطرته التي زرعها الله فيه منذ خرج من أول بيضة منذ آلاف السنين. وعليه فإن بيت القصيد في السؤال عن الجدوى؟!
.
مالجدوى من التصاقنا بالوطن.. ما الجدوى في الانتماء الخفي لهذه الأرض أو تلك؟ إن كنّا بذرنا في تربتها أعمارنا وسقيناها رحيق زهرة شبابنا ثم أطعمتنا بلا شفقة للفاسدين وكأنها سنة الحياة!
.
مالذي كان علينا فعله أكثر ليرضى عنا هذا الوطن! ماذا كان ينقصنا لنقدمه قربانا له فيكفّ هو عن تقديمنا نحن وأعطياتنا قرابين في بلاط فاسديه من رأسهم حتى الأطراف!
.
يا سادة يا كرام.. هذا ليس خوضا في السياسة يا سَدَنة المطارات والمنافذ البريّة، ولا ذريعة لتبرير الإحباط من الوطن -لا الدولة- ولكنها الحقيقة التي تسللت إلى نفوس الجميع بأن لا مكان لنا على هذه الأرض إلا لمن قرر أن ينتفع به منفعة صرفة.
.
كنت دوما من فصيل الإقرار بما قدمته لنا أوطاننا وبأنها كالأمهات لم نجزِها معشار ما بذلته لنا. لكن لنكن صادقين: نحن الذي قدّمنا. هذه الأوطان هرست حيواتنا التي لن نعيشها مرتين. لقد سلّمتنا جيلا فجيل لمن نظروا إلينا نظرَ الثري لبضاعة مزجاة.
.
مُحزِن أني بتّ أرى يوميا كثيرا ممن لا ينقصهم المال أو الصحة أو المركز للبقاء في وطنهم إلا أنهم يفضلون الهجرة عنه.. لا أقول لطارئ.. بل لاستبداله كليا بلا شيء، للانتقال إلى أرض لن تكون وطنا بديلا، بل فسحة لقضاء ما بقي من أعمارهم، بعيدا عن وطن سرق ماضيهم، وها هو يتحالف بسلطاته أو أسواطه الثلاثة لكتم الحاضر المضارع.
.
نحن لم نخن أوطاننا، بل هل التي خانتنا بعد كل ما قدّمناه لها. وختاما أقول ما قالته المصابة بالسرطان أعلاه: أنا لا أعرف ما كان عليّ فعله أكثر لأتجنب مثل هذه المرض.
.
والسلام.
*سأخون وطني: العنوان مقتبس من عنوان مجموعة مقالات ساخرة للراحل محمد الماغوط.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0