أدب و تراث دين مختارات مقالات

واجبنا تجاه الاجتهاد والتقليد 

واجبنا تجاه الاجتهاد والتقليد 
بقلم/ د. يسري عبد الغني
نحاول في هذه الكلمة أن نعرج على واجبنا إزاء الاجتهاد والتقليد ، وذلك بإرساء قاعدة الاجتهاد الديني الذي لا يمكن أن يترسخ إلا بإشاعة العلم الشرعي ، فالعلم هو قاعدة التجديد ، وهو الحصن الواقي للأمة من غارات الجهل والخرافة والتعصب والتطرف .
لقد كثر الخلاف من قديم بين أنصار التقليد لواحد من المذاهب الفقهية السائدة بين المسلمين كالمذاهب الأربعة المعروفة بين أهل السنة ، أو غيرها لدى الشيعة .
ومن أقدم ما روي في ذلك ـ حسب علمنا المتواضع ـ إنكار أمراء الأيوبيين على الملك الظاهر كونه حنفياً وهم جميعاً شافعية ، وكذلك اتهام علماء ذلك العصر (في القرن السابع الهجري ) أحدهم أنه يبغي إحداث مذهب فقهي خامس ، أي غير المذاهب الربعة المعروفة.
وقد كتب الإمام / جلال الدين السيوطي في مطلع القرن العاشر الهجري كتابه الذي طبع في القاهرة في أواسط التسعينات من القرن الميلادي الماضي ، بعنوان : (الرد على من أخلد إلى الأرض ، وجعل الاجتهاد في كل عصر فرض ) ، ومعلوم أنه ادعى الاجتهاد لنفسه فعارضه الكثير من العلماء من أهل عصره .
وقد زعم بعض المتأخرين أيضاً أن الحق لا يخرج عن أئمة المذاهب الأربعة (أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل) ، مع أن الثابت عن كل واحد من الأئمة المذكورين ـ وروي عن غيرهم أيضاً ـ نهيهم الجميع عن اتباع أقوالهم بلا دليل ، وقولهم : إذا صح الحديث فهو مذهبي .
وقد نقل ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار : إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه ، ولا يخرج عن كونه حنفياً للعمل به ، وقد صح عن ابن عابدين أنه قال أيضاً : إذا صح الحديث فهو مذهبي .
وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة النعمان ، وعن غيره من الأئمة ، ونقل الأجهوري والخراشي في شرحهما عن مختصر (خليل) عن معن بن عيسى قال : ” سمعت مالكاً يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا ما في رأيي فإن وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لا يوافقهما فاتركوه … ” ، وقد نقل هذا الكلام أكثر من عالم وفقيه عن ابن عبد البر في كتابه المعروف : ( الجامع بين العلم وفضله …) .
ولعل القارئ الكريم يرى معي أن أكثر من يتصدون للكتابة والاجتهاد والإفتاء في الموضوعات والقضايا الإسلامية من أهل عصرنا ، وفي مختلف البلاد الإسلامية ، بكل أسف أصحاب بضاعة قليلة من العلم بالدين والفقه بأصولهما وقواعدهما ، كما أنهما أصحاب تمكن قليل في العلوم الشرعية ، أعني علوم القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ، وعلوم العقيدة والفقه ، وأصول الفقه الذي يلزم له بالإضافة إلى معرفة قواعده وأسسه دراية واسعة وتمكن كبير من اللغة العربية وتفقه عميق في أسرارها ، ومعرفة بالناسخ والمنسوخ وتاريخ التشريع ، وسائر ما اشترطه العلماء في أهل الاجتهاد وخاصة الإلمام التام والكامل بأحوال العصر ومستجداته ، وما نزل بالناس في زمانهم من قضايا ونوازل ، وما نشأ بسبب تطور الحياة المعاصرة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً من معضلات ومسائل .
إن مهمة الفقيه أو المجتهد الحقيقية هي تنزيل أحكام الله تعالى على أحوال الواقع المعاش ، ومن لم يتمكن من طرفي هذه المعادلة فليس بفقيه ، ولا ينبغي له أن يتكلم في الفقه فضلاً عن الاجتهاد فيه .
أقول لكم : إنه ربما كان الأولى بنا بدلاً من الكلام الكثير الذي نسمعه عن فتح باب الاجتهاد أو إغلاقه ، والإسهام في المعارك الكلامية الجدلية حول الاجتهاد والتقليد ، أولى بنا جميعاً أن نصرف جهودنا إلى إرساء القاعدة الراسخة للعلم الديني الصحيح الذي جوهره : الوسطية ، والاعتدال ، والدعوة بالتي هي أحسن ، بعيداً عن الانغلاق أو التعصب .
إننا بنشر العلم الديني الصحيح المستنير نضع البنية الأساسية للفكر الإسلامي التجديدي ، ذلك الفكر الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، القادر على تلبية حاجات المسلمين في جميع البلاد الإسلامية وخارجها ، في ضوء شريعة الإسلام الصالحة لكل زمان ومكان .
ولنعلم : أن الاجتهاد ـ بلا ريب ـ ضرورة دينية بعد عصر النبوة لانحصار النصوص وعدم انحصار النوازل المتجددة ،وهذه قضية لا يماري فيها عالم بالدين متفقه فيه .
ونؤكد هنا على أنه لا يجوز أن يقوم بالاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية ، وحل المشكلات و المعضلات كل واحد من المسلمين ، بل لا بد من توافر حد الكفاءة في من ينهض بذلك ، وذلك أيضاً لا يمكن أن يجادل فيه أي عالم دارس للفقه وقواعده وأصوله وعلومه .
وصدق الله تعالى إذ يقول في محكم آياته :{ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [الأنبياء : 7] .
وأهل الذكر هم أهل العلم والمعرفة والاختصاص ، من علماء الدين ، ومن الفقهاء الثقات ، أصحاب الكفاءة ، الذين يعرفون بعمق ودراية أصول الفقه .
وحد الكفاءة ـ وإذا أردنا الاختصار ـ ثلاثة أمور : التمكن من علوم اللغة العربية ، والتفقه الواعي في العلوم الشرعية ، والمعرفة بالواقع المعاصر من كافة جوانبه .
إننا مطالبون شرعاً كأمة مسلمة ـ على سبيل فرض الكفاية ـ بدعم تدريس العلوم الدينية وإشاعتها وترقيتها (وهذا هو الأهم ) ، بما يتيح ظهور الفقيه الحقيقي المؤهل للاجتهاد النافع للناس .
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0